أربع سنوات على محرقة آل دوابشة

31 يوليو 2019
الصورة
رحلة علاج قاسية يمضيها أحمد (جعفر اشتيه/ فرانس برس)

في 31 يوليو/تموز 2015، قضى أب وأم ورضيع من آل دوابشة حتفهم في إحراق مستوطنين منزلهم، ولم ينجُ غير طفل وحيد، عانى الكثير في رحلة علاجه المستمرة

بالرغم من مرور أربع سنوات على الجريمة التي باتت تُعرف بمحرقة القرن، والتي ذهب ضحيتها أفراد من عائلة واحدة من آل دوابشة، هم الأب سعد، والأم ريهام وطفلهما الرضيع علي حرقاً، على أيدي مستوطنين متطرفين في بلدة دوما، جنوبي نابلس في شمال الضفة الغربية المحتلة، فإنّ الطفل الناجي أحمد يتذكر أهله جيداً.

لأحمد (9 سنوات) ذاكرة جيدة، فهو يستعيد كثيراً من التفاصيل عن حياته مع والديه، وكلما مر من مكان كانوا قد ذهبوا إليه تذكّره. يوضح نصر دوابشة، عم الطفل، لـ"العربي الجديد": "وجّه أحمد كثيراً من الأسئلة عن والديه، فهو يتذكرهما جيداً، ويسأل لماذا يأتي الجميع من عداهما؟ هنا كان لا بد من مصارحته بالحقيقة، لكن بالتدريج، فهي مهمة غير سهلة، وقد ساعدت العائلة فيها مجموعة من المختصين النفسيين والاجتماعيين".

منزل عائلة دوابشة المحترق ما زال على حاله (نضال اشتيه/ الأناضول) 












قبل عشرة أيام فقط من الذكرى الرابعة للجريمة (31- 7- 2015) أتمّ الطفل أحمد، عامه التاسع، ليستعد بعد أقل من شهر من الآن لدخول الصف الرابع الأساسي. خضع أحمد لرحلة علاجية طويلة امتدت نحو عام، بدأت منذ تلك اللحظة المشؤومة، حينما كان يغفو في حضن والدته ريهام وإلى جانبه والده سعد، وبالقرب منهم على سريره الصغير كان شقيقه الرضيع علي ابن العام والنصف، حينما ألقى مستوطنون من جماعة "تدفيع الثمن" مواد مشتعلة داخل غرفة نومهم، أتت على البيت الصغير، فقضى الرضيع والوالد فوراً، وبعد 35 يوماً لحقت بهما الأم، وتركوا أحمد يصارع في قسم الحروق في أحد مستشفيات الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، بعدما التهمت النيران معظم جسده.

كان أحمد حتى فترة قريبة يخجل من ارتداء قميص بأكمام قصيرة، أو حتى سروال قصير يكشف ساقيه، لأنّ آثار الحروق ظاهرة، لكنّه تقبّل ذلك لاحقاً وبات يفهم تماماً وضعه، وتحاول عائلته مساعدته دائماً. وقد خضع لعشرات العمليات الجراحية منذ الحادثة، وزرع الأطباء جلداً صناعياً له في يديه وقدميه ورقبته، ويبدو أنّ رحلة العلاج التجميلية ستطول، فهو الآن يخضع لعمليات بالليزر لإزالة الجلد المزروع، لإتاحة المجال لنمو الجلد الطبيعي مكانه، كما يوضح عمه نصر دوابشة لـ"العربي الجديد". وقد يمتد المشوار العلاجي فترة زمنية طويلة تصل إلى نحو 15 عاماً، وعائلته تدرك جيداً أهمية الحالة النفسية في هكذا مرحلة، إذ يقول نصر: "نحن نساعده على العودة للحياة الطبيعية، لذا يتنقل بين بيوت أعمامه وأخواله بكلّ راحة، ليعيش طفولته مثل أي طفل آخر".




أحمد يهوى لعب كرة القدم، خصوصاً مركز حارس المرمى، كما يتلقى تدريبات في الفروسية والسباحة، وله طموح للمشاركة في مسابقات دولية، وهذا كله ساعده في الاندماج مع الآخرين بشكل أفضل، بعدما كان يتوجس منهم.

الجريمة التي هزت العالم لم تأخذ العدالة مجراها فيها، فقد أطلقت محاكم الاحتلال الإسرائيلي سراح جميع القتلة البالغ عددهم 17 مستوطناً، باستثناء المتهم الرئيس؛ عمرام بن أولوئيل، لكن محاولات تبرئته مستمرة، خصوصاً بعد تغيير إفادته. يوضح نصر: "ادعى عمرام أنّ اعترافاته بتنفيذ الجريمة أخذت منه تحت التعذيب والضغط النفسي، وهو ما يلقى قبولاً لدى القضاة الإسرائيليين، فهم والجيش والمستوطنون أوجه لعملة واحدة، ليس هذا فحسب، فأنا أخشى في نهاية المحكمة أن نصبح نحن المتهمين، وتُرفع علينا قضايا أنّنا اتهمنا بريئاً ويفرض علينا دفع تعويضات له". يتابع: "نحن مجبرون على الذهاب إلى القضاء الإسرائيلي، بالرغم من قناعتنا بانحيازه، ونعيش مماطلة منذ أربع سنوات، وبعد كلّ هذه المماطلة نصرّ على التوجه إلى القضاء الدولي علّه ينصفنا".

الرضيع علي كان من بين ضحايا المحرقة (أحمد غرابلي/فرانس برس) 












منزل العائلة الصغير يروي بدوره قصة إحراق أفراد العائلة وهم نيام. وبينما وعدت الحكومة الفلسطينية السابقة برئاسة رامي الحمد الله، بتحويل المنزل إلى متحف، لم يتم ذلك حتى الآن. مخططات المتحف كانت نقابة المهندسين الفلسطينيين قد أشرفت عليها، إذ يتكون من مبنى بارتفاع أحد عشر متراً، مكون من طابقين، وفي أعلاه سيُقام مجسم للكتب السماوية، فيه فتحات يمرّ من خلالها الضوء، كما يتضمن تمثيلاً لجدار الفصل العنصري يخترقه مجسم لمهد الطفل الشهيد علي "كدلالة على هشاشة الاحتلال وقوة وصلابة الطفل الفلسطيني"، بحسب نصر. وتظهر مخططات المتحف إقامة خيمة ممتدة من مبنى المتحف وصولاً إلى البيت الذي شهد المحرقة، وسترمز الخيمة إلى اللجوء الفلسطيني وحق العودة، كما سيقام صرح للشهداء الثلاثة يضمّ أضرحة رمزية لهم، بالإضافة إلى ضريح رمزي للطفل المقدسي محمد أبو خضير الذي تعرّض لجريمة مماثلة عام 2014.

ويضم مشروع المتحف قاعة لإحياء المناسبات الوطنية المختلفة، بالإضافة إلى سور طويل عليه رسومات وتصاميم، تجسد مراحل الثورة الفلسطينية والمجازر التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني. لكنّ المنزل نفسه الذي شهد الجريمة سيتم الحفاظ على هيئته الطبيعية مع مواءمته ليكون تابعاً للمتحف، حتى يبقى شكل الجريمة حاضراً في ذهن كلّ من يزور المكان.



لم تصدر الحكومة الفلسطينية آنذاك موافقتها على مباشرة العمل في المتحف نظراً لكلفته التي تبلغ نحو مليون و200 ألف دولار، وفق التقديرات، وأبلغت الحكومة عائلة دوابشة أنّ مقتنيات المحرقة ستعرض في متحف فلسطين المقام في بلدة بيرزيت وسط الضفة الغربية، وهو ما رفضته العائلة. ويكمن الحلّ في نظر نصر دوابشة، في توجه العائلة بعيداً عن الجهات الرسمية الفلسطينية، باتجاه مؤسسة "تيكا" التركية، إذ سيزور تركيا بعد أدائه رفقة شقيقته وعمه وزوجة عمه (والدي الشهيدة ريهام) فريضة الحج هذا العام.
تعليق: