أسئلة الكتابة الجزائرية: النقد أوّلاً؟

16 أكتوبر 2019
الصورة
(مقطع من عمل لـ محجوب بن بلّة/ الجزائر)

غالباً ما تكون وجهات النظر مختلفةً حدّ التناقُض حين يُقرَأ راهن المشهد الأدبي في الجزائر؛ إذ يذهب البعضُ إلى اعتبار معظمِ ما يُنتجه كتّاب جزائريّون ضعيفاً، سواء بالمقارنة مع ما يُكتب عربياً ودولياً، أو بالمقارنة مع كتابات الرعيل الأوّل من الكتّاب الجزائريّين؛ بدءاً بـ محمد ديب وكاتب ياسين ومولود فرعون ومولود معمري ورشيد ميموني، وصولاً إلى الطاهر جعوط وعبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطّار وآسيا جبّار ورشيد بوجدرة ومرزاق بقطاش.

يستدلُّ أصحابُ الرأي الأوّل بعدم وجود أسماء وازنةٍ في مستوى الأسماء سالفة الذكر، وعجز الأدب الجزائري عن الوصول إلى القارئ العربي والأجنبي إلّا في حالاتٍ قليلة؛ حيثُ يكاد حضوره يقتصر على أسماء لا يتجاوز عددُها أصابع اليد الواحدة، تبدو مقروءةً، أو بالأحرى معروفةً، خارج حدود البلد؛ مثل أحلام مستغانمي وفضيلة الفاروق وواسيني الأعرج في المغرب والمشرق العربيَّين، وبوعلام صنصال وكمال داود في أوروبا (في فرنسا تحديداً)، وياسمينة خضرا وعمارة لخّوص في المغرب والمشرق وأوروبا معاً.

كثيراً ما يَستشهد هؤلاء، أيضاً، بوجود حالةٍ، تبدو غير مسبوقةٍ، من استسهال الكتابة وما نجم عنها مِن ظهورٍ لمئات الأعمال الروائية والشعرية الهزيلة على جميع المستويات، وكذلك بعدم اهتمام الثقافات الأُخرى بترجمة الأدب الجزائري إلى لغاتها، وخروج كثيرٍ ممّن يشاركون في جوائز أدبية خارج حدود البلد بُخفَّي حُنَين.

في المقابل، يرسمُ أصحابُ الرأي الثاني مشهداً أقلّ سوداوية حول واقع الأدب الجزائري؛ فهُم، وإن اعترفوا بحالةِ التمييع التي تعرفها الكتابة الأدبية في السنوات الأخيرة، وهو ما لا يُمكن اعتباره "صناعةً جزائرية" خالصةً، إذ تنسحب الظاهرةُ على بلدان عربية كثيرة، فإنَّهم يُشيرون إلى أنَّ هذا الكمّ لا يخلو من تجارب جيّدة، مستشهدين بالأسماء نفسها التي تجاوزت حدود الجغرافيا الوطنية، وأيضاً بفوز عددٍ غير قليلٍ من الكتّاب الجزائريّين بجوائز عربية وأجنبية، إضافةً إلى أسماء تكتب أدباً جيّداً حتى وإنْ لم تُقرأ خارج الجزائر ولم تفز بأيّة جوائز.

في الحالتَين، يبدو الفريقان متّفقَين على أهميّة النقد الأدبي، ليس في متابعة ما يُكتَب فحسب، وإنما في تطويره أيضاً، وهو ما نلمسُه في ندوةٍ نُظّمت اليوم الأربعاء في مدينة وهران، غربي الجزائر، بعنوان "الأدب والأدباء بين الوظيفة والمنهج"؛ حيثُ أجمع المشاركون فيها على أنَّ تطوّر الحركة الأدبية الجزائريّة تأثّرت سلباً بغياب النقد.

والندوة هي واحدةٌ من سلسلة ندوات تنظّمها "وحدة البحث حول الثقافة والاتصال والآداب واللغات والفنون" في "مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية" في وهران؛ وتتناول مواضيع مختلفة ذات علاقةٍ براهن الأدب في الجزائر؛ من بينها: "الراهن الأدبي"، و"الأدب النسوي"، و"الخطاب النقدي"، و"الأدباء الشباب: الخصائص والأسلوب"، و"النقد الأدبي"، و"الحضور التاريخي في الرواية".

في مداخلته، اعتبر الأكاديمي محمّد داود أنّ النقص الكبير الذي تشهده الدراسات النقدية للنصوص الأدبية حال دون إثراء الانتاج الأدبي بمختلف أجناسه، مُشيراً إلى عوامل أخرى قال إنها أعاقت هذا التطوُّر، خصوصاً منذ الثمانينات؛ ومِن بينها اختفاء الجمعيات والمجلّات التي تُعنى بالثقافة عموماً وبالأدب خصوصاً، وتراجع المقروئية.

مِن جهته، أشار الناقد بشير بويجرة إلى أنَّ غياب النقد وتراجع المقروئية وقلّة اهتمام وسائل بالإعلام بالإنتاج الأدبي عواملُ أدّت إلى إضعاف الحركة الأدبية، واصفاً، في هذا السياق، غياب النقد بأنه بمثابة "مقبرة للأدب".

ولم يخرج الكاتب حسين عبروس، في مداخلته، عن هذا الطرح؛ حيثُ ذهب إلى أنَّ كثيراً من الكتّاب لم يستطيعوا فرض أسمائهم لعدم وجود نصوص نقدية ترافق نصوصهم الأدبية، مضيفاً: "لم تقدّم الأعمال النقدية، وهي قليلة، إضافاتٍ تسمح بالارتقاء بالنص الأدبي".

بحسب المتدخّلين الثلاثة، فإنَّ الحلّ يكمن في إثراء المدوّنة النقدية من خلال تكثيف الدراسات النقدية، وهذا يعني أنَّ النقد شرطٌ أساس لوجود أدب جيّد، لكنّ هذا الرأي قد يُحيل إلى رأيٍ آخر جدلي سيعتبرُ أنّ الأدب الجيّد شرطٌ أساسي لوجود حركة نقدية حقيقية.