أزمة الليرة التركية

26 مارس 2019
الصورة
تباين سعر العملة أمر طبيعي في ظروف استثنائية (Getty)
+ الخط -

من الطبيعي أن يتعرض سعر أي عملة للتذبذب في حال زيادة القلاقل السياسية والاقتصادية بالدولة التي تصدر عنها، وأحياناً تنهار عملة ما في حال مرور الدولة بأزمة عنيفة سواء سياسية أو مالية أو حتى مجتمعية.

خذ مثلاً البيزو الأرجنتيني الذي انهار العام الماضي، رغم رفع سعر الفائدة عليه بنسبة 60%، وواصل انهياره خلال العام الجاري مع زيادة نسبة التضخم، إذ تعاني الأرجنتين من واحد من أعلى معدلات التضخم في العالم؛ بلغ نحو 50% العام الماضي.

واستمر انهيار البيزو رغم موافقة صندوق النقد الدولي في شهر يونيو/ حزيران الماضي على منح البلاد أكبر قرض في تاريخه بقيمة 50 مليار دولار، ووافق الصندوق في وقت لاحق على زيادة القرض إلى 57.1 مليار دولار في محاولة لإنقاذ البيزو من الانهيار المستمر، لكن المحاولات باءت بالفشل حتى الآن.

كذلك تكرر الأمر مع البوليفار الفنزويلي، بعدما ألغت حكومة نيكولاس مادورو خمسة أصفار من عملتها في العام 2018، وزاد انهيار البوليفار مع غرق البلاد في فوضى سياسية وأزمة اقتصادية خانقة، خاصة مع اعتراف أميركا ودول أخرى بزعيم المعارضة خوان غوايدو رئيسا لفنزويلا.
كذلك تكرّر الانهيار مع العملة المصرية التي فقدت أكثر من 50% من قيمتها، عقب قرار تعويم الجنيه في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، وكذلك مع الجنيه السوداني الذي تواصل انهياره، خاصة مع استفحال الأزمة السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد حالياً.

ينطبق ذلك على الليرة التركية، التي تراجعت عقب الانقلاب العسكري الفاشل في منتصف 2016، وخلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 2018، كما شهدت انهياراً إبان الحرب الاقتصادية الشرسة التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الاقتصاد التركي وفرض عقوبات عليه في أغسطس/ آب الماضي، وأدت إلى فقدانها نحو 45% من قيمتها خلال أيام معدودة.

وعقب الانهيار توسعت الحكومة التركية في الحديث عن مؤامرة خارجية تستهدف الليرة والاقتصاد والاستثمارات الخارجية، وأن هذه المؤامرة يقودها ترامب وبعض دول الخليج وأحيانا دول أوروبية تناصب أنقرة العداء، ودعا أردوغان الأتراك أكثر من مرة إلى شراء الليرة لمواجهة هذه الهجمة الشرسة التي أثرت سلبا على قطاعات مهمة منها الصناعة والعقارات وسوق المال.

وقبل أيام عاد التذبذب إلى الليرة التي فقدت 5% من قيمتها يوم الجمعة، وهي أكبر خسارة يومية لها منذ أزمة أغسطس الماضي. صحيح أنه حدث تحسنا في السعر بعد ذلك، لكن التوقعات تشير إلى أن التذبذب الأخير قد يستمر بعض الوقت.

التذبذب المتوقع لا يمكن رده هذه المرة إلى أسباب سياسية ونفسية بحتة تتعلق بقرب الانتخابات المحلية في تركيا، وهجوم أردوغان على قرار ترامب الخاص بالجولان المحتل، والخلاف التركي الأميركي حول صفقة أس 400 الروسية، وترصد بعض الأطراف الخارجية بحكومة العدالة والتنمية، فهناك مؤشرات اقتصادية باتت تضغط أيضا على الليرة.

من بين هذه المؤشرات، قفزة معدل التضخم الذي بات يدور حول 20%، وهو معدل عالٍ وضاغط على سوق الصرف الأجنبي، بل إن التضخم بلغ أعلى مستوياته في 15 عاماً، ليتجاوز 25% في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي رغم زيادة سعر الفائدة، والاقتصاد نما بنسبة 2.6% فقط في العام 2018، وهو أضعف أداء منذ عام 2009، وذلك مقابل نمو 7.4% في 2017. وزاد معدل البطالة في تركيا إلى 11% في نهاية عام 2018، مقابل 10.4% قبل عام.
كل هذه مؤشرات اقتصادية باتت تضغط على الليرة، إضافة لعوامل سياسية أخرى تتعلق بالحرب في سورية وملف الأكراد والتوتر مع الولايات المتحدة.

لكن في المقابل هناك عوامل داعمة وبقوة لسعر الليرة منها مثلا، صادرات خارجية تجاوزت قيمتها 170 مليار دولار في العام الماضي، وتدفق الاستثمارات الأجنبية على البلاد، وانتعاش قطاع السياحة، وبدء دخول مشروعات عملاقة حيز التشغيل مثل مطار إسطنبول الجديد، الذي يعد الأكبر في العالم، وهو ما يدر 40 مليار دولار على الخزانة العامة للدولة، منها 14 مليار دولار في المرحلة الأولى، وقناة إسطنبول ستحقق للخزانة إيرادات بين 45 و50 مليار دولار بحسب أرقام شبه رسمية.

ومع دخول تركيا نادي إنتاج الطاقة النووية السلمية بتأسيس 3 مفاعل نووية، والانتهاء من مشروع السيل التركي الذي سيحول تركيا إلى منطقة أقليمية لتصدير الغاز الروسي لأوروبا، فإن إيرادات أخرى ستتحقق للخزانة العامة، علما بأن الإيرادات العامة بلغت في العام 2018 نحو 167 مليار دولار بزيادة 7%، وهي زيادة لم يتوقعها الكثيرين خاصة مع اضطرابات سوق الصرف في الصيف الماضي.

كل هذه العوامل ستخفف الضغط عن الليرة، لكن تبقى العوامل المتعلقة بالاقتصاد الكلي، إلى جانب العوامل السياسية، هي الضاغط الأكبر على العملة التركية في المرحلة المقبلة.

المساهمون