أسباب اقتصادية وراء التمسك بإعادة انتخابات إسطنبول

أسباب اقتصادية وراء التمسك بإعادة انتخابات إسطنبول

26 مايو 2019
الصورة
إسطنبول أكبر مدن تركيا وعاصمتها الاقتصادية (الأناضول)
+ الخط -
السؤال الأكثر طرحاً في تركيا، وربما خارجها، لماذا طعن حزب "العدالة والتنمية" الحاكم بانتخابات إسطنبول التي جرت في 31 مارس/آذار الماضي، رغم التوقعات وربما التحذيرات، من أن نتائج إعادة الانتخابات، قد تؤجج الشارع وتدخل تركيا في "ربيع" نظراً لما تتوعد به المعارضة، بعد الفوز المشكوك به، لمرشح حزب الشعب الجمهوري، أكرم إمام أوغلو، وتأخذ من إعادة الانتخابات، ذريعة بأن الحزب الحاكم يستقوي ويرفض النتائج الديمقراطية وقرارات الشعب.

ثمة أسباب اقتصادية مهمة، بعيداً عن الأسباب السياسية التي فصلّها الرئيس التركي، خلال مأدبة إفطار قبل أيام، من أن الشعب التركي لن يرضخ للتهديدات والضغط التي يتعرض لها عبر الانتقادات الدولية لقرار لأن الشعب الذي حافظ على إرادته برفصه في 15 يوليو/تموز 2016 "محاولة الانقلاب الفاشلة" سيتخذ قراره في 23 يونيو/حزيران "إعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول "بإرادته الحرة، لأن المسألة برأي أردوغان، تخص الصندوق والإرادة الوطنية، ودعم النضال الديمقراطي لتركيا.

قرار إعادة الانتخابات

حسمت اللجنة العليا للانتخابات الأسبوع الماضي، قرارها على الاعتراضات المقدمة من حزب "العدالة والتنمية" وقررت إعادة انتخابات إسطنبول الكبرى فقط، بأغلبية سبعة أعضاء مقابل رفض أربعة.

لكن اللجنة لم توافق على طلب حزبي "الشعب الجمهوري" و"الجيد" المعارضين، لإعادة انتخابات بلدية إسطنبول بالكامل "بلديات الأقضية والمخاتير وأعضاء مجلس البلدية في الولاية" أو إعادة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي شهدتها تركيا في 24 يونيو/ حزيران 2018.


وكانت اللجنة قد قررت، في 6 مايو/أيار الجاري، إلغاء نتائج التصويت على رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، وإعادة إجرائها في 23 يونيو/حزيران المقبل؛ وذلك بعد النظر في الطعون المقدمة من قِبل حزب "العدالة والتنمية" الحاكم.

لماذا إسطنبول

يقال "لو كان العالم كله دولة واحدة، لكانت إسطنبول عاصمتها" لأنها تربط عبر تاريخها وتعاقب الحضارات عليها، العالم، كل العالم بها، وفيها منذ بيزنطة وصولاً لإسطنبول، لكل عاشق وساع لمال وسياحة، وحتى شهرة، نصيب.

إسطنبول أكبر المدن التركية وثاني أكبر مدينة في العالم من حيث عدد السكان وعاصمة اقتصادية وسياحية وثقافية تقع في إقليم مرمرة شمال غربي البلاد وتُعرف تاريخيا باسم بيزنطة والقسطنطينية والأستانة وإسلامبول، ومن ثم إسطنبول.

وشغلت المدينة الواقعة بآسيا وأروبا ويفصل بين القارتين البوسفور، عاصمة لعدد من الدول والإمبراطوريات عبر تاريخها الطويل، بحكم موقعها الجغرافي والحضاري المركزي، فكانت عاصمة للإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية البيزنطية، والإمبراطورية اللاتينية والدولة العثمانية

وإسطنبول بحسب آخر بيان لهيئة الإحصاء التركية، زادت عن سكان 131 دولة حول العالم، بعد أن بلغ عدد سكانها 15.677 مليون نسمة، لتتجاوز عدد السكان، بلجيكا (11.5 مليون نسمة)، واليونان (11.1 مليون نسمة)، والنمسا (8.8 ملايين نسمة)، وبلغاريا (7 ملايين نسمة) ومعظم عدد سكان دول الخليج العربي.

ولأنها، بدأت بعصرنا الراهن، تزحف لتكون عاصمة العالم من جديد، وليس من مفاجأة حتى، إن جعل الأتراك لإسطنبول، تأشيرة دخول خاصة وبدأوا يروجونها كـ"كيان" مستقل عن بلادهم، وكأن لكل سكان الأرض منها حصة، ولهم فيها إرثا ونصيبا.

ويبلغ إجمالي مساحة إسطنبول 5461 كيلومترا مربعا، وتبلغ مساحة اليابسة منها 5343 كيلومترا مربعا، بينما تبلغ مساحة المدينة المركزية 1830 كيلومترا مربعا، وتنقسم المدينة إداريا إلى 39 بلدية منها 27 بلدية تشكل المدينة المركزية تم اختيار إسطنبول كعاصمة مشتركة للثقافة الأوروبية لعام 2010، وكانت معالمها التاريخية قد أضيفت قبل ذلك، في عام 1985، إلى قائمة مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو).

فإسطنبول ولجهة السياحة على سبيل المثال، استقبلت العام الفائت، نحو 13.5 مليون سائح، بزيادة عن عام 2017 بنسبة 24%، ليكون لإسطنبول، ربما الفضل الأهم، برفع عائدات السياحة التركية لنحو 30 مليار دولار، بل وتسريع الحلم خلال مئوية تأسيس الجمهورية عام 2023، بوصول السياح لخمسين مليونا والعائدات لخمسين مليار دولار.

وسقطت القسطنطينية يوم 29 مايو/ أيار عام 1453 للميلاد في أيدي العثمانيين بقيادة السلطان محمد الثاني الملقب بالفاتح بعد حصارها لمدة 53 يوما، وبعد عمليات عسكرية معقدة لتجاوز خطوط الدفاع "سور القسطنطينية" التي تحمي المدينة من البر والبحر وبعد الفتح العثماني، نقل الفاتح عاصمة الدولة العثمانية من أدرنة إلى القسطنطينية التي أصبح اسمها إسلامبول (أي مدينة الإسلام)، وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ المدينة، ارتبطت بعاصمة الامبراطورية العثمانية التي مثّلت الإسلام حينذاك وتوسعت، بدءاً من الاستيلاء على مناطق سيطرة البيزنطيين في الأناضول وآسيا الصغرى خلال حكم أولاد أرطغرل، وصولاً لبلاد الشام ومصر بعهد سليم الأول، ثم أوج عصرها، لجزيرة رودس، والقسم الجنوبي والأوسط من بلاد المجر، وطرابلس الغرب، بزمن الابن سليمان الذي لُقب بالقانوني.

مركز تركيا ومستقبلها

تحظى مدينة إسطنبول باهتمام الحكومة التركية المتواصل لتبقى العاصمة الاقتصادية، ويجمع كل من يتطلع للاستثمار بتركيا، على أن إسطنبول هي المنطلق، نظرا لما تحويه من استثمارات ضخمة ومراكز اقتصادية متخصصة وسوق استهلاكية بحجم دولة.

وفضلاً عن أهمية إسطنبول السياحية على اعتبارها موقعا أثريا متكاملا ومتحفا تاريخيا كبيرا، فهي توفر فرص عمل لـ20% من الأيدي العاملة في تركيا، وتسهم بـ22% من الناتج القومي التركي، ويؤخذ منها 40% من مجموع الضرائب في الدولة، وتنتج 55% من الصادرات التركية.

ثمة مشروعات ضخمة وهائلة بإسطنبول، كالمطار الثالث وقناة إسطنبول، والجديد اليوم، هو مركز إسطنبول المالي كمثال، لنعرف وزن هذه المدينة ودورها كقاطرة تجر الاقتصاد التركي برمته، فالحكومة التركية وضعت مؤخراً، خطة لبناء مركز مالي ضخم مع حلول 2020، بمشاركة شركات عملاقة في مجال البناء والتمويل أيضا، وذلك بهدف توسيع حصتها من الاستثمارات الأجنبية بشكل مباشر، ورفع مستوى الناتج المحلي والمضي قدما في تجسيد رؤية تركيا 2023.


المشروع الذي بدأ تنفيذه منذ 2009، سيتواجد في منطقة أتاشهير بالعاصمة إسطنبول، ويمتد تصميمه على مساحة 2.5 مليون متر مربع، ويشمل مساحة مكتبية تمتد لـ560 ألف متر مربع، وأيضا محلات ومساحات للتسوق تبلغ 90 ألف متر مربع، وسيكون هناك فندق فخم يمتد لـ60 ألف متر مربع، اضافة إلى 60 ألف متر مربع أخرى خاصة بالمساحات السكنية والشقق، وأيضا مركز للثقافة والمؤتمرات بسعة ألفي شخص، وسيوفر 30 ألف وظيفة.

وتبلغ كلفة المشروع بحسب شركة “إملاك للاستثمارات المالية”، نحو 7 مليارات ليرة تركية (ما يعادل 1.2 مليار دولار). ومن المتوقع أن ينتهي بناء وتجهيز مركز اسطنبول المالي بحلول 31 ديسمبر/كانون الأول 2022، ليتم نقل المؤسسات الاقتصادية الكبرى ومراكز المصارف الرئيسية إلى المركز، لجمع جميع المؤسسات المالية تحت سقف واحد، وتحقيق الهدف المنشود من انشاء المركز المالي ومنح تركيا دفعة قوية على المستوى الاقتصادي والمالي.

سر إسطنبول الاقتصادي

ربما من أهم أسرار إسطنبول المالية، والتي بنظر كثيرين، تعتبر سبباً مهماً للتنافس على رئاسة بلديتها الكبرى، "الميزانية" حيث فاقت ميزانية إسطنبول الموحدة لعام 2018، ميزانية رئاسة الجمهورية والبرلمان و18 وزارة تركية، كل على حدة.

وتزيد ميزانية المدينة "الموحدة" لعام 2018 نحو 42 مليار ليرة تركية (الدولار نحو 6 ليرات تركية) بزيادة بنسبة 8.65 % عن عام 2017.

وكانت رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، حددت ميزانية إسطنبول بـ 20 مليارا و100 ألف ليرة تركية، ومع إضافة عائدات تشغيل إدارتي المياه والمصاريف الصحية، والمواصلات، وصلت الميزانية الموحدة للمدينة إلى 42 مليارا و600 مليون ليرة تركية.

وفي كلمة له خلال اجتماعات مناقشة ميزانية عام 2018، قال رئيس بلدية إسطنبول السابق، مولود أويصال، إن نصيب الاستثمارات في ميزانية العام القادم، بلغ 16 مليارا و113 مليون ليرة تركية، فيما بلغ نصيب المواصلات 6 مليارات و822 مليون ليرة تركية.

وبهذه الميزانية تكون ميزانية بلدية إسطنبول الكبرى، أكبر ميزانية بتركيا، بعد ميزانيات الخزانة التركية وثلاث وزارات" المالية، التعليم والعمل والسياسات الاجتماعية" وتفوق ميزانية إسطنبول، حتى ميزانية وزارة الدفاع التي بلغت 40 مليارا و402 مليون و239 ألف ليرة تركية.



ويرى كثيرون، أن من يمتلك قرار "إسطنبول الكبرى" المالي، يمكنه أن يقيم شبكة علاقات مع مستثمرين وحتى دول، بل ويؤمن عبر الصفقات رصيدا وعائدا لحزبه ويوسع من قواعده الجماهيرية.

بوصلة تركيا وتعافيها

تستحوذ إسطنبول على أهم المشروعات بتركيا، ففيها المطار الثالث الذي بدأ بمرحلته الأولى أخيراً والذي تفوق تكلفته الإجمالية 30 مليار دولار وفيها قناة إسطنبول التي تزيد تكاليفها عن 10 مليارات دولار، كما يعد النقل والمواصلات بإسطنبول، من أهم أسرارها، إذ تفوق حصة مشاريع المواصلات ضمن البلدية، حيث بلغت 6.8 مليارات ليرة تركية.

لذا، يرى كثيرون إسطنبول "ترمومتر" الاقتصاد التركي بل والسياسي، ونظراً لهذا الثقل، المضاف إليه السياحة والاستثمارات، رأينا ومجرد الإعلان عن إعادة انتخابات إسطنبول، اضطراباً بالاقتصاد التركي برمته، تجلى ربما عبر تذبذب سعر صرف الليرة التي هوت مقابل الدولار إلى أكثر من 6 ليرات، وتردد الاستثمارات وربما هروب بعض الأموال الساخنة، خوفاً مما قد يتمخض عن الانتخابات، من سيناريوهات لم تزل غير محددة، أقصاها النزول إلى الشوارع كما هددت الأحزاب المعارضة، بل ونزلت الأسبوع الفائت، بعد قرار اللجنة العليا للانتخابات، إلى شوارع بعض الأحياء الإسطنبولية.

المساهمون