أزمة الشرعية في الدولة العربية

13 ابريل 2015
الصورة

يرى هشام شرابي أن الدولة العربية المعاصرة خليط من البنى الأبوية والتنظيمات البيروقراطية الاستعمارية، ويشير إلى أن خطاب الدولة العربية الأبوي يهدف إلى تحقيق الإخضاع، وأن مفهوم الأمة في هذه الدولة يشكل امتداداً لمفهوم الأسرة، من حيث التراتبية والتوزيعية في جوهره. ويؤكد شرابي أن الإصلاحات العثمانية (المعروفة بالتنظيمات) في القرن التاسع عشر، والحقبة الاستعمارية، أدَّيا إلى تركيز السلطة في أيدي الزعامات القبلية والتقليدية، وهو ما قاد إلى تحديث قانوني للبنى الأبوية نفسها، وشرابي، هنا، يضيء على أزمة الدولة العربية، حيث لم يصل التحديث فيها إلى مداه، وأعادت إنتاج البنى التقليدية ما قبل الحديثة.

يدفع انهيار الدولة الذي نشهده في أكثر من بلد عربي إلى العودة إلى نقاش مسألة الشرعية في الدولة العربية الحديثة، وتبدو الحاجة ماسة إلى تسليط الضوء عليها، مع مستجدات الواقع العربي. من غير الممكن مناقشة شرعية الدولة العربية، من دون العودة إلى أصل نشأتها. وهنا، يبرز الدور الاستعماري في هندسة الدولة العربية الحديثة، وقد كان ظهور هذه الدولة مرتبطاً بشكل وثيق بالاستعمار، وبتوسع الرأسمالية، وبحثها عن أسواق جديدة، ولم يقتصر الدور الاستعماري على رسم الحدود، بل تعداه إلى تكوين جهاز الدولة البيروقراطي، والدفع بطبقة محددة إلى السلطة، ترتبط مصالحها الاقتصادية مباشرة بالمستعمر.

هذا السياق التاريخي يدفع إلى التنبه لأزمة كبيرة في شرعية الدولة العربية، هي عدم تمثيلها أمة، بل جزءاً من أمة (الأمة العربية)، حيث لا تتطابق حدودها الجغرافية مع هوية ثقافية وقومية متماسكة، في حين أن أساس شرعية الدولة الحديثة يقوم على تمثيل الأمة وإرادتها، وإذا كان للدولة، في أحيان كثيرة، دور في تكوين الأمة، فإن الدولة العربية المعاصرة لم تنجح في تكوين أمة وطنية، بمعزل عن السياق العربي. لذلك، ظلت أزمات الهوية تلقي بظلالها على أوضاع هذه الدولة، وصولاً إلى ما نشهده اليوم من نزاعات هوياتية، وسط ضعف الدولة وتفتتها.

تشير هذه النشأة، أيضاً، إلى إشكالية عدم رسوخ التحديث، واقتصاره على البنية البيروقراطية، فالبنية الحديثة للدولة لم تحل محل البنى التقليدية، وإنما جاءت من الخارج (عبر الاستعمار) وجاورتها، ويمكن ملاحظة تمازج وتجاور البنى التقليدية والحديثة في الحالة الاقتصادية والسياسية داخل الدولة العربية، فأنماط الإنتاج الزراعي التقليدي والعائلي تتعايش مع أنماط إنتاج رأسمالية حديثة، ولم يتسيد النمط الرأسمالي للإنتاج، بل تجاور مع أنماط أخرى، كما أنه، في السياسة، اختلطت تقاليد الحكم السلطاني بقيم الدولة الحديثة، وتجاورت الأحزاب السياسية التي تتبنى أيديولوجيات حداثية، مع القبائل والطوائف، في مجال سياسي واحد، بما يعني أن البنى التقليدية، السياسية والاقتصادية، تجددت في الدولة العربية، بل وتضخمت أيضاً مع الوقت.

عملت الدولة العربية على تضخيم دور الجماعات الأهلية (العشائر والطوائف) في المجال العام، عبر استخدام الروابط العشائرية والطائفية في تأمين شبكات ولاء وحماية للسلطة، وكذلك عبر التعامل مع هذه الجماعات الأهلية بوصفها وسيطاً بين المواطن والدولة، وأيضاً، ضيَّقت السلطة الخناق على العمل السياسي والمدني، وجرّفت الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، ما يعني أنها دفعت المواطن إلى الانضواء تحت مظلة جماعته الأولية، لتوفر له الحماية من تعسف السلطة، وكل هذا أسهم في جعل الانتماء لهذه الجماعات أقوى من الانتماء للدولة.

ساهمت الدولة العربية في إفشال التحول باتجاه الإنتاج والتصنيع، بل وعملت على تفكيك القوى المنتجة في الزراعة والصناعة، لصالح مزيد من التبعية للرأسمالية العالمية، من خلال رفع شعار "اقتصاد السوق" الذي كان غطاءً لتحويل القطاع العام إلى إقطاعية خاصة بالطبقة الحاكمة، والمتنفذين المرتبطين بها، وأدى ذلك إلى ضمور الطبقة الوسطى، وتراجع دورها، والذي كان يمكن أن ينعكس إيجاباً على سيرة التحديث عربياً، وقد مرت فترات قليلة في التاريخ العربي، تمت فيها محاولة الخروج من التبعية الاقتصادية، وبناء اقتصاد مستقل، وطبقة وسطى فعالة، وتعزيز قوى الإنتاج (مثلما حصل في الحقبة الناصرية)، لكن هذه الحالة لم تعمر طويلاً.

مع مرور الزمن، وتراكم عناصر الفشل فقدت الدولة العربية معظم مصادر الشرعية، خصوصاً مع تخليها عن مهامها "القومية"، وتحديداً في مواجهة العدو الصهيوني، ولم تبقَ سوى شرعية "الأمر الواقع" والسطوة الأمنية، وقد عوضت الدولة عن هشاشتها بممارسة مزيد من العنف تجاه الناس، وقدّم هذا العنف، مع اختزال الدولة بالطبقة الحاكمة، والفساد والعبث بالثروات الوطنية، إلى فقدان الدولة العربية، في بعض الحالات، شرعية الأمر الواقع، كما حصل مع التحركات الشعبية عام 2011، وما تلا بعضها أيضاً من احترابٍ أهلي، أكد غياب الدولة والتنظيمات الحديثة، لمصلحة الجماعات الأهلية.

ترميز الدولة العربية بالشخص لا بالمؤسسات يشير إلى عمق أزمة شرعية هذه الدولة، ويعبر عن هذه الأزمة تحذير بعض الأنظمة القمعية من الفوضى في حال تهديد وجودها، إذ إنها تستثمر اختزالها الدولة، في غياب مؤسسات راسخة، وتحكي، في الوقت عينه، قصة فشلها في بناء الدولة التي ترسخ وتبقى، مع تغيّر الأنظمة والحكّام، لأن شرعيتها قائمة عند مواطنيها.