أزمة سيولة تهدّد المستشفيات الحكومية في تونس

20 ديسمبر 2016
الصورة
المستشفيات التونسية تواجه أزمة مالية (الأناضول)
أصبحت الخدمات الصحية في تونس مهدّدة في ظل تفاقم عجز المستشفيات الحكومية بسبب عدم قدرتها على استعادة مستحقاتها لدى صندوق التأمينات الصحية (الصندوق الوطني للتأمين على المرض) الذي يواجه مشاكل مالية.
وحسب بيانات رسمية أعلنت عنها وزارة الصحة، فإن مستحقات المستشفيات لدى الصندوق تناهز 500 مليون دينار، أي ما يفوق 217 مليون دولار، تكابد الوزارة من أجل استعادة بعض الأقساط من هذا المبلغ لضمان استمرارية الحد الأدنى من الخدمات في المستشفيات الحكومية.

وتقرع النقابات الصحية بمختلف مستوياتها أجراس الخطر بعد رفض المزودين التعامل مجددا مع المستشفيات وضمان تزويدها بالمستلزمات الصحية بسبب عدم حصولهم على مستحقات قديمة.
وبالرغم من عجز الصناديق الاجتماعية في تونس، وهي صندوقا التقاعد في القطاعين العمومي والخاص وصندوق التأمينات الصحية، ليس جديداً، إلا أن تفاقم الحجز من سنة إلى أخرى وغياب الحلول الجذرية فاقم من تدهور الخدمات، إذ تكتفي العديد من الأقسام بالفحوصات فقط في غياب إمكانيات توفير باقي الخدمات، ومنها التحاليل والأشعة والدواء.

وطالب الاتحاد العام التونسي للشغل في مناسبات متعددة بالإسراع بمعالجة ملف الصناديق وإنقاذها من الإفلاس ولا سيما الصندوق الصحي.
ويقول المسؤول الإعلامي بصندوق التأمين الصحي يونس بن نجمة، لـ"العربي الجديد"، إن "صعوبة الوضعية المالية للصندوق الصحي أثرت بشكل كبير على قدرته على سداد ديونه للمستشفيات الحكومية"، مشيرا إلى أن هذا العجز في ارتفاع متواصل منذ ما يزيد عن خمس سنوات، ما يستدعي مراجعة سريعة لطرق تمويل الصندوق بهدف توفير السيولة المالية اللازمة.

وأشار المسؤول بصندوق التأمين الصحي إلى أن إدارة المؤسسة طالبت وزارة المالية أن تصرف لها مباشرة الجزء المتعلّق بالتأمين الصحي من مساهمتها في الصناديق الاجتماعية مباشرة دون المرور عبر صناديق التقاعد والمعاشات لتوفير السيولة اللازمة وفك الحصار عن المستشفيات.
ووفق أحدث الإحصائيات الرسمية، فقد بلغ عجز الصناديق الاجتماعية الثلاثة، قرابة مليار دينار (نحو 434 مليون دولار)، وقد بدأت المؤشرات السلبية لهذه الصناديق منذ أكثر من عقدين، إذ حذّرت حينها الأطراف المعنيّة، الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، من تواصل العجز الهيكلي المسجّل، الذي شهد تفاقمًا بالتوازي مع انخفاض نسب النموّ بعد الثّورة.

وفي ظل الارتفاع الكبير لكلفة الصحة وتراجع سعر العملة المحلية، يؤكد خبراء اقتصاد ومهنيو الصحة أن المساهمة الحالية المخصصة للتأمين الصحي غير كافية ولن تضمن بأي شكل من الأشكال استمرارية الصندوق، وهو ما يمثل خطرا حقيقيا على صحة التونسيين ممن يؤمون بنسبة 80% المستشفيات الحكومية رغم رداءة خدماتها.
وتبرر الحكومة أسباب الوضعية المالية المتردية لصناديق المعاشات وصندوق التأمين الصحي إلى ارتفاع نسبة المحالين على المعاش مقارنة باليد العاملة النشيطة وارتفاع متوسط سن الوفاة إلى 74 سنة، ما أثقل الأعباء المالية للصناديق.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي رضا شكندالي، لـ"العربي الجديد"، أن أزمة السيولة في صندوق التأمين الصحي تأتي في إطار الصعوبات الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد والتي أدت إلى تراكم مشاكل صناديق الضمان الاجتماعي.
ويضيف أن "الحكومات المتعاقبة اعتمدت على حلول ترقيعية بخفض العجز عبر ضخ اعتمادات سنوية متفاوتة من ميزانية الدولة لهذه الصناديق تفاديا لإفلاسها".

ولتنويع مصادر تمويل الصحة، قامت الحكومة بمقتضى قانون المالية 2017 باستحداث حساب خاص لتمويل علاج الطبقات الضعيفة التي لا تتمتع بأي ضمان صحي، ومن المنتظر أن تشمل خدمات هذا الحساب الذي يحتاج إلى 150 مليون دولار لتفعيله نحو 450 ألف تونسي على أن يجري تمويل الحساب عبر الضرائب المفروضة على التبغ والكحول وكل المواد المضرة بالصحة.
ومنذ البوادر الأولى لأزمة المستشفيات عرضت النقابات العمالية على الحكومة ثلاثة مقترحات للخروج من هذه الأزمة، ويتمثل المقترح الأول في رفع سن التقاعد بصفة إجبارية إلى سن 62 سنة، في حين يتمثل المقترح الثاني في الاختيار بين الخروج للتقاعد في سن 62 سنة بصفة إجبارية أو بين 63 و65 سنة بصفة اختيارية، أما المقترح الثالث فيتمثل في اعتماد صيغة التقاعد في سن 65 سنة بصفة اختيارية.
كما اقترح الاتحاد العام التونسي للشغل تنويع مصادر تمويل الصناديق الاجتماعية باقتطاع نسبة من الجباية لصالحها وخاصة الجباية على السجائر.