أدونيس في الصين

26 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
كنا ضيوفا عرباً أربعة، القاصة الأردنية بسمة النسور، والروائية المصرية منصورة عز الدين، والباحث والمترجم عن الصينية المصري محسن فرجاني، وصاحب هذه الكلمات، على منتدى في جامعة بكين، وعلى جامعة المعلمين في زوهاي (جنوب). وفي جلستين مع نحو خمسة عشر ناقدا وشاعرا وروائيا وباحثا صينيا، في المدينتين، تعلقتا بمسألة الهوية وحوار الثقافات، كان لافتا لفضولنا واهتمامنا أن أكثر المتحدثين الصينيين جاءوا في مداخلاتهم (المرتجلة) على أدونيس، وبان أن لديهم معرفةً جيدةً باسمه وشعره، ولم يكن الأمر ليثير تبرّما منا، بالطبع، فالحديث هو عن شاعرٍ كبير ومثقفٍ عربي بارز، وله إسهامه اللافت في مجرى الحداثة الإبداعية العربية، غير أن شيئا من الامتعاض غشينا، للحق، لأن أدونيس وحدَه من بين كل أدباء العرب المحدثين هو المعروف لدى جلسائنا، وإنْ جاء أحدهم في بكين على قراءته روايةً للطاهر بن جلون (أخبرناهم أنه يكتب بالفرنسية). وفي زوهاي، بدا أن الروائية ويي ويي (Wei Wei) استشعرت حرجا من فرط الكلام عن أدونيس، فقالت إنها لسببٍ مثل هذا ستتكلم عن إدوارد سعيد، فقالت عنه معلوماتٍ موجزة. وكان ملحوظا لنا، نحن المستضافين العرب الأربعة، أن لدى محدّثينا الصينيين حماسة ظاهرة لأدونيس، فقد سمعنا من بعضهم أسفا لأنه لم ينل جائزة نوبل للآداب، بل إن الكاتبة زوهي وين ينغ (Zhu Wen Ying) رأت أن ذلك بسبب عدائه للولايات المتحدة (!!). الأمر الذي اضطر صاحب هذه الكلمات إلى التنبيه إلى عدم دقة هذا الافتراض، كما أن شيئا من الغيظ بدا على الزميلة بسمة النسور من كل هذا الحضور لأدونيس، فقالت عنه أمام الحضور بشأن موقفه عدم الانتصار للشعب السوري ضد الاستبداد كلاما من المرجّح أنه لم يعجب مضيفينا، غير أن كاتب هذه الكلمات وجد من الضروري التنبيه، مرة أخرى، إلى أهمية أدونيس شاعرا عربيا بارزا.
ليس أدونيس وحده من بين الأدباء العرب من تُرجمت له نصوص إلى الصينية، فقد نقلت إلى هذه اللغة مختاراتٌ من محمود درويش وعباس بيضون وبدر السياب وغيرهم، كما أن روايات وقصصا قصيرة نقلت من العربية إلى الصينية، غير أن ما ظفر به صاحبُنا اختلف عما حازه غيرُه، وهو أن معظم الترجمات تتم بمبادراتٍ من أقسام الآداب الأجنبية في الجامعات الصينية، وغالبا ما تبقى في محيطٍ دراسي وأكاديمي محدود، بين مختصين باللغة العربية وآدابها وطلبة يدرسونها. ولكن الشاعر الصيني، يانغ كي (Yang Ke)، يخبرنا إن مجموعة شعرية له بيع منها في بلده في ثلاث طبعات عشرة آلاف نسخة، فيما بيعت مائة ألف نسخة من مختارات أدونيس بالصينية "عزلة في حديقة" (صدرت في 2009 وتتابعت لها عشر طبعات). ولقائل أن يقول إن شعر أدونيس منشغلٌ غالبا بمضامين وجودية، وفردانية ذات شحنات فكرية، وتأملية، ويكاد يخلو من اكتراثٍ بموضوعات سياسية أو وطنية أو عامة. والتأمل والتجريد وما هو قريب من الذهني والفلسفي، العميق بداهة، كله قريب من مزاج الإنسان الصيني. ولكن هذا كلامٌ لا يضيء المسألة تماما، فزيارات أدونيس إلى الصين (الأولى في الثمانينيات)، سيما في العامين الأخيرين، ولقاءاته فيها بشعراء ومثقفين صينيين بارزين، وأمسياته في غير مدينة في الصين (يحضرها سفراء سورية بالمناسبة)، ومحاضراتُه في أوساط جامعية وثقافية، وأحاديثه إلى وكالة الأنباء الرسمية (شينخوا)، والترجمات الرفيعة التي أنجزت للمختارات من شعره، سيما التي أعدها الأستاذ في كلية اللغة العربية في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين، البروفيسور شيويه تشنيغ كو (ترجم مع زميلة له مختارات لمحمود درويش)، كل هذه العوامل ساعدت على ترويج أدونيس في الصين، وهو الذي نال فيها قبل أعوام جائزة صينية رفيعة تسلمها في جو احتفالي خاص.
قبل أيام فقط، صدرت بالصينية مجموعة أدونيس الجديدة "أوسمانتوس" (مسمّى زهرة صينية)، قصائدها مستوحاةٌ من مشاهدات صاحبها وانطباعاته في أثناء جولة له في بعض مدن الصين، قبل عامين، تتضمن خمسين قصيدة، وتصدر بالصينية قبل العربية. سمعنا من بعض محدثينا في بكين غبطتهم بهذه القصائد ..
يستحق شعر أدونيس كل احتفاء، في الصين وغيرها، أما ما ليس شعرا لديه فقصة أخرى.