أزمة أوكرانيا تجر الحلف الأطلسي إلى شرق أوروبا

أزمة أوكرانيا تجر الحلف الأطلسي إلى شرق أوروبا

08 مايو 2014
الصورة
ها هي "روسيا العجوز" قد استيقظت (ساشا مورديفتز/getty)
+ الخط -

كَمَا لو أنه أُصِيبَ في صميم كبريائه، بسبب الإهانات المتواصلة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في شبه جزيرة القرم والآن في شرق أوكرانيا وقبلهما في جمهورية جورجيا، أخرج حلف شمال الأطلسي (الناتو) من قبعته تهديدَهُ بنشر دائم للقوات في دول أوروبا الشرقية. ولم يتأخر الجواب الروسي فلوَّحَتْ موسكو بالرد: "إذا نشر الناتو قواته في أوروبا الشرقية، فسننشر المزيد من صواريخ إسكندر على الحدود الغربية!" 

وفي الوقت الذي تُعدّ فيه الولايات المتحدة لسلسلة من العقوبات الجديدة، وسط تخبط غربي غير مسبوق، يُواصل بوتين اللعب على أعصاب الغرب والعالم بغموضه وتناقضاته، بل وخداعه المتلاحق، وتغرق أوكرانيا، شيئاً فشيئاً، في وَحل الحرب الأهلية، التي لا يعرف أحد إلى أين ستنتهي.

ولكن الأمر خطيرٌ، لأن جو الكراهية بين قسمي أوكرانيا يتعمق، ويجعل بالتالي مسألة المصالحة الوطنية تنأى مع الزمن، والتقسيم بمثابة تحصيل الحاصل.

ويرافق هذا الانزلاق العسكري والدموي بين أوكرانيا غربية وأخرى شرقية تصعيد في التصريحات والتصريحات المضادة، بين الغرب وروسيا. وإن كان الغربُ (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة)، لحد الساعة، لا يتحدث بلغة واحدة، وبلهجة واحدة، كاشفاً أن الاتحاد الأوروبي لا يزال قزماً سياسياً وعسكرياً، من دون الولايات المتحدة، التي تعرف، هي بدورها، فترة نُكوص وتقوقع على الذات مع رئيس لا يستطيع الحسم في مواضيع مهمة وخطيرة، كما فعل مع الملف السوري.

وآخر مثال على هذه الاختلافات في المواقف الغربية المتناقضة والمُحبِطة للأوكرانيين تصريح الجنرال فيليب فريدلوف، قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، بأن الحلف يفكر في وجود عسكري دائم في أوروبا الشرقية، ردّاً على الاستفزازات الروسية، مؤكداً أن حلف الأطلسي في حاجة إلى تقييم قابلية الردّ والاستعداد وتموضع القوات حتى يكون قادراً على مواجهة أي واقع جديد.

وجرت قراءة هذا الموقف الحديث من القيادة العسكرية على أنه بداية لتوتر جديد بين الغرب وروسيا، أي نوع من حرب باردة جديدة بعد فترات من الهدوء وحسن الثقة، جعلت الغرب ينظر إلى روسيا باعتبارها شريكاً.

وقد كانت العلاقات الدافئة، نسبياً، والتي ربطت الأطلسي بروسيا بعد انهيار جدار برلين 1989، وخصوصاً مع حقبة الرئيس الروسي بوريس يلتسين، دافعاً لتفكير غربي جدي في بناء شراكة مستقبلية بين الطرفين، تمخض عنها تقليصٌ جوهري من دول "الناتو" لموازنات الدفاع وبنية قواتها وتموضعها.

ورأى الجنرال فريدلوف وهو، يستعيد ضم الروس لشبه جزيرة القرم، الذي شكَّل في حينه، ما يشبه الصدمة لدى الغرب وحلف الأطلسي، أن روسيا لا تتصرف، من الآن فصاعداً، كشريك، إذ إن هذا الإلحاق للقرم يغير من دينامية العلاقات بين الطرفين.

وقد شهدت العلاقات بين دول حلف "الناتو" منذ منتصف أبريل/ نيسان 2014 تحركات عسكرية شملت تعزيز دفاعات دول شرق أوروبا، كما أن الحلف ضاعَف من طلعات طيَرانه الحربي، وخصوصاً فوق دول البلطيق. كما تقرّر تسيير سفن حربية في بحر البلطيق وفي شرق البحر المتوسط. إضافة إلى قرار الولايات المتحدة الأميركية نشر أربع فرق من المظليين، في حدود 600 جندي، من أجل إجراء مناورات مشتركة مع بولونيا ومع دول البلطيق. وليس من المؤكد، في ظل هذه الأزمة، إن كانت هذه التحركات ستتوقف كما هو مقرر لها في نهاية هذا العام.

لا أحد يُريد الحرب!

لا يريد الاتحاد الأوروبي حرباً جديدة على أراضيه بعد حرب يوغوسلافيا السابقة، لأنها لن تكون سريعة ولا مضمونة العواقب، وهو يحاول جاهداً إفهام الروس هذه الحقيقة. ومن هنا جاءت زيارة ديدييه بيركهالتر، رئيس سويسرا ومنظمة الأمن والتعاون، إلى روسيا. وقد طالب خلال زيارته لموسكو، التي تُصادِفُ، هذه السنة، الذكرى المائتين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بوقف لإطلاق النار في شرق أوكرانيا، حتى يتسنى تنظيم الانتخابات الرئاسية في 25 من شهر مايو/ أيار الجاري. ومن جهته، طالب بوتين، في بادرة لطمأنة زائره السويسري، ومن خلاله الاتحاد الأوروبي، أنصارَ الفدرالية في شرق أوكرانيا، الموالين لروسيا بتأجيل الاستفتاء المقرر في 11 مايو الجاري، وهو ما لا يخفي التأثير الذي تمتلكه روسيا على هؤلاء الانفصاليين. كما أنه دعا إلى عقد حوار مباشر بين كييف ومناطق جنوب شرق أوكرانيا لطمأنة سكانها إلى أن حقوقهم ستحترم ، مؤكّداً أن روسيا سحبت قواتها من الحدود مع أوكرانيا. ويأمل المسؤول السويسري الوصول إلى عقد موائد مستديرة تحت إشراف منظمة الأمن والتعاون لتسهيل الحوار الوطني بين كييف والانفصاليين الموالين لروسيا الذين يسيطرون على جزء من شرق أوكرانيا.

ومن جهة أخرى تواصل سلطات كييف المضي قُدُماً في الإعداد للانتخابات الرئاسية هذا الشهر، وذلك من خلال المطالبة بإرسال مراقبين دوليين إلى أوكرانيا للإشراف على الانتخابات، وببذل كل ما يمكن لإزالة التهديدات والاستفزازات الروسية، حتى يصار إلى إجراء "انتخابات حرة وديموقراطية".

وإذا كان الرئيس السويسري لا يزال يمتلك أملاً في إقناع الروس بوقف لعبهم بالنار، وترك الانتخابات الرئاسية تحدد مستقبل الشعب الأوكراني، حتى تقوم روسيا بدورها "السلمي" في أوروبا، فإن الذين اكتووا بالنيران الروسية ليس لديهم التفاؤل نفسه.

وهكذا يؤكد رئيس البرلمان الجورجي دافيت أوسوباتشفيللي أن "روسيا العجوز" قد استيقظت. ويقول إن مسؤولي هذا البلد وقسماً كبيراً من السكان يعتبرون أن "روسيا قوية" هي "روسيا كبيرة جداً". وهم يرون أن أكبر مأساة في القرن العشرين كانت هي نهاية الاتحاد السوفياتي.

ويضيف المسؤول الجورجي أن القلق ليس فقط هو قلق أوكرانيا، بل ينتاب أيضاً جورجيا ومولدافيا. خصوصاً أن البلدين يوشكان أن يُوقِّعا مع الاتحاد الأوروبي على اتفاق الشراكة. في حين أن هدف السلطة الروسية هو منع أيٍّ من جيرانها من الإقدام على هذا العمل.

ولا يُخفِي هذا الزعيم الجورجي حقيقة أن الروس يريدون إلحاق إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بروسيا. ويكشف في ذات الوقت ضعف إمكانات مقاومة هذا السيناريو الروسي، التي تعتمد في جوهرها على الضغوط الدولية وعلى اعتدال الحكومة الجورجية، قياساً مع تطرف الرئيس الجورجي السابق.

وفي ما يخص ما يسميه "الرهاب" الروسي أو الحقد المتأصل للروس على حلف "الناتو"، يقول إنه حقد لا يستهدف "الناتو" فقط بل هو موجه ضد كل من يمنع روسيا من تأمين سيطرتها على الفضاء ما بعد - سوفياتي، سواء تعلق الأمر بالاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة أو الصين، أو حياد هذا البلد أو ذلك.

ويكشف أوسوباتشفيللي أن لجورجيا هدفاً طويل الأمد يتمثل في عضوية حلف "الناتو": "سنكون سعداء إذا علمنا عند استيقاظنا، غداً، عن طريق إيميل، أننا أصبحنا عضواً في حلف الناتو"، و"لكن لا ينبغي أن يُؤخَذَ الأمرُ على أنه إعلانُ حرب على روسيا".

روسيا بوتين بلدٌ يُثير الرعب في قلوب جيرانه

المساهمون