أرصفة عمّان ليست للمشاة

أرصفة عمّان ليست للمشاة

10 أكتوبر 2015
الصورة
الرصيف.. حق المشاة (Getty)
+ الخط -

يظنّ صاحب أحد مقاهي جبل عمّان، أقدم مناطق العاصمة الأردنية، أنه ساهم من خلال زراعته الرصيف المحاذي لمقهاه في تجميل الشارع العام. هو فعل ذلك من دون أن يأبه لما تسبّبت به أحواض الزراعة من إعاقة للمشاة. كذلك، لا يكتفي صاحب المقهى بأحواض الزراعة، بل يعمد قبل المساء إلى وضع الطاولات على الرصيف، فيغلقه بذلك كلياً أمام المشاة. بالنسبة إليه، "الزبائن يحبون الجلوس في الهواء الطلق".

عند الاقتراب من ذلك المقهى، يضطر المشاة إلى النزول عن الرصيف الذي أصبح امتداداً له. من هؤلاء، رولى السعيد التي كان تسير برفقة أطفالها. تقول غاضبة: "الرصيف للمشاة. لكن في الأردن، الرصيف أصبح للمقاهي والبسطات والمحلات التجارية التي تعرض بضاعتها عليه". وتصف السير في شوارع عمّان بالمغامرة، لأنها تُجبَر في كثير من الأحيان على التحرّك بين السيارات لعدم قدرتها على استخدام الرصيف.
وتؤكد تلك "المغامرة" الإحصائية الأخيرة الصادرة عن دائرة السير المركزية، التي تشير إلى أن 7.31 في المائة من مجمل الوفيات الناتجة عن حوادث السير، كان سببها عدم تمكن المشاة من استخدام الأرصفة.

الاعتداء على أرصفة العاصمة ليس حكراً على المقاهي، فالمحال التجارية أيضاً تستغل الأرصفة لعرض بضائعها، فيما يبقى الاستخدام الأغرب تحويلها إلى مواقف للسيارات. وهذه جميعها ممارسات تخالف نظام الأرصفة المعمول فيه من قبل أمانة عمّان، الجهة المسؤولة عن تقديم الخدمات في العاصمة، والذي ينص على ضمان حق المشاة ويشترط تحقيق السلامة العامة.
والنظام يضع معايير صارمة تحدد استقامة الرصيف وطوله وارتفاعه حتى يسهّل حركة المشاة، كذلك يحظر زراعة الأشجار على الأرصفة التي يقل عرضها عن المترين، فيما يسمح بأنواع محددة من الأشجار على تلك التي يزيد عرضها على المترين حتى لا تشكّل عائقاً أمام حركة المشاة. ووفقاً للنظام، تشترط موافقة فريق متخصص من أمانة عمّان على الأرصفة التي ينشئها أصحاب العقارات على طول واجهة العقار لضمان مطابقتها للمواصفات المعتمدة.

تطبيق مواصفات الأرصفة المنصوص عليها في النظام، أصبح أسهل في شوارع عمّان الغربية الأكثر حداثة، بالمقارنة مع تلك في عمّان الشرقية التي تمثل الجزء القديم من العاصمة. وينفي رئيس قسم الأرصفة في أمانة عمّان المهندس أنور مناصرة أن يكون ثمّة تمييز في تطبيق النظام ما بين مناطق عمّان الغربية والشرقية، لكنه يشير إلى اختلاف طبيعة كل واحدة منهما.

يقول لـ "العربي الجديد" إن "عمّان الشرقية أنشئت أرصفتها بالتزامن مع نشأة العاصمة وبما يتناسب ومعايير تلك الفترة والطبيعة الجبلية. وأصبح من المستحيل تعديلها بشكل جذري. أما أرصفة الغربية الحديثة، فكان تطبيق النظام فيها ممكناً". ويؤكد مناصرة على أن الجهود التي يبذلها قسمه لجعل أرصفة عمّان الشرقية أكثر مواءمة للمشاة من خلال تحسينها وصيانتها بشكل مستمر، تأتي بالتزامن مع تطبيق المعايير الحديثة على جميع الأرصفة التي تُنشأ حديثاً في جميع مناطق العاصمة.
بالنسبة إلى مناصرة، "القضاء على الاعتداءات الواقعة على الأرصفة يحتاج إلى تضافر جهود جميع المؤسسات والمواطنين، وعدم إلقاء المهمة على عاتق الأمانة لوحدها، التي تجرم بدورها الاعتداءات وتعاقب المتورطين فيها". يضيف أن "أكثر الاعتداءات على الأرصفة سلوكية وليست إنشائية"، داعياً إلى ضرورة رفع مستوى وعي المواطنين حول أهمية الأرصفة كجزء من المنظومة المرورية.

من جهته، يشير رئيس الجمعية الأردنية للوقاية من حوادث الطرقات المهندس نزار العابد إلى تعدد الجهات التي تعتدي على الأرصفة. بالإضافة إلى الاعتداءات التي ينفذها المواطنون والمتمثلة باستخدام الرصيف كمواقف للسيارات وبالزارعة العشوائية للنباتات وباستخدام الأرصفة لعرض السلع، ثمّة اعتداءات من قبل الجهات الرسمية وذلك من خلال وضع شركات الاتصالات والكهرباء صناديق الهواتف ومحوّلات للكهرباء على الأرصفة، الأمر الذي يعيق حركة المشاة. ويؤكد العابد على أن رفع الوعي حول أهمية الأرصفة كحق للمشاة يجب أن يشمل الجهات الرسمية والمواطنين، على حد سواء.

وتقوم دائرة البيع العشوائي ومديريات المناطق في أمانة عمّان بمهمة مراقب للاعتداءات على الأرصفة وإزالتها وتغريم المتسببين فيها، لكنها بحسب المتحدث باسم أمانة عمّان مازن الفراجين، "مهمة تبقينا بحالة كر وفر مع المعتدين. وعلى الرغم من الجهود، إلا أن حجم الاعتداءات المستمرة على الأرصفة يؤشر إلى غياب جهود الرقابة وإزالة الاعتداءات".
ويشدّد لـ "العربي الجديد" على "ضرورة أن تتناسب إجراءات ضبط الظاهرة مع الآثار الكارثية الناتجة عنها". بالإضافة إلى نسبة الوفيات الناتجة عن عدم قدرة المشاة استخدام الأرصفة، تشير دراسة للجمعية إلى أن 40 في المائة من الإصابات الناتجة عن الحوادث، تعود أيضاً إلى عدم قدرة المشاة على استخدام الأرصفة. وهي نسبة يصفها العابد بالكبيرة، وهي ثابتة منذ سنوات من دون تراجع.
وبهدف القضاء على الاعتداءات الواقعة على الأرصفة وتهيئتها لتكون أكثر ملاءمة للمشاة، أطلقت الأمانة نهاية العام الماضي مبادرة "الرصيف.. حق المشاة" التي تهدف بحسب مناصرة إلى "تحويل أرصفة عمّان بشكل تدريجي إلى أرصفة نموذجية بما يضمن الارتقاء بالمدينة لتكون صديقة للمشاة بعدما أصبحت طاردة لهم".

اقرأ أيضاً: الأردنيّون قليلاً ما يتذمّرون