أزمة الخليج: المخرج في صندوق الدبلوماسية... والمفتاح مفقود

24 سبتمبر 2019
الصورة
موقف ترامب ضعيف وبلا سند دولي واسع(لودوفيك مارين/فرانس برس)

في مقابلاته، يوم الأحد، شدد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، على أنّ الإدارة "تعمل للتوصّل إلى حل دبلوماسي" لأزمة هجمات "أرامكو" السعودية، وأعرب عن "الأمل بالتفاف الأمم المتحدة" حول الموقف المطلوب في هذا الاتجاه.

لم يأت على سيرة الخيار العسكري لا من قريب ولا من بعيد. شدد هو ووزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين، على العقوبات وفعاليتها في حرمان إيران من الموارد والقدرات. كما سحب الرئيس دونالد ترامب عبارة "نحن على أهبة الاستعداد" من التداول، منذ الأسبوع الماضي.

بهذا الخطاب انتقلت الإدارة، إلى نيويورك علّها تتمكّن من حمل الحضور الدولي المشارك في افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة، على التوسّط لصياغة مخرج دبلوماسي للمأزق من النوع الذي يحفظ ماء الوجه، ويعيد الأمور من على حافة الهاوية إلى الطاولة.

في اليوم الأول، جاءت الوساطة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع تأييد من رئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون.

صيغة ماكرون تقضي بفتح اعتماد مصرفي بقيمة 15 مليار دولار كسلفة لثمن نفط إيراني، مقابل عودة طهران إلى تطبيق شروط اتفاق يوليو/ تموز 2015 النووي معها، على أن يكون ذلك مدخلاً للعودة إلى التفاوض حول اتفاق نووي جديد، سبق ورفضه الرئيس ترامب.

غير أنّ تبدل المعطيات والحاجة إلى "حل دبلوماسي"، جعلاه ينفتح على مثل هذا الطرح. لكنه انفتاح يتطلب تنازلات ولو ملتوية من نوع التراجع الجزئي أو المتزايد عن العقوبات، قبل وخلال المفاوضات، كما تصرّ إيران التي جاءت إلى نيويورك لخوض معركتها الدبلوماسية من موقع الطرف الذي يمسك بزمام المبادرة بعد عملية "أرامكو".

وما يزيد من ضعف موقف البيت الأبيض، أنّه يواجه إيران من دون سند دولي واسع يقف إلى جانبه. علاقاته مع الحلفاء مخيبة، ومع الخصوم متأزمة، ومع المجتمع الدولي معطوبة في أحسن أحوالها.


وما يزيد الطين بلّة، أنّ المعركة مع إيران تأتي في لحظة تهدّد بالمزيد من اهتزاز وضعه الداخلي، وبالتالي من انحسار قدرته على التحرك الفعّال على الساحة الخارجية.

فمع بداية تحرّكه في الأمم المتحدة، انفجرت قضية قد تتطور إلى فضيحة أخرى من طراز التدخل الروسي وتحقيقاته. هذه المرة ساحتها أوكرانيا.

فقد زعمت "واشنطن بوست" بناء على تسريبات استخباراتية، أنّ الرئيس ترامب استخدم سلطة موقعه للضغط على الرئيس الأوكراني الجديد، كي يعيد فتح تحقيق في وضع واحدة من شركات الطاقة الكبرى في أوكرانيا كان هانتر بايدن ابن المرشح الديمقراطي جو بايدن وخصم ترامب، عضواً في مجلس إدارتها؛ علّ ذلك يكشف عن تنفيعة كبيرة ساعد المرشح بايدن في ترتيبها لصالح ابنه، الأمر الذي يلطّخ سمعته ويضعف بالتالي منافسته للرئيس ترامب في الانتخابات، باعتباره المرشح الأقوى له.

الممسك على ترامب، بحسب سردية الصحيفة، والمنسوبة إلى المصدر المبلِّغ من داخل وكالة الاستخبارات الوطنية، أنّه أجرى اتصالاً بنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، و"ضغط" عليه لتلبية طلبه عشية إفراجه عن صفقة أسلحة بقيمة 250 مليون دولار لأوكرانيا، سبق ووافق عليها الكونغرس منذ فترة. ما يعني أنّ الرئيس حاول إجراء مقايضة بين موافقته على الصفقة، وبين موافقة الرئيس الأوكراني على إعادة فتح التحقيق المطلوب.

المبلِّغ الذي اطلع على المكالمة ويحتفظ بنصها، قام حسب القانون بإبلاغ المفتش العام في الوكالة، محذراً من "خطورة" وعدم قانونية ما جاء على لسان الرئيس، في حديثه مع نظيره الأوكراني.

في هذه الحالة يقضي القانون أن يضع المفتش الأمر بيد مدير الوكالة الذي يلزمه القانون بعرض الموضوع على الجهات المعنية في الكونغرس.

تدخل البيت الأبيض ووزارة العدل لمنع إطلاع الكونغرس على القضية، أثار ضجة واسعة رافقتها مطالبة عارمة بالمباشرة بإجراءات العزل، بزعم أنّ الرئيس استعان بدولة أجنبية لتحطيم خصم سياسي داخلي، وبما يتعارض مع الدستور والقوانين المرعية.


المسألة خطيرة إذا ثبتت. عدد من الجمهوريين ومنهم في مجلس الشيوخ، أبدى قلقه وطالب بضرورة تسليم نص المكالمة إلى الكونغرس. وغداً يعقد الديمقراطيون اجتماعاً خاصاً لتقرير الخطوة التالية مع الإصرار على الحصول على النص، والاستماع إلى المبلِّغ لكشف حقيقة ما حصل.

وبذلك انفتحت قضية جديدة ستغرق واشنطن في متاهاتها كما حصل في التحقيقات الروسية، وأكثر هذه المرة لأنّ الرئيس قام بالدور المباشر في قضية كبيرة إذا صدقت الرواية.

ولغاية الخروج منها بصورة أو بأخرى، تبقى قدراته مكبّلة، وبما يتعذر عليه الخروج من قضايا بتعقيدات وخطورة الملف الإيراني.