أزمة "نداء تونس" وأداء الحكومة

17 مارس 2017
الصورة
+ الخط -
عندما ظهر حزب نداء تونس على الساحة السياسية التونسية في أواخر سنة 2012، كان يقدم نفسه البديل الوحيد الممكن لإطاحة حكم الترويكا، بتحالفها الثلاثي بين حركة النهضة وحزبي المؤتمر بزعامة المنصف المرزوقي والتكتل بزعامة مصطفى بن جعفر. وبالفعل، استطاع الخطاب التعبوي للحزب الجديد أن يضم شخصياتٍ من مشارب شتى (من النظام القديم ومن اليسار والنقابات وشخصيات نسوية وليبرالية)، وبدت حينها هذه التركيبة الهجينة الوصفة الأمثل لهزيمة تيار الإسلام السياسي، ومن حالفه من القوى الثورية، مستفيدة في ذلك من أحداث العنف التي شهدتها البلاد، بالإضافة إلى وضعية التوتر الاجتماعي التي كان يحركها الاتحاد العام التونسي للشغل.
لم يكن الحزب الجديد قائماً على تصور إيديولوجي معين، أو حتى اتجاه سياسي محدّد، حيث تتباعد المسافة بين من يعتقد أن المعركة الأساسية هي القضاء على الإسلاميين، ربما بما يتجاوز هزيمتهم انتخابيا، متطلعا لنموذج عبد الفتاح السيسي في مصر، ومن كانت حساباته سياسية صرفة، تتغير بحسب الظرف، ولا تخضع لمنطق العداوات الدائمة.
وبالفعل، ما أن حقق الحزب فوزه الواضح في انتخابات 2014، ليهيمن على المناصب الكبرى الثلاثة (رئاسات الجمهورية والحكومة ومجلس نواب الشعب)، حتى بدأت الخلافات تشقه، وهو ما بدا حينها أمرا غريبا للمراقبين، حيث إن من المعتاد أن القوى المنتصرة انتخابيا تزداد وحدة وتماسكا، ولا تسير نحو التحلل والاضمحلال، غير أن المشهد كان مغايرا في حزب نداء تونس، بداية من انشقاق جزء من النواب الذين صعدوا على قوائمه، مشكلين كتلة جديدة تابعة لكيان حزبي مستحدث، يتزعمه قيادي من الصف الثاني، هو محسن مرزوق. في المقابل، بدأت الشخصيات الوازنة التي ساهمت في تشكيل بنية الحزب، بالانسحاب تدريجيا وليُحسم المشهد لمصلحة المحسوبين على حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس والشخصية الأقوى في الحزب.
غير أن أزمة الحزب لم تكن لتتوقف في حدود الصراع الداخلي، وإنما امتدت لتؤثر على أداء
الحكومة التونسية، بداية من محاولات إفشال رئيس الحكومة السابق، الحبيب الصيد، الذي حاول أن يتخذ لنفسه خطا مستقلا وأداء مميزا عن مسار الحزب الحاكم، وانتهاء بما يجري اليوم من خلافاتٍ حول طبيعة أداء رئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد. فقد كشفت تسريبات، أخيرا، لاجتماعات الهيئة القيادية لحزب نداء تونس عن مدى توتر العلاقة بين حافظ قائد السبسي وأتباعه في الحزب وبين رئاسة الحكومة، حيث وجّه لها نقدا حادا، واتهمها بالفشل وضعف أداء بعض الوزراء، والأخطر هو تآمرها على حزب نداء تونس، من أجل تدميره، وعدم منحه فرصة المشاركة في الحكومة بشكل جدّي، خصوصا في ظل استبقاء وزراء من خارج "نداء تونس"، ممن وصفهم الحاضرون في الاجتماع بأنهم هواة فاشلون. وما يثير الانتباه في هذا التسريب (ليس الأول من نوعه) هو إصرار حافظ قائد السبسي على توصيف علاقة حزبه مع حليفه في الحكم، حزب النهضة، بأنها علاقة صراع وترصّد للأخطاء، مضيفا أن الحزب سيظل قويا وفعّالا طالما "العجوز" في القصر (كما ورد في التسريب).
ويثير هذا التسريب قلق مراقبين سياسيين كثيرين، من جهتين، أولاهما أن حزب نداء تونس، بتفككه، أوجد حالة فراغ سياسي، قد لا يوجد من يملأها، وهو أمر سيسبب حالة عزوف سياسي لدى الذين انتخبوا هذا الكيان الحزبي في لحظة تاريخية فارقة، تحت ضغط دعاية الإعلام، وأحيانا التلاعب بالعقول. ومن جهة ثانية، يعاني الأداء الحكومي من ضعف فادح من جهة حالة الارتباك وتشوش حضور رئيس الحكومة الذي يظهر كأنه في موقع أكبر منه بكثير، بل ويخضع لضغوط القوى النافذة في حزب نداء تونس، وفي الوقت نفسه، لرئاسة الجمهورية وشخصية الباجي قائد السبسي ذات التأثير الطاغي. وقد شكلت زيارة يوسف الشاهد إلى بنقردان مناسبةً لإدراك مدى ضآلة حضوره الشخصي، وتأثيره السياسي، عندما وجد نفسه في مواجهة جمهور واسع، يهتف بحياة الرئيس السابق المنصف المرزوقي.
بالإضافة إلى ما تعانيه حكومته من مشكلات مزمنة في علاقة باتحاد العمال والمطالبة بإقالة
وزير التعليم، وسوء أداء بعض الوزراء، وما كشف عنه نواب الشعب عن ميل بعضهم إلى المحسوبية والتربّح. كل هذا يحيل إلى جملةٍ من النتائج الأساسية، أهمها ضرورة مراجعة الأداء الحكومي، وفصله عن تجاذبات حزب نداء تونس الذي يسير تدريجيا نحو التفسخ، وبقائه مرتهنا باستمرارية الباجي قائد السبسي رئيسا للجمهورية، وتكشف هذه الحالة المتردّية للحزب الحاكم عن الوضعية الهشة للكيانات الحزبية في تونس ما بعد الثورة، الأمر الذي يستدعي مراجعة فعلية لطبيعة العمل السياسي في البلاد، بما يسمح بمزيد تجذير العملية الديمقراطية، ومنعها من التحول إلى شكلٍ من الفوضى، أو السيولة غير محسوبة العواقب.
وفي المقابل، قد تكون الفرصة مناسبةً لبعض القوى السياسية لاستعادة مواقعها، وبناء قاعدة ناخبة، في ظل تبدّل المزاج الشعبي العام لدى الذين صوّتوا لحزب نداء تونس، وراهنوا على شعاراته الكثيرة، غير أن ما يثير الانتباه أن القوى الحزبية التونسية الأخرى تعاني من حالة شلل فعلي في النشاط وغياب القدرات التنظيمية والتواصلية مع الجماهير الشعبية، وهو ما سيكون له انعكاساته على الانتخابات المقبلة، والتي قد تشهد حالة جزئية من العزوف الانتخابي، ما لم تنشأ بدائل سياسية جديدة ومؤثرة، في ما بقي من وقت بانتظار الانتخابات المقبلة.