أزمة تلفزيون "المستقبل" اللبناني: أبعد من الإعلام

11 اغسطس 2019
الصورة
مصير القناة لا يزال غامضاً (أنور عمرو/فرانس برس)
عند المرور من محلة القنطاري الواقعة بالقرب من شارع الحمرا في بيروت، يبدو واضحاً السكون الذي يلف مبنى الأخبار الضخم التابع لتلفزيون "المستقبل" (تأسس سنة 1993)، منذ أن قرر العاملون فيه الإضراب احتجاجاً على عدم تقاضيهم رواتبهم، وعلى أزمة مالية مفتوحة دخلت عامها الثالث. فالأسبوع الماضي بدأ العاملون في القناة إضراباً مفتوحاً، بعد سلسلة إضرابات تحذيرية، بسبب عدم تقاضيهم رواتبهم المجتزأة للشهر الثاني على التوالي.

لكنّ هذا الإضراب المفتوح لم يكن إلا تتويجاً لـ6 سنوات من الأزمات المالية المتتالية التي جعلت العاملين في القناة يقدّمون خدماتهم من دون حصولهم على مستحقاتهم لفترات متتالية. فمنذ أشهر طويلة ينتظر العاملون في التلفزيون مصير محطةٍ، شكّلت يوماً علامةً فارقةً في الإعلام اللبناني والعربي، قبل أن يأفُل نجمها وتتراجع نتيجة ظروف عدة. أول هذه الظروف مرتبط بالأزمة التي يعاني منها الإعلام اللبناني بشكل عام، وثانيها مرتبط بترهل الإدارة والفساد. لكن المشكلة الأبرز مرتبطة بالأزمة المالية التي عصفت برئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري مالك المحطة التي ورثها عن والده رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري.
وها هي المستحقات تتراكم وتتضخم لتتجاوز 30 مليون دولار، بحسب مصادر مطّلعة على أزمة المحطة، بينها رواتب أكثر من 350 موظفاً لم يقبضوا ما مجموعه 14 شهراً من العمل، ودفعات للأقمار الصناعية (مثلاً 150 ألف دولار لنايلسات)، وبدل معدّات وخدمات إعلامية، وشركة الأمن، وغيرها.

بدأت أزمة مؤسسات المستقبل الإعلامية، والتي تضم التلفزيون وجريدة "المستقبل" (توقّفت عن الصدور نهاية شهر يناير/كانون الثاني الماضي)، وإذاعة "الشرق"، في العام 2013، بالتزامن مع أزمات الحريري المالية. باتت المحطة عملياً في تلك المرحلة من دون تمويل سياسي، ومن دون أرباح، وأمام خيارات قليلة جداً. تأخرت رواتب الموظفين في تلك الفترة مراراً، ولم تعد منتظمة، وباتوا يتلقون راتباً أو نصف راتب بين فترة وأخرى، تخللها صرف عدد منهم على دفعات، لترشيد الإنفاق، وتحت شعار استمرارية القناة، إلا أن هذه الإجراءات لم تنفع في إنقاذ التلفزيون.

في أروقة التلفزيون يُصرّ العاملون على إضرابهم وعلى موقفهم الداعي إلى حل للأزمة. لا يكثرون الكلام، ويرفضون الحديث إلى الإعلام، بسبب الترابط بين أزمتهم المطلبية وبين شخصية مالك المحطة السياسية، خوفاً مما يسمونه "الاستهداف السياسي" والتصويب على الحريري وعلى تيار "المستقبل" من بوابة هذه الأزمة. لكنهم في المقابل لا يخفون قلقهم على مصيرهم، بعدما أثرت الأزمة على حياتهم الشخصية. فأغلب هؤلاء الموظفين لديهم التزامات مصرفية وعائلية ومالية، باتوا عاجزين عن تسديدها، بسبب عملهم مجاناً في القناة. فمنهم من يشتكي من عجزه عن تسديد مستحقات قرض مصرفي، وآخر يشتكي من تراكم أقساط المدارس التي لم يسددها...



يسيطر الصمت على المحطة التي كانت يوماً رقماً في معادلة الإعلام اللبناني والعربي. لا نشرات أخبار، ولا برامج. فقط اجتماعات يعقدها الإداريون، واتصالات بينهم وبين الموظفين، وبينهم وبين الفريق المحيط بالحريري، ووعود شفهية كثيرة تُغدق على الجميع، لكن لا شيء يبدو أكيداً، في انتظار القرار النهائي للحريري.

عاد الحريري إلى بيروت أخيراً بعد زيارة خاصة، وقيل إن لقاءً يعقد بينه وبين الإدارة ممثلة بالمدير التنفيذي للتلفزيون رمزي جبيلي مساء أول من أمس الجمعة، من دون أن يتبلّغ الموظفون أياً من المقررات. ورغم كل الضجيج المثار حول أزمة التلفزيون لم يصدر حتى الساعة أي موقف علنيّ من الحريري، باستثناء غضبه وحزنه لما آلت إليه الأمور، وتفضيله المعالجات الصامتة، على خطوة الإضراب والتصعيد. لكن هذا الغضب أو الحزن لم يحوّل مشكلة القناة والعاملين فيها إلى أولوية بالنسبة له، خصوصاً في ظل الأزمات الحكومية المتعاقبة في لبنان، التي شغلت الحريري في الأشهر الماضية.

وفي انتظار اللقاء بين الإداريين والرئيس الحريري لا تزال الحلول التي طرحت أو سربت قبل أشهر هي نفسها. فقبل شهر رمضان قيل إن الحريري سيبتّ بمصير التلفزيون بعد عيد الفطر. لكن ذلك لم يحصل، رغم أن خيار ترشيد جديد للإنفاق لا يزال مطروحاً على الطاولة عبر تخفيض عدد العاملين، والإبقاء على قسم الأخبار، مقابل إلغاء البرامج الأخرى. كما أن خيار بيع التلفزيون أو إقفاله لم يسقط، رغم استبعاده من قبل مطلعين على الملف، نتيجة عوامل عدة منها ما هو سياسي، مرتبط بتيار "المستقبل"، ومنها المرتبط بالمحاصصة التي تلت اتفاق الطائف على صعيد رخص تشغيل المحطات التلفزيونية وتوزيعها بين الطوائف، واعتبار قناة المستقبل من الحصة السنية.
لكن حتى خيار الإقفال، إن صدر، يخيف العاملين في المحطة لأسباب كثيرة، أولها عجزهم عن إيجاد عمل بديل، في ظل السوق الإعلامي المقفول في لبنان وفي العالم العربي، وغياب أي فرص جدية للعمل. أما السبب الثاني فهو تخوّفهم من أن يلاقوا مصير العاملين في صحيفة "المستقبل"، الذين لم يقبضوا بعد مستحقاتهم بعد إقفال الصحيفة في نهاية شهر يناير/كانون الثاني الماضي. وأدى تدخل وزارة العمل اللبنانية بين إدارة الصحيفة والموظفين إلى إعادة جدولة المستحقات لدفعها على سنتين، بدل 8 أشهر كما كان متفقاً عليه. لكن حتى الساعة لم يبدأ تنفيذ الاتفاق.


عملياً، وصلت الأمور إلى وضعها الحالي في التلفزيون نتيجة عدة عوامل. يعدد مصدر في تيار "المستقبل"، والذي يتزعمه الحريري هذه العوامل. يحيل بداية الأزمة إلى واقع عام يعصف بالإعلام اللبناني والعربي وحتى العالمي، نتيجة المتغيرات التي طرأت في السنوات الأخيرة، ودخول وسائل أخرى على خط التنافس.

كما يشير المصدر إلى أسباب أخرى جوهرية مرتبطة بـ"المستقبل"، خصوصاً أن المحطات الأخرى التي تنافست معها القناة يوماً ما، لبنانياً وعربياً مثل "المؤسسة اللبنانية للإرسال" أو MTV، أو "الجديد"، لا تزال قادرة على الاستمرار نسبياً، على عكس المستقبل الذي خرج كلياً من المنافسة على سوق الإعلانات. وهو ما أدى إلى خسارته للأرباح التي كان يحصل عليها. وهذا يعود بحسب المصدر إلى ترهل الإدارة، والفساد الذي سيطر عليها، وتضخم النفقات في مرحلة معينة، ولاحقاً تحول التلفزيون إلى ما يشبه الإدارة الرسمية.



وبينما بدأت مشاكل القناة تتوضّح بشكل جليّ في العام 2013، إلا أنّ الأزمة المالية سبقتها أزمة سياسية، تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري مؤسس المحطة، ثمّ استلام نجله لزمام قيادة "المستقبل". هذا القيادة التي واجهتها عقبات كثيرة، ترجمت بخلافات داخلية تصاعدت وتيرتها، تماماً كما تصاعدت سيطرة وهيمنة "حزب الله" على المشهد السياسي والأمني اللبناني. وكانت أولى تجليات هذه السيطرة، حرق مبنى تلفزيون "المستقبل" من قبل حلفاء "حزب الله" أثناء اشتباكات 7 مايو/أيار 2008 في بيروت. وبعدها بسنوات ترددت أخبار عن قطع التمويل السعودي عن "تيار المستقبل" ما انعكس أزمة على كل مؤسسات التيار الإعلامية والاجتماعية. 


اليوم ينتظر الجميع قرار الحريري. ينقل عن بعضهم سخطهم مما آلت إليه الأمور، وسخطهم من تركهم عرضة لمصير غامض بعد سنوات من الأزمات التي مروا بها. وينقل عن بعض آخر أنهم ملتزمون بخيار "المستقبل" السياسي، وأنهم إلى جانب الحريري منتظرين قراره، على الرغم من تمسكهم بإضرابهم، وسط الكثير من الوعود التي تتحدث عن فرج قريب.