أسئلة موقعة ترهونة

20 ابريل 2020
الصورة
+ الخط -
ليس من الحصافة، ولا النباهة، أن نطيش، نحن الذين نناهض أداة الحرب المرذولة في ليبيا، في مشروع أبوظبي الإقليمي، خليفة حفتر، على شبر ماء، بعد الخسائر النوعية التي تنتكس بها، منذ أيام، مليشيات المتمرّد المذكور، المسمّاة في وثائق الأمم المتحدة "الجيش الوطني الليبي". ولكن يجوز أن يغشانا شيءٌ من السرور بهذه الأخبار الحسنة التي زاد صفتَها هذه تمكّن قوات الحكومة الليبية، أول من أمس الأحد، من السيطرة على بعض مدينة ترهونة، التي تصفها مطبوعةٌ لندنيةٌ تشايع أبوظبي بأنها "منطقة ارتكاز في عملية السيطرة على طرابلس، ومنها تنطلق الإمدادات بالأسلحة والذخائر والوقود القادمة من قاعدة الجفرة الجوية"، وأهميةٌ مثل هذه تجعل تحرير المدينة من قبضة جنجويد حفتر ومن معهم فعلا واجبا. وغيرُ مستبعدٍ أن تنجز قوات الحكومة هذا خلال ساعات أو أيام، وهي التي استطاعت أسر أكثر من مائة من مسلّحي حفتر، وغنْمها أسلحةً بكمياتٍ معتبرة، في المدينة. والمرجّح أنه ما كان لها أن تحرز هذا الإنجاز الميداني، لولا عونٍ تركيٍّ محترفٍ معلوم، أياما فقط بعد إنهاء وجود "جيش" حفتر من ست مدن ومنطقتين في الغرب الليبي، في سبع ساعات، على ما ذكرت تقارير إخبارية ليس لكاتبيها نياقٌ أو جِمالٌ مع فايز السراج. 
يحترس الواحد منا من التسليم المطلق بصدقية الأخبار اليومية عن الحروب عندما تكون جارية، من طرفيها، فيصير محبّذا أن تطلّ على ما يحكيه الطرف الذي تناهضُه قناعاتك. ولمعلقٍ متعجّلٍ، كما صاحب هذه الكلمات، يرى ملحّا أن يُهزَم مشروع خليفة حفتر في ليبيا، أن يفعل هذا، ليس فقط لاستدعاء موضوعيةٍ (لا لزوم لها أحيانا)، ومن أجل توازنٍ في استقاء الأخبار (من مظانّها؟)، وإنما أيضا للوقوع على الكيفيات التي يفكّر بها أولئك، سيّما إذا قرّ في أفهامك أنك تعرف كيف يفكّر هؤلاء. ولكن ملمّة ترهونة وخسران مسلّحي حفتر المدن والبلدات الثماني، في أهم انتصارٍ لحكومة الوفاق منذ سيطرتها على غريان في يونيو/ حزيران الماضي، لا تجد لهما الحيّز الذي يزوّدك بما تريد، ولا الاكتراث الإعلامي اللازم عندهم، وتجدك تقرأ عن دواعش ومرتزقة سوريين بعثهم أردوغان إلى سلطة الإخوان المسلمين في طرابلس يحاصرون أهل ترهونة، ويمنعون عنها الكهرباء والماء (!). تقرأ هذا الكلام، فيعيدُك إلى إعلام الضفة التي تقيم فيها، أقلّه لأن منسوب الصحيح فيه مطمئن، ولأن الصور التلفزيونية تنطق بالذي صار محسوما، وقبل ذلك وبعده، لأن اللغة تلك عن السوريين المرتزقة والإخوانيين، مع غيابٍ ظاهر للوقائع الساخنة في الميدان، تسوّغ اليقين الذي تقيم عليه، وموجزُه أن الماريشال الأسير السابق، خليفة حفتر، في حيص بيص، وأنَّ نُذرا غير منظورة بعد تماما قد تنحّيه من سباق الرهان الذي أعدّته له أبوظبي والقاهرة فيكون حصان النصر المشتهى، في "ساعات الصفر" إياها لدخول طرابلس مظفّرا، الأمر الذي جهرت الجزائر بأنه خطٌّ أحمر، وأكّدت أنقرة، بالفعل العسكري قبل المواقف اللفظية، أنه مسألة حياة أو موت.
هل في وسع القوات الموالية لحكومة السرّاج التقدّم أبعد من ترهونة، فتحرّر سرت، وتطرد جيوب حفتر من الجنوب الليبي، وتعيد إلى ولايتها مناطق النفط التي يسيطر عليها؟ وهل في مقدورها أن تحرز الحل المشتهى، أي إنهاء ظاهرة حفتر، وهذه لم تطرأ على ليبيا، بالإمكانات التي صارت عليها، إلا بعد إنجاز الاتفاق السياسي في الصخيرات المغربية (ديسمبر/ كانون الأول 2015)؟ هذان سؤالان كبيران، وتفترض لدى من يجيب عنهما درايةً بما هو غير عسكري ومليشياوي أيضا، ومعرفةً بالخرائط القبلية والولاءات المتنقلة في الجغرافيا الليبية التي يبدو أن تفاصيلها الكثيرة في الشرق غيرُها في الغرب... ولكن، ثمّة أسئلة أخرى صار مخمّنا أنها على أكثر من طاولةٍ في أبوظبي والقاهرة وباريس وموسكو (مناصرتهم حفتر صحيحة، غير أن الحسابات مختلفة).. هل يتدارك أهل القرار في هذه العواصم النذر التي تؤشّر إليها موقعة ترهونة، وما سبقها منذ 25 مارس/ آذار الماضي، يوم أطلقوا في طرابلس عمليات "عاصفة السلام"؟ هل سيعرف هؤلاء أن إسعاف حكومة الوفاق بطائراتٍ مسيّرة (ودفاعات) تركية أنفع من تزويد الإمارات حفتر بطائرتين مسيرتين صينتين بدل كل واحدةٍ يخسرها؟ هل تُترَك ليبيا إلى معارك كرّ وفرّ، تتعفن في غضونها الأوضاع أكثر وأكثر، وتمضي الأيام بعد الأيام، فتُنسى الحرب هناك، لأن في العالم ما هو أجدر بالاكتراث به، سيما وأن النفط والغاز الليبيين يصلان إلى من يشتري؟