أزمة الرواتب في غزة وتعميق الانقسام الفلسطيني

أزمة الرواتب في غزة وتعميق الانقسام الفلسطيني

12 ابريل 2017
الصورة

مشاركون في احتجاج في غزة ضد تخفيض الرواتب (11/4/2017/Getty)

+ الخط -
أن تعيش السلطة الوطنية الفلسطينية أزمة مالية فهذا ليس غريباً، ففلسفة المساعدات المالية الدولية تقوم على الدعم بمستوىَ أقل بقليل من الاحتياجات الأساسية، حتى يبقى الجهاز البيرقراطي للسلطة مشغولاً بالبحث عن طرق تسد العجز المالي وتكافح البطالة، وتتحدث قليلاً عن المشروع الوطني الفلسطيني. لكن المفاجئ، هذه المرة، هو الطريقة التي عملت الحكومة الفلسطينية على معالجة أزمتها المالية بها. كانت الحكومة، في السابق، تلجأ إلى أساليب مثل دفع جزء من رواتب موظفيها على أن تدفع الجزء المتبقي عندما تحل الأزمة والاستدانة من البنوك المحلية، وإلى غير ذلك. هذه المرة كان قرار الحكومة بمواجهة الأزمة بحسم حوالي 30% من رواتب موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة فقط من دون المساس برواتب زملائهم من موظفي السلطة في الضفة الغربية. وشمل القرار حوالي سبعين ألف موظف في غزة، ما أثار حالة من الغضب والسخط، دفعت أكثر من عشرة الآف موظف منهم إلى الانتقال من صفحات "فيسبوك" إلى الساحات الرئيسية في قطاع غزة المحاصر، السبت الماضي، للتظاهر ضد القرار ومطالبة الرئيس محمود عباس بالتدخل وإلغاء قرار الحكومة.
للقرار مجموعة من المثالب، منها أن قطاع غزة يعاني حصاراً ظالماً من الاحتلال الإسرائيلي، وليس في استطاعة أبنائه البحث عن مصادر دخل خارجية. ثم لا يجوز بأي حال اقتطاع رواتب لجزء من موظفي السلطة في غزة، واستثناء زملائهم في الضفة من ذلك، فإن وجد العبء فليقتسمه الجميع. ثم إن الخلاف السياسي مع حركة حماس في غزة لا ينبغي أن يمتد تأثيره إلى الموظف الذي يعاني يومياً لتأمين قوت عياله. أسباب خطأ القرار كثيرة، والمقالة تركز، هنا، على الخطر الأكبر له، وهو التأسيس لحالة من الانقسام الفلسطيني على المستوى الشعبي، طرفاه الضفة الغربية وغزة، بعد أن كان مقتصراً على الانقسام الفصائلي، المتمثل بحركتي فتح وحماس، يتم ترجمته بولادة "مظالم غزّية"، تعمل على تشكيل هوية خاصة بأبنائه، يلتفون حولها، يعرّفون أنفسهم من خلالها، يدافعون عنها، وقد تشكل فيما بعد هوية فرعية ضمن الهوية الفلسطينية الأوسع (sub-identities).
تاريخياً، تولد الهويات الفرعية من الهوية الأكبر، ثم تأخذ بالتطور، حتى تصبح مستقلةً لا يمكن تفكيكها أو إعادتها إلى الوراء. فتعريض مجموعة من الناس لظروف سياسية واجتماعية واقتصادية معينة فترة طويلة سيشكل لديهم حتماً هوية خاصة بهم، مختلفة عن الهوية الأصلية الأشمل، يعرّفون أنفسهم بها، ويدافعون عنها، لأنها أصبحت جزءاً منهم، وفلسطينيو قطاع غزة ليسوا استثناءً عالمياً. في عام 2004، وعندما كنت أجري أبحاثاً خاصة بالدكتوراة في إقليم كوسوفو، كنت أسكن مع طلاب ألبان ملتحقين في جامعة بريشتينا، وكنت أسألهم ما إذا كانوا
سيعملون بعد الاستقلال عن صربيا على الاندماج مع الوطن الأم ألبانيا الذي عايشوا حلم العودة إلى حضنه الدافئ عقوداً، أم سيعملون على تأسيس دولة خاصة بهم، مستقلة عن العاصمة تيرانا؟ فوجئت، وكانت بداية أبحاثي على تشكل الهوية في مناطق النزاع، بأن غالبية من سألتهم كانوا يجيبون أنهم يفضلون الاستقلال. وعندما شدّدت بالأسئلة أن ألبانيا هي الوطن الأم، وكوسوفو كانت جزءاً منها، وتشتركون معها في اللغة والقومية والدين والثقافة، وحتى العلم الذي رفعتموه طوال عقود النضال للاستقلال عن يوغسلافيا وصربيا كان العلم الألباني ذا اللون الأحمر، وعليه صورة النسر برأسين، وما زلتم ترفعونه؟ كانت إجاباتهم: نعم، هذا صحيح. ولكن، منذ تأسيس يوغسلافيا عام 1918، حيث أصبحنا جزءًا منها، عشنا منفصلين عن ألبانيا، وخضعنا لنظامين مختلفين من الشيوعية. وأصبحنا، في النهاية، نشعر بأننا مختلفون عنهم. .. وفعلاً، عندما حصلت كوسوفو على الاستقلال عام 2008، كان أول ما قاموا به هو إعلانها دولة مستقلة عن الجميع، واستبدلوا علم البانيا بآخر جديد، استحدثوه في العام نفسه.
فصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزة عن الضفة الغربية منذ عام 2000، وبشكل صارم، للأسباب نفسها، أي ليصبح هناك هويتان مختلفتان، ما يعمل على تفتيت الهوية الفلسطينية بنيوياً، بعد أن فصلت الأرض فيزيائياً بمستوطنات تمنع تواصلها جغرافياً، وبذلك تضعف استراتيجياً الوجود الفلسطيني بين نهر الأردن والبحر المتوسط. ويؤدي قرار حسم رواتب موظفي قطاع غزة إلى النتيجة نفسها، ولو بشكل غير مقصود، فقد شعر موظفو القطاع باستهدافهم على أساس منطقتهم، وأصبحوا يعايشون الهم الذي لا يشترك معهم فيه أحد. وستساهم هذه المظالم بحد ذاتها في تشكيل هوية جديدة أيضاً لهم، يلتفون حولها ويحمونها ويعرّفون أنفسهم من خلالها. ويولّد تطور الهويات الفرعية لديها رموزاً خاصة بها، ومصطلحات خاصة بها، وأحياناً لوناً وعلماً خاصين بها، كالحال الذي أفرزه الانقسام في الشارع المصري، حيث أصبح للإخوان المسلمين لونهم الأصفر، وشعارهم الخاص بهم "رابعة"، ورموزهم ومظالمهم السياسية الخاصة بهم، والتي تميزهم من غيرهم في المجتمع المصري. الوضع في الحالة الفلسطينية أصعب وأكثر تعقيداً، بسبب الفصل الجغرافي (لا يوجد في الحالة المصرية)، وهو ربما يكون العامل الأهم في مسألة تطور الهويات الفرعية، لتصبح هويات مستقلة، كما حدث في تجربة كوسوفو وألبانيا.

إذا استمرت أزمة الرواتب في قطاع غزة فستفرز قياداتٍ تقود حركة الاحتجاجات، فيصبح لها رموز، وستفرز مصطلحات سياسية جديدة، مثل الاستهداف والتهميش، ومظالم مثل "حسم الرواتب" و"30%" و"موظفو غزة" و"القرارات الظالمة". وأصلب أنواع الهويات تلك التي تتشكل حول مظالم معينة، كونها ترتبط بقيم إنسانية، مثل العدل والحق والمساواة.
الفصل الإسرائيلي الظالم بين الضفة وغزة تحرسه وتطبقه دولة الاحتلال بالحديد والنار، وترفض التنازل عنه. وهذا يجب أن يكون مقلقاً جداً لصناع القرار الفلسطيني، ليس فقط في السلطة الوطنية، ولكن لحركة حماس أيضا. فعلى قيادة حركتي فتح وحماس العلم تماماً أن الانقسام السياسي الذي بدأوه ورعوه حوالي عشر سنوات يساهم في تشكيل الهويات المختلفة التي يعمل الاحتلال على تكريسها. ويأتي قرار حسم رواتب موظفي السلطة في غزة مكوناً إضافياً إلى مكونات تشكل الهويات المختلفة. يجب أن يعي الجميع (وتحديداً القيادات السياسية) بأن الفصل الجغرافي الذي تطبقه دولة الاحتلال، وما يصاحبه من فصل ثقافي سياسي اجتماعي اقتصادي ما بين "شطري الوطن"، قد يؤدي، في النهاية، إلى حالة فصل بالهوية، تصعب إعادة صياغتها، إن لم يكن هناك برنامج مقاوم لسياسة الفصل الآن، يعمل على تواصل الحياة بين مكونات المجتمع الفلسطيني بكل أشكالها، على الرغم من الفصل الجغرافي. شكراً للتطور التكنولوجي الذي اختصر من أهمية المكان في تشكل الهويات، وأعطى فسحة للتواصل في الفضاء الافتراضي. وللحق، هناك مؤسسات في المجتمع المدني الفلسطيني تحرص على هذا التواصل، ومثالا، يعقد مركز مسارات للأبحاث في رام الله اجتماعاته ونقاشاته بشكل مستمر مع زملائهم في قطاع غزة عبر الفيديو كونفرس، وكأنهم يعيشون ويعملون تحت سقف واحد، وبذلك يطورون نموذجاً للتواصل، والحفاظ على تناغم مكونات الهوية السياسية الفلسطينية، محيدين سياسة الفصل التي تنتهجها تل أبيب. فالمطلوب من القيادات الفلسطينية إذا تطوير نموذج متكامل الأركان، يحافظ على تواصل أجزاء الوطن، حتى لا يجد الفلسطينيون أنفسهم بعد فترة وقد أصبحت لديهم هويات فلسطينية عديدة.
وحتى لا تساهم أزمة الرواتب في التأسيس لسياسة الفصل على المستوى الشعبي، لا بد من
اتخاذ الخطوات التالية: أولاً، يجب إلغاء القرار نفسه، فلا يجوز بأي حال تطبيق حسومات على فئة من الجهاز البيرقراطي للسلطة، سواء كان في غزة أو الخليل أو نابلس أو غيرها، ناهيك عن حالة الحصار التي تعايشها غزة، وليست في حاجة الى مزيد. ولا يتم علاج الانقسام السياسي الفصائلي بانقسام على المستوى الشعبي. على السلطة الفلسطينية أن تعيد النظر بوظيفتها، إن لم تكن قادرة على تمويل نفسها.
ثانياً: تتحمل حركة حماس جزءا من المسؤولية، فهي صاحبة السلطة في غزة، وعلى من يريد أن يمتلك السيادة في مجتمع معين أن يتعامل مع التحديات الاقتصادية وغيرها التي تواجه المجتمع الذي اختار أن يحكمه.
ثالثاً: قادة الرأي، وتحديداً في الضفة الغربية، بحاجة إلى أن يعطوا موقفاً واضحاً وغير خجول بضرورة إلغاء القرار، والبحث عن حلول أخرى. وعلى قادة الرأي في غزة عدم الإسراع في التنظير بأن المستهدف غزة وشعبها، ونشر ثقافة الانقسام، حتى لا يتحول الأمر إلى ما يمكن تسميته "النبوءة المحققة ذاتها" (self-fulfilling prophecy)، بمعنى أن نبقى نتحدّث عن أمر على أنه حقيقة، وهو غير ذلك، حتى يصبح فعلا حقيقة. فهناك قرارات سياسية خاطئة، ليس بالضرورة ترجمتها فوراً على أنها تستهدف القطاع.
رابعاً: على موظفي السلطة في الضفة القيام بمبادراتٍ، مثل اقتطاع جزء من رواتبهم لمشاركة زملائهم موظفي القطاع المحاصرين العبء. قد يرى بعضهم أن هناك نوعاً من المثالية في الحديث، لا سيما أن حال موظفي الضفة ليس أحسن بكثير، ولكن المقصود هنا المسألة الرمزية، أي مبادرات ولو على مستوى بسيط جداً، تساهم في تغيير لغة الخطاب، بدلاً من "استهداف غزة"، إلى التأكيد على قيم التكافل والتعاضد لتقاسم الهم الفلسطيني الواحد.