أرياف وضواحي البؤس

01 مارس 2017
الصورة
الصومال في المجموعة الثالثة (محمد عبد الوهاب/ فرانس برس)
+ الخط -
هناك الكثير من المقاييس والمعايير العلمية لتحليل أشكال التحضّر. ما يعنينا ليس المدارس التي يعتمدها علماء الاجتماع والسكان لدراسة مثل هذه الظاهرة، بل ما رافق ذلك كله من مظاهر خلل في البنى العربية بمستوياتها كافة. لكن قبل ذلك نشير إلى أن هناك من يضع الدول العربية إزاء هذه الظاهرة بين ثلاث مجموعات:

الأولى منها تضم أكبر نسبة من التحضّر وهي تلامس خط الـ80 في المائة من مجموع السكان. وهذه الفئة تضم المملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة وليبيا وجيبوتي ولبنان وقطاع غزة.

أما المجموعة الثانية فتشمل دولاً نسبة التحضّر فيها تتراوح بين 50 و80 في المائة، وتصنّف هذه الدول بأنها اجتازت خط الوسط، وتضم الدول التالية: العراق والأردن وسورية والجزائر وتونس وموريتانيا ومصر والمغرب.

تبقى المجموعة الثالثة وتضم أربع دول تقل فيها نسبة التحضّر عن مثيلاتها في المجموعتين السابقتين، وهذه الدول هي: الصومال والسودان واليمن وعُمان.

لكن التوجه نحو التحضّر المتصاعد لم يمر برداً وسلاماً على الدول العربية إلى أي مجموعة من المجموعات الثلاثة انتمت. إذ المعروف أن النزوح الواسع نحو المدن لم يكن متدرّجاً، بل بدا وكأنه زحف حدث بسرعة قياسية. بالتأكيد كان ذلك نتيجة التخلف الذي تعاني منه الأرياف على صعد كل مقومات العيش بدءاً من العمل إلى التعليم والصحة والخدمات وما شابه. كل هذا قاد إلى بروز وتضخم ظاهرة العشوائيات وأحياء التنك في الضواحي. وتباعاً امتلأت الضواحي وأخذت تترك مضاعفاتها على حياة المدن نفسها. ما يدفع الى مثل هذه الظاهرة هو أن مشاريع التنمية على ندرتها تكاد تنحصر في العواصم.

لكن المشكلة الأكبر هي التي عانت منها الأرياف التي تعرضت الى نزيف بشري حاد وفقدت القطاعات الاقتصادية والأنشطة الزراعية والتجارية والحرفية فيها دورها بفعل تجاهل السلطات المركزية ما جعلها مجرد مستودع يقذف بأبنائه خارجه.

وهذا التضخم في أعداد الوافدين الى المدن ضغط على مستوى أداء المرافق العامة فيها وجملة الموارد المتاحة، ومع هذه الزيادات السكانية المتلاحقة برزت أزمات السكن والمياه والكهرباء والطرقات والتلوث والعمل. كما أن العجز عن إدارة مجتمعات الضواحي جعل منها مراتع لكل أنواع الإهمال والفوضى. حتى أن هذه الضواحي التي باتت مستقرات لفئات مفقرة ذات مؤهلات تعليمية متدنية على الأغلب ضغطت على حياة المدن. فبدلاً من أن تنجح المدن في ترقية المستويات الريفية الوافدة إليها علمياً وثقافياً واجتماعياً حدث العكس تماماً، حتى أنه يمكن القول إن الأرياف ابتلعت المدن أو ريّفتها.

*أستاذ جامعي

المساهمون