أرض الفيروز: سيناءُ الرعاةِ والأفراح والترحال

28 ابريل 2015
ينقسم سكانها بين بدو وحضر (Getty)
+ الخط -

وصف الملك "نعرمر"، مؤسس الأسرة الفرعونية الأولى وموحد البلاد، سيناء وصفاً موفّقاً، فقال إنها مصدر لمناجم النحاس والفيروز والزبرجد، وقد سُمّيت منذ زمن بعيد أرض الفيروز لهذا السبب. شهدت شبه جزيرة سيناء أحداثاً تاريخية وصراعات بامتداد تاريخها وعلى اتساع جغرافيتها، بما يشير إلى أهمية موقعها أثناء الصراعات السياسية. لذا لا تبدو حالة عدم الإعمار المتعمدة فيها، متناسبة مع قيمتها الاقتصادية ومكانتها الإستراتيجية.

سكان شبه الجزيرة حوالى 600 ألف نسمة، ينقسمون بين بدو وحضر، لكن تسيطر عليهم عموماً حياة البادية، بما فيها النزوع للولاء للقبيلة. من أشهر قبائلها في الشمال: السواركة والسماعنة والعيايدة والرياشات، وفي الوسط: التياهة والترابين والأحيوات، وفي الجنوب: العليقات والمزينة والصوالحة وأولاد سعيد وغيرهم.

شكلت الطبيعة البدوية وتقاليد القبيلة والظروف السياسية نمطاً معيشياً مميزاً لبدو سيناء، يبدأ من القانون العام الذي يحتكمون إليه مروراً بأشكال العمل التي تنحصر إجمالاً في الرعي والزراعة ووسائل المعيشة البسيطة جداً داخل الخيام، وبعض المناسبات الاجتماعية والفنون الشعبية وغيرها.

اتجه عددٌ من الباحثين المهتمين بتراث سيناء لبذل جهود متنوعة من أجل الحفاظ على التراث السيناوي وتدوينه. كان منهم الباحث السيناوي، يحيى الغول، الذي قدّم عدداً من المؤلفات المهمة في توثيق الحياة الاجتماعية بسيناء.

ففي كتابه "سيناء المقدسة"، عالج عدداً من القضايا المتخصصة مثل العادات والتقاليد، والقضاء العرفي وخصائصه، وأهم الآثار التاريخية الفرعونية والقبطية والإسلامية، إضافة إلى فصل خاص بطبيعة سيناء والأطماع الاستعمارية فيها. بينما سلّط كتابه "العريش بين الماضي والحاضر" الضوء على مدينة العريش، عاصمة شمال سيناء، حيث وصفها بدقة، وقدم عرضاً مفصلاً لمكانتها قديماً، وأهميتها الإستراتيجية، وخصائصها السكانية، وتطورها العمراني خلال التاريخ. أمّا كتابه "القضاء العرفي في شبه جزيرة سيناء"، ففيه عرض مفصّل للنموذج القضائي الفريد في سيناء، موضحاً طبيعة التقاضي، وشروط اختيار القضاة، مستشهداً بوقائع قضائية، مستخلصاً رؤيته حول تطوير النظام القضائي العرفي وإعادة صياغة بعض قواعده.

وقد ساعد على ذلك كونه قاضياً عرفياً معتمداً لدى قبائل سيناء، ومقرباً من الحكومة، إضافة إلى دراسته للقانون وتخرجه في كلية الحقوق.

قضاء قبلي عُرفي
يمثّل القضاء في سيناء أحد المظاهر الخاصة لتمايزها، فالمتخاصمون من بدو سيناء يحتكمون إلى القضاء العرفي الذي يستند إلى المسؤولية الجماعية، على حساب مسؤولية الفرد القانونية.
طبيعة البلاد هي التي فرضت ذلك الوضع؛ فاتساع المساحات وتباعدها والتنقل الدائم بحثاً عن المرعى والمطر، يُصَعِّبُ عملية "المسؤولية الفردية"، فكيف تستطيع السلطات في ظل تلك الظروف إلقاء القبض على مرتكب جريمة والتعامل معه نظامياً؟

اقرأ أيضا:خارطة الدم والثأر في سيناء: قصة القبائل والترانسفير و"الجهادية"

النظام القبلي يحمّل القبيلة بأسرها مسؤولية الخطأ الذي ارتكبه أحد أبنائها، ويطالبها بالحقّ وتيسير القصاص من الجاني. وهناك نظام قضائي متكامل بعيداً عن الحكومة المركزية وآلياتها، له قواعده المتعارف عليها وإجراءاته المتبعة، وينتمي بقدر كبير إلى الشريعة الإسلامية والقوانين العربية القادمة مع الهجرات التاريخية.

في بعض الأحيان يحيل القاضي العرفي المتخاصمين إلى "البِشعة" – بكسر الباء- حيث يقادون إليها حالة غياب الأدلة، في قضايا العرض والقتل والأرض والسرقة أو الإنكار. والناس في سيناء يستسلمون لحكم البشعة ويؤمنون بها. ويرون في "المُبشع" رجلاً من الأولياء الصالحين ذا صدقٍ ونزاهة.

يشعل "المُبشع" النار ويضع عليها محماس القهوة حتى يتغير لونه من الأسود إلى الأحمر والأخضر, ويجرّد ذراعه ثلاث مرات دون أن تؤثر النار في ذراعه ليثبت للجميع أن النار لا تحرق البريء. يطلب "المبشع" من المتهم أن يمدّ لسانه ليراه الحاضرون سليماً قبل أن يضع عليها "المحماس" الملتهب. فإذا أحرقته النار وتغير شكل لسانه، فقد ثبتت التهمة ويكون مذنباً، وإذا لم تحرقه ثبتت براءته.

العادات الاجتماعية
لا تقتصر الأفراح في سيناء على مناسبات الزواج، هناك مناسبات أخرى يطلقون عليها اسم "أفراح"، مثل الذهاب إلى الحج والقدوم منه، وختان الذكور... تتميز هذه المناسبات بالبهجة والمرح والسمر بإلقاء الشعر.. وإضافة إلى الولائم، فإن للأغاني الشعبية حضورها الكبير.

في الأعراس تتعدد أنواع الأغاني بتعدد مراحل الزواج بدءاً بالخطبة، مروراً بالليلة السابقة على يوم العرس "الحنة"، ثم يوم العرس "الدخلة" وما بعده. إذ تقام احتفالات الزواج على مدار ثلاثة أيام. ومن تلك الأغاني المشهورة التي تنشدها النساء يوم العرس:
"هاي هووووي/ يا ناس افتحوا باب الدار / خلوا المهني يهني / وأنا طلبت من ربي / ما خيب الله ظني / هاي هووووي".

اقرأ أيضا:سيناء: الكل يحتفل بتحريرها إلا أهلها

موسم الحج أيضاً من المناسبات التي يكثر فيها الغناء والإنشاد، وفيه تبدأ الاحتفالات بالحاج قبل السفر بأسبوعين، فتذبح الولائم للزوار والأقارب المهنئين، وتجتمع النسوة بعد صلاة العصر كل يوم من الأسبوع الأخير من خروج الحاج وسفره، ويقمن بـ "التحنين"، وهو غناء ينطلق بذكر الله عز وجل والصلاة على النبي الكريم، ويصاحبه تصفيق من البنات والنساء وتعقبه الزغاريد.

أمّا عن الأطعمة التقليدية؛ فإنّ مأكولات البادية تمتاز بالبساطة التي تفرضها الطبيعة، كأنواع اللحم والخبز المختلفة. لكن من بين تلك الأطعمة توجد وجبة خاصة لا يعرفها إلا أبناء سيناء، وهي التي تسمى وفقاً لأهل البادية "الشوي"، ووفقاً لأهل الحضر "اللصيمة". وهي عبارة عن وجبة البطيخ غير الناضج المشوية على الجمر. وكثيراً ما يتمّ حفل شواء البطيخ في الهواء الطلق على الكثبان الرملية أو الصحراء أو على شاطئ البحر، في الرحلات البرية.
دلالات
المساهمون