أرمينيا.. مكان كل وجه سقط

24 ابريل 2016
الصورة
("بلد الأحلام الوردية"، سيفادا غريغوريان)

هناك من يرى أن الوقوف على أطلال الماضي هو بمثابة إغفال عن أهوال اللحظة. إغلاق تلك الصناديق والسراديب الهلامية، والسير بتكتّم على أنقاضها، وقلب الصورة وتبييضها وتبريرها، وتناسي أن أكثر من مليون أرمني قد تمّت إبادتهم بشكل ممنهج؛ هو أن تطوّق نفسك بثقافة تتغاضى عن قتل الأبرياء، هو أن ترضى بقناع الحاضر، وتتمشى على أنقاض الموتى دون أن تخفف الوطء. أوَليس أديم الأرض من هذه الأجساد، إن أردنا استعارة لغة المعرّي؟ ما المشكلة في الوقوف بشغف على الأطلال كما فعل العرب حباً يوماً ما، ليسطّروا قصائد سرمدية عُلّقت من جيل إلى آخر؟ الولوج في متحف التاريخ، ومناجاة أحبّاء من زمن آخر، قبل المضي قدماً إلى تفاصيلك اليومية وفعلك المناهض لهمجية العدوان؟

بلّغني عاشق متيّم من زمن مضى أن المعتّق معشّق تزداد رائحته ووقعه مع مرور الوقت. "ولكن الحنين واللوعة متعبة وماكرة!" قلت. وبعناده المعهود أجاب: "ولكن عتق القصب يجعل أنين الناي أجمل مع مرور الوقت. ألم تتذوقي يوماً مناجاتها العذبة؟". "إلى متى ستنوح المنطقة؟" قلت. "تذكري... الأيام الجميلة لم تـأتِ بعد. دعي هذه العبارة حلقة ذهبية في أذنك، ولا تنسي أن تحوطي نفسك بالموسيقى". قال. وواصل درب الوصال والمودة.

يمضي الزمن، وتتحول معه الذاكرة الجماعية. إنّها الموطئ الذي يحملك إلى جبل ترى من قممه سقفاً أحببته. الذاكرة جناح وعبء في نفس الوقت. حمّلنا الناجون من الإبادة الكثير من أعباء الذاكرة. تجرّك بسحرها، وتقوضك وتحاصرك وتخنقك أحياناً، وتشكّل هويتك ووجودك. إن طاردت ذكرياتك قيّدتك. كي تتعايش مع ذكرياتك المكبوتة والمُعلنة تقبّل وجوهها العديدة، كن سموحاً، دعها تمر، وفي نفس الوقت لا تنسَ أن تتمرّد وتحيا إيقاع اللحظة.

في تعايشهم مع "التروما" التي شكّلت هويتهم، عاش الأرمن بعض هذه الحالات. خلال القرن الأخير، واجه الشتات الأرمني عدة تحدّيات وتجارب وهفوات، ولكن في نيسان/ أبريل من كل عام، عاماً بعد عام، ولمدة أكثر من مائة عام، من أقاصي شرق آسيا، إلى ثنايا أفريقيا، وعبر بحار أوروبا والأميركيتين وأستراليا، كان هناك جباه انضمت سوية بالعشرات والمئات والآلاف أحياناً، بالورود والأكاليل، بالنضال والعمل، لتتذكر إبادة وتراحيل كانت من علامات الخارطة الجديدة لمنطقة الدولة العثمانية سابقاً. تلك الخارطة التي ما زالت في طور التحوّل، وأصابتها لعنة تبرير ثقافة إلغاء الآخر منذ ذلك الوقت. تلك الصحارى التي ما زالت تشهد نوح الأمهات، وأنين الأطفال، وتدمير المنشآت والمعالم.

أكثر من مائة عام من محاولة الكشف والحديث والإفصاح مقابل التعتيم الإعلامي من قبل السلطات العثمانية التي اقترفت في مرحلة ما إثم التتريك. أن تقرر قتل أو تهجير أو زجّ أي شعب في البئر هو أن تمنح نفسك صلاحيات التمثّل بالله الديّان. أو تناسيت أن الله خالقنا أجمعين وجاعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف؟ لا لوم لشعبٍ بأكمله على إخفاقاتك، وسيحاسبك الزمان، والغفور الرحيم.

رأيت يا عزيزي الكدمات على جسدها. خبرتني أن من يحيا الظلم يتعرض غالباً للنكران. "إن رويت حكايتي لا أحد سيصدقني"، قالت وتماهت مع كل متألمة. في أغلب الحالات، لا أحد يصدّق رواية المقموع. فالقامع يحترف حيل التستر على إخفاقاته. من الخارج تبدو الأمور على عكس نصابها.

من نجا يشكر الله على حمايته منها، ومن لم ينج؟ هل هم شهداء في سبيلنا نحن؟ أم في سبيل البشرية؟ كيف يحدث ذلك؟ كيف استمر الطغاة والناجون في ممارسة حياتهم؟ كيف تعايشوا مع وخز الحنين؟ الاستيقاظ صباحاً، مصافحة الأبناء، الحب، النظر إلى النجوم، النوم. هل بالإمكان أن تنسى حدثاً كهذا؟

"تعبت يا عزيزتي. لا أودّ أن أكون ضحية/بطل. أريد أن أتحرّر من الألم" قلت. فأجابتني الناجية: "كل سقوط هو مطر. ارتوي بذرّاته. لا تنسي أن الهشاشة جزء من الحياة، منذ الطفولة إلى الهرم. والقوة لا تتنافى مع الضعف". أجبتها "وماذا بالنسبة للألم الذي يغرس شوكته في البلاد العربية أكثر فأكثر؟". فأجابتني: "أنظري إلى منافذ الفجر. لملمي الشظايا، والأشلاء، احفظيها عن ظهر قلب وامضِ قدماً. انطقي بلغاتك. كوني أنتِ. مكان كل وجه سقط، أحبي الوجوه التي تمر بك".

مائة عام من العزلة؟ أم تراها مائة عام من التواصل؟ ما أعلمه هو أن من تشردوا من الإبادة قالوا يوماً ما: أصرّ على أن أصرّ على أن للحياة قيمة. أصرّ على أن أرقص حتى في وسط الظلمة الحالكة. أصرّ على أن أكون، وأرسم وأنقش. أصرّ على أن أفكّر وأتساءل وأتذكّر وأذكّر أن الحياة مقدسة.


* كاتبة فلسطينية أرمنية من القدس

دلالات