أساطير جهيمان في السعودية

أساطير جهيمان في السعودية

05 يناير 2017
الصورة

جهيمان العيتبي اقتحم الحرم المكي وأنصاره في نوفمبر 1979(ويكيبيديا)

+ الخط -
استعرض أحد المثقفين السعوديين، الأسبوع الماضي، في أحد المنتديات الثقافية، ورقةً تبحث في تاريخ السينما في السعودية، وبدأ حديثهُ بإشارة إلى أن وجود السينما في السعودية "انتهى بعد جهيمان". كانت الإشارة سريعةً للغاية وثانويةً في موضوع الورقة، لكن الصحافة السعودية نشرت تغطيتها الأمسية تحت عنوان "جهيمان اغتال السينما في السعودية"، وتداوله متابعون بشغف وحسرة على مظاهر "الحداثة" التي اغتالها جهيمان، بحركته التي أدخلت البلاد في نفق التشدد حتى اليوم. لكن، وعلى الرغم من أهمية التأكيد على أن واقعة احتلال الحرم المكّي الشريف، في نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، مركزيةً في تاريخ السعودية الحديث، إلا أنّ هناك نوعاً من الاستسهال في نـِسبة نزاعاتٍ اجتماعيةٍ راهنةٍ كثيرةٍ حول المرأة والترفيه والفنّ، إلى تلك الحادثة حصرياً. لقد ضُرب نوعٌ من الحظر امتدّ سنوات طويلة على الحادثة، وعلى المعلومات الواقعية حول رموز حركة جهيمان ودوافعهم، فاكتسبت الحادثة بُعداً أسطورياً في ذاتها تدمغهُ صورة جهيمان العتيبي البدائية وفكرة "المهدي" واقتراب القيامة. لكن، مع تزايد الأزمات والنزاعات حول التحديث في العقد الأخير، برز نوعٌ آخر من الفهم الأسطوري لحادثة جهيمان، يقول إن "الدولة أعدمت جهيمان، ثم رضخت لمطالبه"، وأن حادثة جهيمان كانت انطلاقةً لمرحلة الصحوة، وأن المجتمع كان يعيش حياةً مختلفة بشكلٍ كبير قبل حادثة جهيمان، وأنه لولا الحادثة لكانت الفنون مزدهرةً والعلاقات الاجتماعية طبيعيةً بين الجماعات الاجتماعية وبين الجنسين.
تغذّت جماعة جهيمان على أسطورة المهدوية، ثم تحولت بدورها إلى مركز للأساطير السياسية التي تستخدم تلك الواقعة، منفردةً ومعزولةً غالباً، لتفسير الأزمات الاجتماعية، ومثلما يوجد المهدي بوصفهِ رمزاً خلاصياً في أحاديث نهاية الزمان، يحضر جهيمان، في التحليلات الاجتماعية السطحية، رمزاً للتشدد حدّ الهوس، والماضوية وإعاقة التحديث وتعطيل التقدّم. ومثل أسطورة المهدوية، تحتاج أسطورة "الجهيمانية" إلى التأمل والنقد.
تثبت أغلب المراجع حول حادثة جهيمان أن تغيراً ذا صلة بالحادثة برز في إدارة الحكومة 
للفضاء العام، في البث التلفزيوني الذي تقلص ظهور النساء والموسيقى فيه لصالح المواعظ والموادّ الدينية، ووُضِع نظامٌ جديد لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتصاعدت الميزانية المخصصة للهيئة خلال الأعوام التالية. هذا أمرٌ لا خلاف فيه تقريباً. لكن ثمة خلافاتٍ كبيرة حول سبب هذا التغير، وتفسيره، وتأثيره. من أهم التفسيرات السطحية الشائعة وصف هذه المرحلة بـ"الرضوخ لفكر جهيمان"، وإذا كان أصحاب هذه الفكرة مؤمنين بها حرفياً، فهي تدخل في باب اللامعقول، لأنه لا مبرّر لسلطةٍ هزمت جماعةً رَفضيّة معزولة من 200 شخص، وأعدمت كل أفرادها وسجنتهم، أن ترضخ لمطالب هذه الجماعة، خصوصاً أنها لم تكن ذات امتدادٍ شعبيّ، بل وأفضت قناعاتها المهدوية واحتلالها الحرم إلى درجةٍ من النفور والتوجّس الاجتماعي، يتجاوز الجماعة إلى غيرها من الحركات الدينية المستحدثة. أما إذا كان معنى العبارة السابقة أن السلطة اتّجهت إلى تشديد الضبط الديني الاجتماعي، لتحمي شرعيّتها المستندة إلى الدين وحماية المقدسات، من مزايدة الحركات الدينية عليها ومنافستها لها، فإن هذا صحيح، لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا: هل كانت مثل هذه المزايدة لتشكّل تهديداً، لو لم يكن الدين مكوناً أساساً، بل المكوّن الأساس، من مكونات شرعية هذه السُّلطة؟ والسؤال الأهم: لماذا لم تباشر هذه السلطة خلال عملية بناء الدولة الحديثة، وحتى الآن، إعادة بناء مكوّنات شرعيتها على أسسٍ مختلفة، بحيث لا تعود المزايدات الدينية تمثل تهديداً حقيقياً وقيداً يعوقها عن التحديث؟ ولماذا كان من الضروريّ للسلطة تـَـركُ المجال الديني الرسميّ بلا تحديث أو خلخلة أو تحرير، بينما كانت يد التحديث تطاول أغلب المجالات الأخرى، ليخلق هذا واقعاً متنافراً؟ احتاجت الحكومة، خلال حادثة الحرم، إلى مظلةٍ من الفتاوى الشرعية من مشايخ المؤسسة الرسمية، تستند إليها في عملية اقتحام الحرم، لكنّ هذه المؤسسة الدينية الرسمية نفسها لم تكن تختلف مع جماعة جهيمان في الاستياء من مظاهر التحديث والتّفلّت من الضوابط الدينية.
ويبدو أن عملية استعادة الضبط الديني للمجتمع لاحقاً تمثل استجابة لرؤية المؤسسة الدينية الرسمية، أكثر من كونها استجابة لحركة جهيمان. صرّح ولي العهد الأمير فهد عام 1980 لصحيفة السفير (اللبنانية) بعد القضاء على حركة جهيمان، "هناك من يطالبنا الآن بالمزيد من التشدّد، ويتهمنا بالتقصير لأننا نسمح باستعمال التلفزيون، وهو في رأيهم حرام، ونسمح بالتصوير...". لا يمكن لوم حركة جهيمان على أزمات التحديث التي نعيشها حتى اليوم، من دون طرح سؤالٍ موازٍ عن الحقيقة المدهشة المتمثلة في إهمال الحكومة حلحلة قضايا تحديثية كثيرة متأزمة اجتماعياً، على الرغم من أنها تملك زمام صناعة الفرد ثقافياً (أو كانت تملكه، في مراحل سابقة)، وإهمالها حلّ قضايا أخرى (مثل رفع حظر عن قيادة السيارة للنساء)، على الرغم من أن الوعي الاجتماعي تجاوز أزماته تجاه هذه المسألة، بل صار يطالب بها، بينما الحكومة هي من يُمانع بلا سبب مفهوم.
من الأساطير الأخرى حول اللحظة الجهيمانية، أنها مثلت انقلاباً اجتماعياً، ودخولاً إلى مرحلة الصحوة، وبروز الظاهرة الجهادية، وتصاعد العداء تجاه المرأة، ومظاهر الترفيه وأشكال
 الفنون. لا يدرك من تُسيطر عليهم هذه التصورات أن الصحوة الدينية كانت أكبر إقليمياً وزمنياً من حدود السعودية والإسلام وجهيمان، وأن القرن العشرين احتضن تصاعداً متوازياً للصحوات الدينية العابرة للمذاهب والأديان. وقبل لحظة جهيمان بأعوام كانت حركات الإخوان المسلمين والأقباط تصعد في مصر، والتغير الجذري في الفقه الشيعي يمهّد للثورة الدينية في إيران، والمطبوعات الدينية تصدر في الكويت، وموسى الصدر يعمل على توحيد الطائفة في لبنان. تدخلت الشرطة السعودية لإنهاء ظاهرة "الأحواش السينمائية" في مدينة جدة عام 1978 (قبل حادثة احتلال الحرم)، بعد أن كانت هذه الأحواش تجد طريقة للتعايش مع مداهمات هيئة الأمر بالمعروف، كما أشار أحد من كانوا يعملون فيها في حوارٍ صحافيّ. وخلال الثمانينيات بعد جهيمان، ظلّت المظاهر الفنية تحضر ضمن شروطٍ معينة، كانت هناك حفلاتٌ فنيةٌ جماهيرية لفنانين سعوديين وعرب في الرياض، وعروض مسرحية محلية، جنباً إلى جنب مع تصاعد الظاهرة الصحوية محلياً ورعاية ظاهرة الجهاد الأفغاني رعاية شبه رسمية، استجابةً لمصالح سياسيّة كبرى، تتجاوز دوافع الظاهرة محلياً.
هناك خلط بين ما حدث بسبب ضعف تجذّر الأشكال الفنية الحديثة في المجتمع السعودي، وعداء التيارات الدينية المحلية على أنواعها للفنون، مع ما حدث بسبب عدم اكتمال إحكام السيطرة الحكومية على الفضاء العام، مع ما حدث بسبب غلبة الثقافة الريفية على أجزاء واسعة من المجتمع، وحداثة عهدهم بالمدينية. كان من السهل أن تموت الظاهرة السينمائية الطارئة على المجتمع، والتي لا تؤدّي وظيفةً في الفضاء العام، عدا الترفيه (وهو مطلب المواطنين)، وأن يبقى التلفزيون الذي يشكل أداةً أساسيةً لتواصل السياسيّ مع المواطنين (وهو مَطلَب السياسيّ). وكان وجود "الأحواش السينمائية" في جدة خارج المظلة الحكومية، فلم يكن ثمّة مظلة تنظيمية لها. وشكّلت الظاهرة، بمُجملها، حالةً من المبادرات الثقافية الفردية على هامش الحكومة، ومثل هذا حالات خروج النساء السعوديات بلا عباءات إلى الفضاء العام في الستينيات الذي لم يكن يعكس حالةً من احترام الحرية بقدر ما يعكس عدم سيطرة الحكومة
بشكل كامل على ما يجري في الطرقات والأسواق والحدائق. وهو نوعٌ من الوهم أن يعتقد أحدٌ أن المرأة كانت تتمتع بالحريات وبمكانة اجتماعية رفيعة قبل جهيمان، ثم جاءت الصحوة فقلبت كلّ شيء. فما يوجد قبل جهيمان، في أغلبه، ليس إلا مجتمعات ذات ثقافة ريفية أو رعوية، لا تتمتع المرأة فيها بمكانةٍ عاليةٍ أو حريات أو حقوق، على الرغم من أنها لم تكن مُكرهةً على معايير صارمة من الاحتشام والعزل الاجتماعي. وهذا، على الأرجح، لأنها كانت تعتبر يداً عاملة في الحقل والمرعى، ثم تدفق ريع النفط، وانتفت الحاجة إلى عملها، ثم جاء التنظير الديني لضرورة بقاء المرأة في المنزل، واستجاب المجتمع، إذ كان خروجها حاجةً، ولم يكن حقاً.
آخر ما يلفت النظر في مُجمل الأساطير حول اللحظة الجهيمانية أنها تتضادّ مع حركة جهيمان بوصفها حركةً سلفيةً ماضويةً، أدّت إلى عرقلة مسيرة التحديث في البلاد حتى اليوم. لكن، من الطرافة أن يأخذ الدفاع عن التحديث صورة ماضوية بدوره! فالسينما يجب أن توجد اليوم، لأنها "كانت" موجودة قبل عام 1980، وحرية المرأة وحضورها في المجال العام يجب أن يتحقق اليوم، لأنها "كانت" حاضرة في الحقل وفي المرعى ومتحرّرة في المدينة ما قبل جهيمان. والمدهش في هذا أن يعجز الخطاب المتعصب للدفاع عن التحديث عن أداء هذه المهمة من دون الاستشهاد بالماضي، فلهُ أسلافهُ وأساطيرة، كما كان لجهيمان، أسلاف وأساطير.
@Emanmag

دلالات