أرحام للإيجار... جدال أخلاقي وقانوني في الدنمارك

19 فبراير 2019
الصورة
نساء هنديات أجّرنَ أرحامهنّ قبل تشديد القوانين (Getty)

بعد تسجيل تراجع في تبنّي الأطفال، راحت عمليات الإنجاب عبر "الأرحام المستأجرة" تتزايد وتتحوّل إلى تجارة مربحة على الصعيد العالمي. البلدان الإسكندنافية ليست استثناءً، ومنها الدنمارك.

تثير ظاهرة "تأجير الأرحام" مقابل بدل، كواحد من الحلول للأزواج العاجزين عن الإنجاب، جدالاً منذ سنوات حول العالم. وارتفعت حدّة النقاش حول الموضوع أخيراً في الدول الإسكندنافية، على خلفية مقترحات للحدّ من ذلك في هذه الدول، بعد الكشف عن استغلال مالي وتراجع نساء عن تسليم الأطفال لـ"ذويهم" بحسب ما اتُّفِق عليه، إلى جانب الكشف عن "تجارة" في السياق واستغلال للنساء الفقيرات حول العالم في مقابل مبالغ ضئيلة.

والجدال الذي سُجّل في أواخر عام 2018 المنصرم في الدول الإسكندنافية، دفع عدداً من المشرّعين (يسار ويسار الوسط) إلى إعادة النظر بالقوانين التي تتيح للأزواج التوجّه نحو الهند وإلى قبرص واليونان وأوكرانيا والولايات المتحدة الأميركية، للعثور على نساء مستعدات لحمل أطفالهم. وفي السويد، وفقاً لأرقام وكالة "نورديك سورّوغاسي" المتخصصة في عمليات تأجير الأرحام، فقد سُجّلت 190 عملية عام 2018 المنصرم، فيما لم تتخطَّ المائة عام 2017 الماضي، من خلال السفر إلى دول تسمح بذلك في مقابل المال.

في نهاية العام المنصرم، كشفت صحيفة "كريستليت داوبلاد" الدنماركية التي تعارض ظاهرة تأجير الأرحام، عن تزايد تلك الظاهرة بالتزامن مع تراجع دولي في تبنّي الأطفال، ولا سيما من قبل أزواج غربيّين. وفي السياق، يوضح مدير مؤسسة "دار" التي تُعنى بشؤون تأجير الأرحام وبمصلحة الذين يلجأون إلى ذلك، ميكل لانغفاذ رودي، أنّ "تشديد قوانين التبني حول العالم أدّت إلى انخفاض عدد الأطفال الذين أحضروا إلى الدنمارك كأطفال متبّنين إلى 79 طفلاً في عام 2018، بينما تمّ تبنّي 497 طفلاً في عام 2009. في المقابل، تضاعف عدد أطفال الأرحام المستأجرة من خارج البلد".

قريباً تُعلّق صورة الطفل في أحشائها على هذا اللوح مع والدَيه الأجنبيَّين (Getty)

في يناير/ كانون الثاني المنصرم، تجدد النقاش حول هذه الظاهرة بعد اتهام امرأة دنماركية بالنصب والاحتيال على أكثر من أسرة، دفعت لها المال للحصول على طفل من المتوقع أن يولد في قبرص. يُذكر أنّ القوانين الدنماركية تمنع دفع المال لقاء استئجار الأرحام، وعلى الرغم من ذلك يعمد أزواج دنماركيون إلى التوجّه إلى دول أخرى مسموح فيها ذلك، ليعودوا برضيع ويسجّلونه في السجل المدني، باعتبار أنّ الزوج هو الأب البيولوجي ومن دون الخوض في تفاصيل كيفية حصول ذلك ومن هي المرأة التي حملت منه ووضعت طفله.

جمعت المرأة المال من أسر غير قادرة على الإنجاب، وقد أوهمتها بأنّها سوف تجري عملية التخصيب في مركز متخصص بقبرص. نجحت واحدة من عمليات التخصيب، لكنّها كذبت على الزوجَين المعنيَّين قائلة إنّ الحمل لم ينجح، ليتبيّن لاحقاً أنها وضعت توأمَين وقرّرت الاحتفاظ بهما. فوجّهت الشرطة الدنماركية اتهامات لها بـ"تأجير رحمها في مقابل المال بالإضافة إلى النصب على أكثر من زوجَين محرومين من الإنجاب". هي أنكرت، غير أنّ فحوصات الحمض النووي في الدنمارك أثبتت أنّ الزوجَين المعنيَّين هما والدا التوأمَين. على الرغم من ذلك، ما زال الصغيران مع المرأة التي أنجبتهما، وفقاً لما تنصّ قوانين الطفل في الدنمارك، في حين أنّ الوالدَين يعانيان مع القانون، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام نقاش قانوني وأخلاقي.




في حين تمنع قوانين الدول الإسكندنافية الإعلانات التجارية لعمليات تأجير الأرحام، فإنّ مواطنيها يسافرون إلى دول تسمح بإعلان "توفّر رحم في مقابل بدل". قوانين مناطق عديدة حول العالم مثل تايوان وبريطانيا وروسيا وأوكرانيا، بالإضافة إلى عدد من الولايات الأميركية، تسمح بنشر إعلانات تجارية مماثلة تجذب مواطني إسكندنافيا، علماً أنّ التكاليف ليست قليلة. يُذكر أنّه في ذروة توجّه الأوروبيين إلى الهند حتى عام 2013، قبل تشديد قوانين الأخيرة، لم يكن بدل استئجار رحم امرأة هندية يتخطّى سبعة آلاف يورو، عبر الوكالة المعلنة التي تحقّق أرباحاً من ذلك. أما اليوم، وبحسب بيانات مؤسسة "دار"، فلا تقل تكاليف استئجار زوجَين إسكندنافيَّين رحماً في الولايات المتحدة الأميركية عن مليون ونصف مليون كرونة دنماركية (نحو 230 ألف دولار أميركي)، وفي أوكرانيا تتراوح التكلفة ما بين 300 ألف و400 ألف كرونة (45 ألفاً - 60 ألف دولار). وعلى الرغم من أنّ الأرقام المعلنة في الدنمارك تفيد بنحو 150 حالة سنوياً، فقد أكّد رودي في تصريح تلفزيوني أنّ "ذلك الرقم ليس سوى رأس جبل الجليد".

وكان "مجلس الأخلاقيات الدنماركي" قد نشر في عام 2015، تقريراً تفصيلياً عن ظاهرة تأجير الأرحام التي صنّفها في خانة "الاتجار بأعضاء البشر"، مشيراً إلى استغلال نساء فقيرات أو محتاجات إلى المال. وأوضح المجلس في تقريره أنّ "الظاهرة تحوّلت إلى تجارة عالمية تفتقر إلى كثير من الضوابط القانونية والأخلاقية، ولها عواقب طبّية ونفسية واجتماعية".

وبحسب تقرير "مجلس الأخلاقيات الدنماركي"، فإنّ تأجير الأرحام كان يدرّ أرباحاً كبيرة على الهند حتى سنوات قريبة. ومن بين 25 ألف طفل أنجبتهم نساء هنديات بهذه الطريقة، نصفهم تقريباً كانوا من نصيب أزواج غربيّين وفقاً لبيانات المجلس الهندي للبحوث الطبية. ويشرح التقرير أنّ ذلك سمّي في التقارير الهندية المتخصصة "سياحة طبّية". وشدّد التقرير على أنّ استئجار الأرحام من قبل غربيّين في الدول الفقيرة، خصوصاً الهند (حينها)، يؤدّي إلى "استغلال النساء الفقيرات وغير المتعلمات، ومعظمهنّ من الأرياف. فالعملية تتمّ عبر وسطاء يحصلون على القدر الأكبر من المال، وأحياناً بالتواطؤ مع أزواج هؤلاء الهنديات. وفي بعض الأحيان، تُجرى العملية من دون موافقة الزوجة الهندية الفقيرة". وقد لفت التقرير إلى أنّ "ذلك يحصل من دون أيّ اعتبار لصحّة هؤلاء النساء". لكن مع تشديد قوانين الهند في السنوات الأخيرة، صارت نساء من دول مثل بلغاريا وجورجيا وأوكرانيا وروسيا وغيرها، يسافرنَ إلى قبرص واليونان للخوض في هذه "الصناعة" المثيرة للجدال.

هل الصغيران من أطفال الأرحام المستأجرة؟ (Getty)

بالنسبة إلى اليسار الدنماركي، فإنّ ما يجري هو "عملية استغلال بشع للنساء"، بحسب ما تقول السياسيّة من حزب "اللائحة الموحدة" الدنماركي، سارة غليرب لـ"العربي الجديد". تضيف غليرب أنّ "ما يجري من خلال دفع مليون ونصف مليون كرونة تقريباً لإتمام عملية في الولايات المتحدة الأميركية من قبل ميسورين، يعني توسيع الفجوة في المجتمع. وإذا نظرنا كذلك إلى تشريعات الهند ونيبال وتايلاند التي منعت انتشار تلك الصناعة مثلما كانت، نجد أنّ استمرارها يجري عبر استغلال فقيرات في الأرياف. حتى في الولايات المتحدة، يكون التركيز على الطبقات الفقيرة عند البحث عن نساء مستعدات لتأجير أرحامهنّ".

على خلفية تقارير عديدة تشير إلى استغلال للنساء، وإلى أعراض نفسية واجتماعية مرافقة لظاهرة تأجير الأرحام، بدأ سجال الأحزاب السياسية في الدنمارك حول هذه القضية. وفي حين يرفض حزب الشعب الدنماركي اليميني المتشدد أيّ تخفيف للقانون، يبدي الحزب الديمقراطي الاجتماعي (يسار الوسط) وحزب فينسترا الحاكم (يمين الوسط)، انفتاحاً مع بداية عام 2019، على مقترحات قدّمتها مسؤولة مجموعة حزب راديكال (يسار وسط) صوفيا نيلسن لتخفيف القوانين من منطلق "المساواة". وتهدف مقترحات تخفيف القوانين التي تحظر "إعارة الرحم"، إلى "الحدّ من ظاهرة استغلال النساء حول العالم". ومنذ صيف عام 2018 المنصرم، تسعى مجموعة من المواطنين إلى جمع 50 ألف توقيع لدفع "مقترح المواطنين"، المطالب بفرض نقاش برلماني لتخفيف القوانين والسماح لعمليات تأجير الأرحام بأن تتمّ على الأراضي الدنماركية.




في 13 يناير/ كانون الثاني المنصرم، أظهر استطلاع أعدّته القناة الدنماركية الثانية وصحيفة "بوليتيكن" الدنماركية، أنّ 59 في المائة من المواطنين يرون أنّ على المرأة التي خدعت الزوجَين وأنجبت طفلَيهما ورفضت تسليمهما، أن تجبر قانونياً على التخلي عن الطفلَين لمصلحة والدَيهما. أتى ذلك في حين عبّر 23 في المائة عن شكوكهم في ما يجب فعله. وإلى جانب الجدال حول تأجير الأرحام في خارج البلد، بيّن الاستطلاع نفسه تغيّراً في آراء الدنماركيين الذين كانوا يعارضون الظاهرة قبل سنوات، وخصوصاً بعدما خُدِع أزواج كثيرون في أثناء محاولتهم إنجاب أطفال في دول أجنبية بتلك الطريقة. من ثم، رأى 48 في المائة من المستطلعة آراؤهم أنه يجب تعديل القانون لتسهيل تلك العمليات في داخل البلد، بينما أيّد 54 في المائة منح الأطبّاء الدنماركيين ضوءاً أخضر لإجراء تلك العمليات محلياً، ليعارض نحو 29 في المائة ذلك. كذلك عبّر المستطلعون بمعظمهم عن رفضهم وجود "وكلاء" أو "شركات وسيطة خاصة" بين الأزواج والنساء الراغبات بتأجير أرحامهنّ.