أزمة السلطات المغربية و"العدل والإحسان": فصل من صراع طويل

07 ابريل 2020
الصورة
سيجد الصراع بين السلطة والجماعة عوامل أخرى للاستمرار(فرانس برس)
دخلت المواجهة المفتوحة بين السلطات المغربية وجماعة العدل والإحسان، فصلاً جديداً من التصعيد المستمر، بعد اعتقال ياسر عبادي، نجل زعيم الجماعة محمد عبادي، ثم متابعته في حالة سراح (الإفراج عنه مع الاستمرار في ملاحقته قانونياً)، بسبب تدوينة، وصف فيها النظام المغربي بـ "الديكتاتوري والإرهابي"، وسط تساؤلات عن حدود الحلقة الجديدة من المواجهة المستمرة منذ أكثر من 3 عقود.


وعقب اعتقال ياسر عبادي، سارعت الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان إلى اتهام الدولة بـ"الانتقام" و"تصفية الحسابات السياسية" و"الاستفزاز"، محملة إياها المسؤولية الكاملة عن السلامة الصحية لنجل أمينها العام "في ظل الظروف التي لا تتوافر فيها شروط الوقاية الصحية في زمن انتشار فيروس كورونا"، ومطالبة "بإيقاف المتابعة، لانعدام أساسها القانوني والمادي".

وفيما اعتبرت الأمانة العامة للدائرة السياسية أن اعتقال نجل زعيمها "شماعة لإثارة قضايا هامشية، من أجل التغطية عن فشل الدولة في توفير بدائل اجتماعية واقتصادية حقيقية وناجعة للفئات الهشة"، و"ورقة لتهديد كل صوت قد يفكر في التعبير عن معاناة الناس وحقوقهم"، بدا لافتاً اقتصار الرد الرسمي على رفض مصدر أمني واستغرابه لما وصفه "ببيانات فوق القانون" التي أصدرتها الجماعة في أعقاب توقيف ياسر عبادي. وقال المصدر، في حديث مع موقع مغربي إلكتروني أخيراً، إن الجماعة تحاول "التقعيد (وضع قواعد) لاجتهادات وسوابق قضائية خطيرة، ترتكز على التمييز بين الأشخاص الخاضعين للقانون بحسب انتماءاتهم العقدية (العقائدية) أو سلالتهم العائلية".

وجاء اعتقال نجل الأمين العام لـ"العدل والإحسان" بعد أيام من تنويه غير مسبوق للجماعة، عبر ذراعها في قطاع الصحة، بجهود الدولة لمحاصرة فيروس كورونا، داعية أتباعها وكل المغاربة للاستماع إلى أهل الاختصاص. كما أنها عملت على تجميد كل أنشطتها واجتماعاتها، معلنة استعداد أطرها للمزيد من الانخراط التام في كل المبادرات والأشكال التعبوية الهادفة إلى التصدي لهذه الجائحة ومساعدة المتضررين من آثارها. وفي تقدير الباحث المغربي، رئيس مركز الأقصى للدراسات والبحوث منتصر حمادة، فإنّ الاعتقال لا يمكن أن يُصنف في خانة المواجهة بين الدولة والجماعة، بصرف النظر عن هذه الفورة الحقوقية والرقمية التي انخرطت فيها قيادات وأتباع "العدل والإحسان". ولفت، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إلى أنها "فورة خاصة بالجماعة وحدها، ولا تهم المغاربة، لا من قريب ولا من بعيد، بمقتضى أن الحدث الذي يحظى باهتمام المغاربة اليوم هو الحدث نفسه الذي يحظى باهتمام العالم، أي مواجهة وباء كورونا".



ووفق حمادة فإن المتابعة القانونية لياسر عبادي جاءت بناء على مقتضى النصوص القانونية المسطرة في القانون الجنائي، وهي المتابعة نفسها التي يمكن أن تطاول أي مدون رقمي يتفاعل مع التدوين، دون الأخذ بعين الاعتبار التبعات القانونية لهذا الأمر، وهي التبعات التي نعاينها في العالم بأسره وليس في المغرب وحسب، وهناك العديد من الأمثلة التي أفضت فيها تدوينات إلى إقالات أو متابعات قضائية أو اعتقالات. وتابع حمادة "يتعين أن نأخذ بعين الاعتبار أن الدولة المغربية اليوم تعيش حالة طوارئ قصوى، وبالتالي هذه المتابعة، حتى من دون أن نكون في حالة طوارئ، تبقى خاضعة لمقتضى النصوص القانونية الصريحة. الأحرى، في حالة استحضار مقتضيات حالة الطوارئ، توحيد الصف بين الدولة والمجتمع من أجل مواجهة هذا الوباء، وليس استغلال هذه المحطة لتصفية حسابات من أقلام إسلامية حركية تؤمن بدولة الخلافة، ضد مؤسسات الدولة الوطنية".

ويسود التوتر العلاقة بين "العدل والإحسان" والسلطات المغربية، بالنظر إلى مواقف الجماعة المعارضة للدولة. كما أنه لم تسبق لها المشاركة في أية انتخابات من قبل، إذ تعتبر المشاركة فيها "عبثاً" بالنظر إلى معرفة النتائج مسبقاً، لكون "المخزن" حسب ما تقول، وهو تعبير يطلق على نظام بيروقراطي يتألف أساساً من الملك وأعوانه، هو من يحكم وليس الحكومة. وتأسست الجماعة نهاية سبعينيات القرن الماضي، على يد الشيخ عبد السلام ياسين (1928-2012)، وتعتبرها السلطات "جماعة محظورة"، فيما تقول "العدل والإحسان" إنها حصلت على ترخيص رسمي في ثمانينيات القرن الماضي.

وعلى امتداد تلك السنوات كانت القطيعة هي العنوان الرئيس لعلاقة الجماعة، التي ينظر إليها على أنها أقوى تنظيم سياسي، بالدولة المغربية، باستثناء محطتين بارزتين حلت فيهما لغة الحوار محل القطيعة المتبادلة. وكانت الأولى في يونيو /حزيران 1991، حين حاول وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الراحل عبد الكبير العلوي المدغري، إقناع جماعة الشيخ ياسين القبول بالملكية الدستورية وتأسيس الحزب. وكانت المحطة الثانية في 1999، بعد أشهر من وصول العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى سدة الحكم، حين قاد المتحدث الرسمي باسم القصر آنذاك حسن أوريد محاولة لكسر جدار القطيعة مع الجماعة.

ولخص الباحث في العلوم السياسية محمد شقير، في حديث مع "العربي الجديد"، تاريخ الصراع بين السلطة والجماعة في "لعبة القط والفأر" التي يضبط الطرفان بدقة أبعادها وحدودها، معتبراً أن اعتقال نجل عبادي يدخل في سياق فصل جديد من فصول الصراع، الذي حاولت الدولة، من خلاله، توجيه نوع من التنبيه ورسالة سياسية عنوانها الرئيس التحذير من توظيف وضع الطوارئ الصحية، لاسيما في وقت تعتبر فيه السلطة نفسها أنها في حرب، تُسخر وتُعبئ لها كل إمكاناتها العسكرية والأمنية والطبية والعلمية لاحتوائها والانتصار فيها، وأنها غير مستعدة لقبول قيام الجماعة بتوظيفها أو التشويش على مجهوداتها.

وحسب شقير فإن ما تتخوف منه السلطة هو محاولة الجماعة توظيف الأبعاد الاجتماعية المرتبطة بحالة الطوارئ الصحية في ظل وجود جزء من المواطنين يعانون، حالياً، من تبعات الحظر الصحي، لافتاً إلى أن الدولة غير مستعدة بالسماح لأية قوة، أو جماعة، لتوظيف ذلك لصالحها أو العمل على تسييسه. ورأى أن التزامن ما بين الحكم على الشيخ السلفي عبد الحميد أبو النعيم بالسجن سنة نافذة بعد اتهامه للدولة بـ"الردة"، على خلفية قرارها إغلاق المساجد، واعتقال نجل الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، رسالة واضحة إلى كل القوى التي يمكن أن تحاول استغلال الظروف التي يعيشها المغرب للتشويش على التعبئة العامة في حرب الدولة على جائحة كورونا.

وأعرب شقير عن اعتقاده أن البيان الذي أصدرته الأمانة العامة للدائرة السياسية للجماعة، يتضمن، إلى الجانب المتعلق بالاتهامات الموجهة إلى الدولة، يداً ممدودة لإمكانية عقد مصالحة ظرفية، مشيراً إلى أن السؤال المطروح هنا هو: هل الطرفان مستعدان الآن للتنازل عن بعض شروطهما؟ واعتبر الباحث في العلوم السياسية أن الصراع بين السلطة والجماعة سيستمر، وسيجد له ظروفا وعوامل أخرى للاستمرار، ما داما لم يتوصلا إلى أرضية، يمكن على أساسها عقد مصالحة أو اتفاق سياسي.

دلالات

تعليق: