أزمة مصر الشاملة وخيارات التغيير

23 فبراير 2020
الصورة
+ الخط -
تعمّقت أزمة مصر الدولة والمجتمع، مع هزيمة ثورة يناير، وباتت الطبقات الشعبية التي ثارت على سلطة حسني مبارك المتضرر الأكبر. ليست وحدها القوى السياسة التي تدفع الثمن، سواء في ما تعلق بإغلاق المجال العام، أو التعرّض للسجن لأسباب واهية، منها إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر أخبار كاذبة. ومع استمرار الأزمة، التي تتجاوز نمط الاستبداد إلى مفهوم الأزمة الشاملة، بأبعادها، الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، يظل سؤال التغيير مطروحاً على الجميع، السلطة ومناصريها، بحكم أن القمع ليس سبيلاً وحيداً لبقائها، والقوى والفئات المتضرّرة من الوضع الحالي.
لا يمكن، في كل الأحوال، أن تستمر فئات المجتمع في تحمّل نتائج الأزمة طويلاً، خصوصاً مع استمرار إغلاق المجال العام، وحصار حرية الرأي والتعبير، ووجود آلاف المعتقلين، واتساع الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، زيادة معدلات الفقر والبطالة والجريمة وغيرها من مظاهر لا تمحوها الدعاية المكثفة عن نجاحاتٍ غير مسبوقة، أو التغني بشهاداتٍ دولية عن نجاح تجربة الإصلاح الاقتصادي وثمارها. تفتتح هذه الأوضاع خيارات التغيير وسيناريوهاته. يراهن بعضهم على قدرة النظام على تفكيك الأزمات، بينما يراهن آخرون على خيار التغيير عبر الثورة وإزاحة النظام، وفئة ثالثة تراهن على الإصلاح وتحقيق تغيير ديمقراطي في ظل النظام. وتحتاج الأطروحات الثلاث إلى نقاش جاد، يتجاوز الإحباطات والرؤى المسبقة، وتنظيم هذا النقاش دور القوى الاجتماعية والسياسية في المجتمع ومسؤوليتها.
وفى كل الأحوال، سواء كان التغيير خارج أطر النظام، أو فرضنا جدلاً إمكانية التغيير والصراع من داخله، فإن تقييم ثورة 25 يناير أمر ملحّ، وتمهيد ضروري لوضع تصوّر للتغيير، انطلاقاً
 من دروس الثورة وخبرتها، عبر دراسة أسباب إخفاقها، وكيف يمكن تجاوزها، واشتراط ذلك الإقرار بخطايا كل طرفٍ بموضوعية وشجاعة، فلا يمكن أن يحلم المهزومون بالتغيير من دون التعلم من أخطائهم، وممارسة نقد ذاتي حقيقي، مع عدم الارتهان في التقييم بإلقاء عبء الهزيمة على عامل وطرف وحيد. وكذلك يشترط تجاوز أسلوب المراجعات الدفاعية المنطلقة من تبرئة الذات، لأن البداية من نقطة تبرئة الذات، أو التحلق حولها، لن يفضي إلى نتيجةٍ مفيدة، خصوصاً أن المراجعة ليس هدفها المحاكمة بقدر الوعى بالأخطاء والإخفاقات حتى لا تتكرر. وسبق أن قدم بعضهم بشكل فردي وجماعي تحليلاتٍ، لكن أغلبها تحصنت بالإجابات السهلة التي تنطلق من أن فئة أو فصيلاً واحداً أدى إلى هزيمة الثورة، في مباراة تسعى إلى تبرئة الذات، فالإخوان المسلمون يرون أن القوى المدنية تحالفت مع الجيش، فأسقطت أول رئيس مدني منتخب، بينما ترى قوى مدنية أن تحالف "الإخوان" مع الجيش، وتمهيد وصولهم إلى السلطة عبر النظام الانتخابي الذي وُضع، وترتيبات المرحلة الانتقالية، هزمت الثورة ومطالبها واختطفتها، بينما هزيمة الثورة شملت، إلى جانب أزمة التحالفات، أخطاءً عديدة مرتبطة بالشعارات والمطالب العامة، وحالة مؤسسات الثورة إن جاز التعبير، وحراك القوى السياسية وتكتلاتها في المرحلة الانتقالية، وهو ما جعل الثورة غير ممثلة في السلطة، وبرنامجها العام ليس محل تطبيق، وبقيت سياسات النظام الغائب شكلاً متجسّدة وحاضرة وجوداً، حتى تجربة البرلمان لم تنشئ بنية تشريعية، تمهد لتحقيق أهداف الثورة، بل جاءت متوافقة ومتصالحة مع مكونات نظام مبارك، وكانت انعكاساً لصراع سياسي أقرب إلى الاستعراض.
على عكس موضوعات أخرى، ارتبطت بأسباب ثورة يناير وأهدافها وقواها، لم يحظَ سؤال إخفاق الثورة بالاهتمام نفسه، وهذا يفرض، في إطار البحث عن سبل التغيير، أن تراجع قوى الثورة، بما فيها من قوى وأحزاب سياسية وحركات شبابية ونقابية، مواقفها، وتقدم نقد ذاتي وموضوعي لبلورة رؤية ضرورية نقدية.
في هذا السياق، هناك قضايا رئيسية، يجب أن تكون محل بحث، منها علاقة بناء نظام ديمقراطي بتحقيق مطالب الثورة في الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. بمعنى آخر، عن أي نظام ديمقراطي يجري الحديث والنقاش، وهل ترى القوى السياسية تقاطعاً بين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية، وهل يمكننا الثقة بدعاة ديمقراطية يتعرّضون للاحتجاجات الاجتماعية، كمظاهرات العمّال والفلاحين والموظفين والمناطق الشعبية المطالبة بحقوقهم، بوصفها تعطّل عجلة الإنتاج، وتهدم الدولة، وأنها تدبير من قوى معادية للتغيير، خلال الثورة وما قبلها، ما عمّم وعياً زائفاً بأن مشكلة مصر في الاستبداد وحسب، وأن تحرير صناديق الانتخاب كفيل بالتغيير؟ لكن تحرير الصناديق، بنظام انتخابي، أفرز سياسات لم تختلف عمّا سبقها، جعل جزءاً من جمهور الثورة يستشعر أن الصراع على الصناديق لا يعبّر عن مطالبه. لا تجسّد العملية الانتخابية خياراتٍ متعدّدة، ولا سياسات جديدة، بل على العكس، يزداد نمط الحياة البائس، تنافس سياسي بلا مضمون اجتماعي، ما جعل الشريحة التي فقدت إيمانها بالثورة تتسع، وكتلة أخرى انصرفت عن المشهد السياسي، لأنه لا يمثلها، وخصوصاً بعد أن أدخلت الثورة في صراعاتٍ شكليةٍ في أغلبها، مستخدمة أدوات الحشد والحشد المضاد بشأن تغيير أشخاصٍ لا سياسات، واستنفدت الجمهور لتتحول المظاهرات وأساليب الاحتجاج من أدواتٍ إلى هدفٍ في حد ذاتها، وتستخدم أحياناً لإرهاب الخصوم وتخويفهم. وبدلاً من أن تكسب الثورة مواقع جديدة، وجمهوراً أوسع، خسرت أرضيتها. كفر جمهورها بها مع مرور الوقت، لأنهم شعروا بأن الصراع لم يعد بين الثورة والثورة المضادة، ولا يمسّ مصالح أغلبهم، بل على العكس، في هذه المرحلة، كان الانتقام من الثورة وتشويهها يسيراً، وأصبح الانقلاب عليها ممكناً.
وكان ضمن الأخطاء الكبرى للثورة أن أغلب قواها تطلب السلطة وتستجديها، من أجل المشاركة 
في الحكم. وعلى الرغم من أنها كانت في واقع مغاير، أحداثاً ثورية، وحشوداً بشرية، أمام سلطة مهتزة، يمكن الحلول مكانها، إلا أن أغلب قواها لم تنسَ ماضيها في عقد الصفقات، وتعاملت مع الثورة وكأنها تحجز كراسي في البرلمان، لا أن تقيم نظاماً جديداً. فبدلاً من أن تحلّ محلّ السلطة، طلبت القوى السياسية بالسماح لها بأن تشارك سياسياً، بل وتساعدها أذرع دولة النظام الذي ثار الشعب ضده في أن تحكم. وهكذا ظلت القوى السياسية، بتحالفاتها المتعدّدة، التي بُنيت على الإقصاء في أغلبها، تطلب من دولة النظام السابق نصرتها أمام قوى أخرى، وهو ما يحمل، في مضمونه، عدم ثقة بحركة المجتمع، وعدم القدرة على إدارة حوار بين مكونات المجتمع السياسى، وعدم ثقة بالديمقراطية بشكلها ومضمونها الحقيقى. وعلى الجانبين، ظلت تردّد عباراتٍ تهين الشعب، وتقلل من قدرته على الاختيار وتجعل نفسها وصيةً عليه، فبعضهم يرى أن الشعب سينتخب المتشدّدين و"الإرهابيين"، وبعضه يراه يقدّس الاستبداد والسلطة العسكرية.
وفي ما يخصّ الشعارات والبرنامج الثوري، على الرغم من أن الثورة لم تكن مفاجئة، كما كان يجري الترويج وما زال، لم تستطع القوى السياسية إيجاد توافق على ملامح النظام الاقتصادي والسياسي وسياساته، وكذا العلاقات الخارجية، في برنامج يمثل حدّاً أدنى متوافقاً عليه. وصعبت هذه المهمة، في ظل عدم وجود تحالفاتٍ تمثل قوى الثورة، خصوصاً بعد أن بدت "الجمعية الوطنية للتغيير" التي جمعت كل القوى السياسية التي نادت بالتغيير، معرّضة للتفكك، بعد أربعة أشهر من الثورة، وبدأت ظاهرة الانقسامات في الكتل السياسية والشبابية والنقابية تتسع، ولعبت فيها قوى سياسية وبيروقراطية الدولة ورجال أعمال كبار أدواراً لم ترصد بعد بشكل دقيق، فضلاً عن تحالفات إقليمية، كانت تريد إيقاف تطور الثورة المصرية. ومع غياب المؤسسات التي تمثل قوى اجتماعية، كوجود نقابات وروابط عمالية قوية مستقلة عن سلطة الدولة، غابت قوى الفعل الاجتماعي عن إعادة التوازن، وغابت فرص الحوار والتوافق بين قوى الثورة كما حدث في تونس، واستحال أن تصل إلى السلطة حكومة تمثل تكتلاً للثورة كما حدث في السودان.