أرقام مخيفة لسوء التغذية في اليمن

15 ديسمبر 2016
الصورة
سوء التغذية يهدّد حياتها (محمد حويس/ فرانس برس)
+ الخط -
الحرب المستمرة في اليمن تساهم جدياً في نتائج سيئة غير مسبوقة على الصعيد الإنساني خصوصاً لدى الأطفال في سنواتهم الأولى. أحدث تلك النتائج بلوغ الوضع الإنساني والصحي للأطفال أعلى معدلات الخطورة بتضاعف عدد المصابين بسوء التغذية الحاد إلى 460 ألف حالة، أي بزيادة 200 في المائة عن نفس عدد الحالات قبل الحرب عام 2014.

كذلك، بلغ عدد الأطفال اليمنيين الذين يعانون من سوء التغذية الحاد المزمن (التقزم) نحو 2.2 مليون طفل يحتاجون إلى المساعدة الطارئة بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف". وهي أرقام عالية جداً وحرجة تضع اليمن ضمن أسوأ سبع دول على خريطة سوء التغذية في العالم.

في هذا السياق، تكاد تمضي ساعات من دون أن يتمكن جسد حميد (7 أشهر) من الاستجابة باستثناء بطنه المنتفخ من الإجهاد بسبب ضيق التنفس، والحركة المحدودة لعينيه اللتين يستغيث بهما بأمه التي تجلس في جواره، في أحد المراكز الصحية بمدينة الحديدة الساحلية. لا تعلم أم حميد كيف يمكنها أن تمنع عنه شبح الموت الذي يرتسم أمامها دائماً حين تجحظ عينا صغيرها إثر موجة مفاجئة من السعال. يزن حميد 3.4 كيلوغرامات فقط، وهو بذلك أقل وزناً من بعض الأطفال الحديثي الولادة، بينما تكسو التجاعيد وجهه الصغير ويلتصق جلده بعظمه الليّن.

يعاني حميد من سوء التغذية المزمن الذي يمكن أن يتسبب بوفاته إذا لم يعالَج بشكل ملائم في مرحلة مبكرة من حياته، كما يقول طبيبه، الذي يعيد الحالة الحرجة لمريضه إلى أمه المصابة بسوء التغذية بسبب الفقر المزمن وانعدام خدمات مياه الشرب النظيفة. ويضعف سوء التغذية الجهاز المناعي للطفل ليكون بذلك سريع التأثر بالأمراض المعدية. ويواجه الأطفال المصابون بالتقزم احتمال الإعاقات الذهنية بالإضافة إلى الوزن الخفيف وقصر القامة.

تعتبر محافظتا الحديدة (غرب) وصعدة (أقصى الشمال) الأكثر تأثراً بسوء التغذية المزمن للأطفال ما دون الخامسة بمعدل 31 في المائة من الأطفال، وهي ضعف نسبة الطوارئ البالغة 15 في المائة، بحسب تقرير حديث لمجموعة العمل الخاصة بسوء التغذية، والتي يعمل في إطارها عدد من المنظمات الدولية ذات الصلة.

تسجل محافظة صعدة أعلى معدلات التقزم بين الأطفال على مستوى العالم، إذ يعاني ثمانية من أصل عشرة أطفال في المحافظة من سوء التغذية المزمن بنسبة غير مسبوقة. في هذا الإطار، يصف المتحدث باسم "يونيسف" في اليمن محمد الأسعدي الوضع الغذائي في البلاد بأنّه "مخيف للغاية، بالرغم من تدخلات يونيسف ومنظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية في اليمن".

يقول الأسعدي لـ "العربي الجديد": "تزداد الأزمة الإنسانية تدهوراً مع استمرار الحرب الراهنة. سوء التغذية مشكلة مزمنة بسبب طول أمد التخلف التنموي منذ سنوات قبل الحرب الراهنة والتي زادت من سوء المشكلة، لتصل إلى مستويات مخيفة ومرعبة". يضيف الأسعدي: "كلّ المكتسبات التي تحققت في العقود الماضية في ما يخص سوء التغذية أصيبت بانتكاسة حادة، إذ أصيبت خمس محافظات بمعدلات مرتفعة من سوء التغذية المزمن، وتجاوزت ضعفي معدلات الطوارئ العالمية وهي محافظات الحديدة وصعدة وتعز وعمران ولحج".

تبدو سبل معالجة جائحة سوء التغذية صعبة التحقيق في ظل التصاعد المخيف لمستوياتها طوال العشرين شهراً الماضية، والعجز المالي الحاد الذي تعيشه الحكومة اليمنية وضعف التمويل الدولي لمنظمات الإغاثة. يشير الأسعدي إلى أنّ "من الصعب أن تستجيب منظمات الإغاثة ومنها يونيسف للأزمة من دون توفير سبل الدعم والتمويل اللازم لمعالجة هذا الحجم من الأزمة، وتوفير سبل الوصول إلى مناطق الحرب المتضررة وإيصال المساعدات اللازمة للحالات المتأثرة، وفي ظلّ عدم صرف رواتب الموظفين الصحيين وموظفي الدولة".

إلى ذلك، تطالب المنظمات الدولية والأممية بتوفير تمويلات كافية من أجل دعم ما يصل الى 4.5 ملايين شخص في اليمن خلال العام المقبل 2017، وذلك للمعالجة أو الوقاية المستدامة من هذه المشكلة بشكل مباشر عبر زيادة نشر نقاط المعالجة، وغير مباشر عبر دعم التزويد بمياه الشرب النظيفة وتشغيل أنظمة الصرف الصحي وتوزيع أدوات النظافة الشخصية. ويشكل رقم الاستهداف المذكور زيادة قدرها 148 في المائة عن نهاية العام 2014.

يمثل سوء التغذية في اليمن مشكلة مزمنة لعقود طويلة، لكنه اليوم بات خطراً داهماً يحاصر ملايين المواطنين بالمجاعة، مثلما يهدد مستقبل التنمية البشرية والاقتصادية. فهناك واحد من بين كلّ طفلين دون سن الخامسة يعاني من سوء التغذية المزمن (التقزم) فيما يعاني 16 في المائة من الأطفال من سوء التغذية الحاد (الهزال).

المساهمون