أساتذة الشك

30 ابريل 2016
الصورة
"حديقة المسرات الأرضية"، هيرونيموس بوش

سوى أنهما ماتا بفارق أيام من السنة ذاتها (1616)، ثمة حلقة تجمع ثيربانتيس وشكسبير، ولنفترض أنها ديكارت (1596-1650)، الذي كان في العشرين حين رحلا تاركين خلفهما بذور عصر الشك، ليتوّجه صاحب "مبادئ الفلسفة".

إذن فهذا عصر أساتذة الشك، الذي كان ضرورة لبلوغ لحظة التنوير، والتي قادت بدورها إلى تاريخ من تحديث الأفكار، حتى وصلت بنا إلى لحظات معرفية مفصلية منذ القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين.

لطالما كانت شخصيات شكسبير محيّرة، لا نستطيع أن نعتبرها عاقلة ولا يمكن وصفها بالجنون، شخصيات تعيش حيوات ملؤها الارتياب، وتنتقل بسلاسة مخيفة بين الحركتين؛ العقل وفقدان العقل وبالعكس. وعلى النقيض منها، يبدو دون كيخوته موقناً من حكمته بينما يعتبره قرّاؤه أطرف المجانين.

لكن "دون كيخوته" أيضاً هي أول رواية علمانية، ينحّي فيها الكاتب الله من مركز الصراع، ويعتبر الصراع الحقيقي هو محنة الفرد والواقع. كانت عبقرية ثيربانتيس في إقدامه على التخلص من وزن اللحظة التي وصل إليها تاريخ الأدب في ذلك الوقت، بل والسخرية من الأبطال أنصاف الآلهة، وصراع الإنسان مع القدر والموت والجحيم الذي امتد من الأساطير الإغريقية حتى دانتي.

لن تبتعد الفلسفة عن الرواية والمسرح في ذلك الوقت، سنجد ديكارت أيضاً وقد بدأ تأملاته بسؤال شكسبيري ودونكيشوتي في آن: "هل يمكن ألا أكون مجنوناً؟"، وهو السؤال الذي لن يقدّم الفيلسوف الإجابة عنه.

تبدو علاقة هؤلاء الثلاثة بحيرة الجنون والعقل مفهومة، إذ وضعوا كل يقين موضع الجدل، اليقين بوصفه شكلاً من أشكال التعصّب وربما التطرّف. كان لا بد من الشك، لتنتقل الحضارة إلى لحظة أخرى، وليتمكّن، في ما بعد، فلاسفة وكتّاباً أمثال داروين وفلوبير وفرويد من إعادة تخيّل العالم.

لحظات الفصام الضرورية هذه، تحدُث كلما حاولنا فهم العلاقة بين ما نعرف والطريق الذي وصلتنا منه المعرفة، لا سيما ونحن نعيش، على نحو مثير للشفقة والسخرية، عصر اليقينيّات والتعصّب. إنها مسافة الشك، فمعظم الطرق التي وصلت منها طرود العقلانية الاجتماعية والأديان هي طرق غامضة ومعبّدة بالشك، تلك التي مشاها المعري ليقول: "كل عقل نبي".

دلالات