أردوغان واستحقاقات المرحلة المقبلة

04 يوليو 2018
الصورة
على الرغم من فوز الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بولاية رئاسية ثانية، مدتها خمس سنوات؛ إلا أن أمام تحقيقه توجهاته السياسية وطموحاته الشخصية، وفق رؤية 2023 التي روّجها خلال حملته الانتخابية، مصاعب كبيرة وخطيرة؛ يحتاج للتغلب عليها إلى قدرات ضخمة وإدارة حكومية ناجحة، ومناخ إقليمي ودولي مواتٍ، فحزب الرئيس، العدالة والتنمية، خسر نسبةً معتبرةً من أصوات الناخبين؛ وهذا جعله أسير شريكه في تحالف الشعب، حزب الحركة القومية (اليميني الفاشي) الذي وفر لأردوغان وحزبه الأصوات التي قادتهما إلى الفوز، فغدا قوةً ضروريةً وحيويةً، إن لتوفير أغلبية لتشكيل حكومة جديدة، أو لتمرير تشريعات وقرارات مصيرية لازمة لتنفيذ رؤية أردوغان.
أمام أردوغان مستويان من العقبات والمصاعب. عقبات بنيوية ولدتها الصيغة التي أقام عليها الجنرال مصطفى كمال أتاتورك (أبو الأتراك) الجمهورية التركية عام 1923، وما انطوت عليه من مفارقاتٍ وتناقضاتٍ، من التعامل المصلحي مع الإسلام، دين أغلبية الشعب، بإنهاء حضوره في مختلف مجالات الحياة؛ ومختلف فئات المجتمع، والمماهاة بينه وبين القومية التركية، فالمسلم تركي وغير المسلم غير تركي، للالتفاف على التعدّد القومي داخل الدولة الوليدة، والتملص من حقوق الأقليات القومية (26 إثنية: كرد، عرب، أرمن، يونان.. إلخ)، ما تسبّب في غياب إجماع وطني حول الهوية، وأفشل الخيارات السياسية والاجتماعية عقودا متتالية، وفجّر صراعا سياسيا اجتماعيا قاد إلى انقلاباتٍ عسكرية، انقلاب كل عشر سنوات. وعقبات سياسية واجتماعية، دينية ومذهبية، ترتبت على سياسات السلطنة العثمانية المللية 
والاجتماعية، خصوصا في القرن الأخير من عمرها المديد، ما أفرز قضايا ومشكلات سياسية ومذهبية عالقة مع الأرمن والعلويين. وعقبات أفرزتها سياسة الحكومات التركية المتعاقبة، فالمشكلات التي أفرزها خيار أتاتورك السياسي (دولة عرقية) شتتت الوعي والولاء التركيين؛ وعقّدت عملية الاختيار والتعاطي مع القضايا والملفات، وتحديد المستقبل المنشود، فالنظام العلماني لم يخترق البنية الأساسية للمجتمع، ولم يستطع اجتثاث المشاعر الدينية عند أغلب الأتراك، فانشطر المجتمع إلى أقليةٍ عصريةٍ وأكثريةٍ متمسكةٍ بتقاليدها، باحثةٍ عن سبل تطورها من داخل قيمها، أخذ الصراع السياسي والاجتماعي بين الطرفين شكل صراعٍ حضاري، صراعٍ من أجل الهوية والاختيارات الأساسية، كما لم ينجح شعار "الأخوّة الإسلامية" في القفز على الانقسام القومي الذي عرفه المجتمع التركي، وجسّدته القضية الكردية بقوة عبر الصراع المسلح الذي تفجر على خلفية رفض الحكومات المتعاقبة الاعتراف بالكرد وحقوقهم القومية.
برزت أزمة الهوية باجتماع عاملين: عجز العقيدة الأتاتوركية عن تحقيق ذاتها، وبالتالي فشلها في التعاطي مع القضايا الحيوية للمجتمع، وغياب إجماع وطني عام على هويةٍ، حيث برز أن الانقسام الإثني والمذهبي الذي تعرفه تركيا أرسخ من الحلول التي طُرحت لحله، فقد فشلت محاولات الصهر التي يمكنها طبع الشعب كله بطابع قومي واحد، وبقي شعار اليمين العلماني "نحن جميعاً أتراك" بلا جذور. وقد زادت البنية المذهبية للأغلبية المسلمة (سنة - علويين) في تعقيد المعادلة الدينية والاجتماعية؛ وانعكست سلباً على الاستقرار الداخلي، قاد تحوّل الكتلة العلوية (18- 20 مليون نسمة)، منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى قوةٍ مالية؛ ما سمح لها بتنظيم نفسها، وتعريف دورها، وتعظيم نفوذها، وتحديد موقعها في الخريطة السياسية التركية، إلى انفجار صراع مذهبي بين الطرفين، أدى إلى مجابهاتٍ داميةٍ قسّمت المجتمع عمودياً، كما أدى قيام الحكم الذاتي للكرد في كردستان العراق إلى تعقيد موقف تركيا تجاه قضية كردها. كما قاد التطور الاقتصادي - الاجتماعي إلى انقسام تركيا نصفين غير متكافئين. غربي متقدّم، حيث تقارب مستويات الحياة فيه المقاييس الأوروبية، تنتشر فيه الصناعات ومراكز التجارة والإعلام الرئيسية، ويقلّ التكاثر السكاني، يضم المناطق الغربية كلها. مقابل نصف شرقي، يضم المناطق في شرق العاصمة أنقرة، حيث العلاقات الزراعية المتخلفة في ظل نظام إقطاعي عشائري طاغ، مع تزايد سكاني رهيب، وتدنٍّ في المستويين، المعيشي والتعليمي. وقد زادت الهوة النفسية بين الطرفين اتساعاً، نتيجة هجرة أعداد كبيرة من المناطق الشرقية إلى الغربية، وإقامتها في أحياء فقيرة حول المدن، واكتشافها حجم الفجوة بين الطرفين معيشياً وسلوكياً. كما أدى تفكك الاتحاد السوفياتي إلى بروز خريطة سياسية جديدة، ظهرت بموجبها آسيا الوسطى الإسلامية، ذات الجذر التركي؛ والتي تطمع بدعم تركيا، وهذا فتح المجال أمام تركيا لتتحرّك شرقاً، وتعظم دورها الإقليمي، وتعزّز موقعها الأطلسي، بعد طرحها سياسة "المشاركة من أجل السلام" مع دول القوقاز، وجمهوريات مجاورة لتركيا، لها مطالب إقليمية في أراضيها: أرمينيا تطالب بطرابزون، أرزنجان، موش، تبليس، ولها مشكلات حدودية مع أذربيجان، إحدى جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية تركية الأصل، والتي تطمع في دعم تركيا في وقف زحف أرمينيا في أراضيها (احتلت أرمينيا 20% من أراضي أذربيجان في إقليم ناغورني كاراباخ). كما كشف تشظي جمهورية يوغسلافيا محدودية الإمكانات التركية في دعم حلفائها، مسلمي البوسنة والهرسك.
وضع هذا كله تركيا أمام خيارات واحتمالات صعبة، وقد وجدت نفسها في مواجهة قضايا وملفات كبيرة وخطيرة:
أولا، القضية الكردية (الكرد قرابة 20% من السكان) التي كانت موجودة منذ أواخر العهد العثماني، واستمرّت في العهد الجمهوري، لكنها لم تكن يوماً بهذه الحدّة، فالمتغيرات والمواقف الدولية من تداعيات المجابهة التركية - الكردية، بما فيها اعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، والحكم عليه، والتعاطف الدولي مع مآسي الكرد، وإقامة شبه دولة كردية في كردستان العراق، ربطت القضية الكردية بالتوازنات الإقليمية والدولية بقوة ووضوح، ووضعت تركيا تحت ضغطٍ شديد، دفعها ضغط الاتحاد الأوروبي إلى الإقرار بالثقافة الكردية، والسماح بتداولها.
ثانيا، القضية الأرمنية التي تتضمن بُعدين: الإقرار بالمذابح بحق الأرمن، والاعتذار عنها، ويضغط الغرب لذلك، والمطالبة بإعادة تخطيط الحدود والانسحاب من مناطق واسعة في شمال شرق تركيا، لضمها إلى أرمينيا مع مناطق من أذربيجان لإقامة أرمينيا الكبرى.
ثالثا، القضية السورية التي تطالب بأراضٍ في تركيا: لواء اسكندرون، حيث ما زال يظهر على الخرائط الرسمية السورية ضمن الأراضي السورية، باعتباره أرضاً عربية، إضافة إلى حصص مياه دجلة والفرات.
رابعا، القضية الروسية التي لا تطالب بأراضٍ في تركيا، لكنها تعمل على إعادة صوغ الفضاء السياسي الإقليمي، بإقامة تحالف سلافي - أرثوذكسي، يضم إلى جانبها بلغاريا وصربيا واليونان وقبرص، وهذا يجعل روسيا حاميةً لخصوم تركيا، بما في ذلك تأييد المطالب الأرمنية والكردية.
حلّ وصول حزب العدالة والتنمية، ذي الخلفية الإسلامية، إلى السلطة عام 2002، جانبا من مأزق الهوية، بانفتاح النظام الجديد على الإسلام، لكنه سرعان ما مال إلى أسلمةٍ مقرونةٍ بنزوع سلطوي صبغ تصرفات رئيسه أردوغان، وفتحه نافذة صغيرة على العنصر الثاني، التعدّدية القومية، مستفيدا من حالة الإعياء من الحرب والدماء والدمار في المجتمعين التركي والكردي، وميلٍ إلى الحل السلمي، تبنّته منظمات المجتمع المدني الكردية، بتبنّي مقاربةٍ ديمقراطيةٍ في التعاطي مع حقوق الكرد، فمع تمسّكه بوحدة تركيا الجغرافية والسياسية، وعمله على احتواء التداعيات الإقليمية، الوضع في كردستان العراق خصوصا، على الملف الكردي في تركيا، سمح بإطلاق قناة ناطقة بالكردية تبث طوال اليوم، وبتعليم اللغة الكردية في المدارس في 
المناطق ذات الأغلبية الكردية، وعمل على تحسين أوضاع الكرد المعيشية والخدمية في منطقة جنوب شرقي البلاد، وفتح مفاوضاتٍ مباشرة معهم. لكن طريق السلام لم يستمر طويلا؛ فوجود جناح متشدّد داخل حزب العمال الكردستاني؛ له تحفظات على شروط المصالحة التي وافق عليها أوجلان، وقيامه بعمليات عسكرية استفزازية لاستدراج رد من الجيش التركي، يخلط الأوراق وينهي المفاوضات، وانفجار الثورة السورية وإقامة حزب الاتحاد الديمقراطي، جناح "العمال الكردستاني" في سورية، إدارة ذاتية في ثلاث مقاطعات (الجزيرة ورأس العين/ كوباني وعفرين) على الحدود التركية السورية، وسعيه إلى وصلها بالسيطرة على الشريط الحدودي التركي السوري، 911 كم، ورد النظام التركي بعمليتين عسكريتين في سورية، في منطقة جرابلس (درع الفرات) عام 2016، وفي منطقة عفرين (غصن الزيتون) عام 2018، وثالثة عام 2018 في العراق ضد حزب العمال الكردستاني، أعادت القضية الكردية في تركيا إلى المربع الأول.
قاد التوتر السياسي الداخلي، على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة (15/7/2016)، وضعف التأييد الذي حصل عليه أردوغان في الاستفتاء على النظام الرئاسي (16/4/2017)، حيث أيده 51.4%، وعارضه 48.6%، وخوفه من الفشل في الانتخابات الرئاسية المقبلة، إلى تحوّل ملموس في سلوك أردغان وحكومته، لجهة تعزيز النعرة القومية التركية، والتصعيد ضد التعبيرات السياسية الكردية، اعتقال نواب حزب الشعوب الديمقراطية، وإحالتهم إلى القضاء بتهم مفبركة، من أجل شد عصب الموالاة وتخويف المعارضة، وتحالف مع حزب الحركة القومية اليميني (الفاشي) في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة في 24 يونيو/ حزيران الماضي.
أردغان الآن في مواجهة قضية جوهرية: طبيعة النظام الذي يجب أن يعمل لتكريسه خلال رئاسته الثانية. هل هو الديمقراطي المبني على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية، أم هو نظام عنصري تمييزي سلطوي أتاتوركي بحلة إسلامية.
تعليق: