أدوات قديمة لمشروع وطني فلسطيني جديد!

12 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
تتكرّر الدعوات فلسطينياً من قوى سياسية وشخصيات لتجاوز الواقع الفلسطيني البائس، والخروج من المأزق الذي تعاني منه القضية الفلسطينية انطلاقاً من إنهاء الانقسام. وتنطلق هذه الدعوات من اعتبار أن القوى التي توجه إليها قادرة على تجاوز الأوضاع الحالية، وإحداث انعطاف تاريخي، وإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وإيجاد الوسائل الملائمة لاستمرار الصراع مع إسرائيل، وإعطاء هذا الصراع أبعاده وقيمه الحقيقية بين جلاد وضحية، وبين محتل ومحتل. 
بالتأكيد، ينطلق كثيرون من مطلقي هذه الدعوات من أمنياتٍ ومصالح وطنية فلسطينية، محاولين المساهمة في إخراج الواقع الفلسطيني من أمراضه ومآزقه التي باتت مستعصية، كما تنطلق الدعوات من النيات الطيبة لمطلقيها. ولكن كما تقول الحكمة الشهيرة "طريق جهنم معبد بالنيات الحسنة"، وهذه النيات، على سذاجتها، لم ولن تؤثر على واقع الحال الفلسطيني القائم، لأن الدعوات نفسها تكرّرها القوى التي انغمست، وما زالت منغمسةً، في الانقسام ومسؤولة عنه. ومن الواضح اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً على الانقسام، أنه رتب لكثيرين على طرفيه مصالح، ومصالح كبرى، وبات أصحابها متضرّرين من انتهاء الانقسام في حال تم حل الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية على هذا الصعيد.
تعيش القوى السياسية الفلسطينية اليوم على تاريخها الماضي، فكما شكلت اتفاقات أوسلو انعطافاً حادّاً في المشروع الوطني الفلسطيني، حيث منح الاتفاق فتات سلطة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة فتح على جزءٍ من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حلا انتقاليا يؤسس لحل دائم يأتي في ما بعد، لم يأتِ ولن يأتي في ظل الوقائع الحالية. كما أن حركة حماس المعارضة للاتفاق لم ترَ نفسها خارج أطر السلطة المنبثقة عن "أوسلو" لوقت طويل، وسرعان ما شاركت في الانتخابات الثانية للمجلس التشريعي الفلسطيني، لتجد نفسها ليس شريكاً في هذه السلطة عبر التمثيل في المجلس التشريعي فحسب، بل ولتحصل على الأغلبية في المجلس أيضاً، ما أعطاها الحق في تشكيل الحكومة الفلسطينية بعد انتخابات العام 2006. بذلك لم تصبح شريكاً في السلطة التشريعية فحسب، بل وجدت نفسها شريكاً في السلطة التنفيذية أيضاً، أو بتعبير أدق وجدت نفسها جزءاً من سلطة الحكم الذاتي الإداري التي طالما عارضتها.
نقل الوضع الجديد الذي أفرزته انتخابات العام 2006 الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني من
 صراعٍ بين سلطة النظام الذي أفرزته والمعارضة التي تصدّرتها "حماس" إلى صراع داخل السلطة نفسها، وبحكم أن نتائج الانتخابات التي جرت فرضت الحركة الإسلامية شريكاً في السلطة، وليس معارضة فقط. دفع الواقع الجديد باتجاه ارتفاع وتيرة الصراع الداخلي الفلسطيني ـ الفلسطيني على حساب الصراع مع الاحتلال. وقد استمر تصعيد الطرفين الصراع، وصولاً إلى الحسم العسكري في قطاع غزة الذي كرس الانقسام الفلسطيني في سلطتين صيف العام 2007، واحدة في القطاع وأخرى في الضفة الغربية. لم يستطع طرفا الصراع الوصول إلى مصالحة جديّة طوال السنوات الماضية، على الرغم من جولات الحوارات والاتفاقات مرات بينهما، إلا أن الواقع الفلسطيني بقي على حاله من السوء، وأخذ يزداد سوءاً في ظل تحدّيات متزايدة من يمين إسرائيلي يسعى حثيثاً إلى قضم الأراضي الفلسطينية. حتى أن خطوة الإدارة الأميركية، ممثلة بدونالد ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل والاعتراف بضم الجولان، لم تحفّز الطرفين على كسر واقع الانقسام أمام المخاطر المحدقة من "صفقة القرن" التي تتهيأ الإدارة الأميركية لطرحها، ويرفضها الجميع، ويعتبرونها خطراً داهماً على القضية الفلسطينية.
التصدّي الواهي مما تسمى فصائل العمل الوطني للمخاطر التي تتعرّض لها القضية الفلسطينية 
يشير، بوضوح، إلى أن هذه الفصائل، لم تفقد حسّها الوطني للوحدة في لحظات الخطر الحقيقي فحسب، بل فقدت دورها الوطني والتاريخي في الصراع مع المحتل أيضاً. ليس هذا الكلام من موقع التحامل على هذه القوى، بقدر ما هو قراءة لواقع حالها في العقدين الأخيرين، فهي لم تكن على قدر المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها. وبذلك يمكن القول إن هذه القوى فقدت القدرة على أن تكون المعبر عن المشروع الوطني الفلسطيني، وكل الدعوات التي تدعو الأطراف إلى مراجعة مواقفها، وإعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير، وإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، كلها زبد لن تصدر عنها أي نتائج، لأن القوى السياسية المتحكمة اليوم في الساحة الفلسطينية، لم تعد قادرةً على بناء هذا المشروع الوطني، فهذا المشروع لن يُعاد بناؤه بالقوى السياسية القديمة التي فقدت دورها، وكثير منها فقد مبرّر وجوده التاريخي، وإذا انقطعت عنه أموال "الكوتا" اليوم لن يبقى له أثر في الغد. المسألة ببساطة أن حياة القوى السياسية مثل حياة البشر، تبدأ طفوليةً وتنضج وتشيخ وتموت. وبالتأكيد، تطيل الأموال من عمر القوى السياسية، لكنها لا تعطي لهذه القوى دوراً تاريخياً جديداً. وواضح أن القوى الفلسطينية القائمة غير قادرة على إدارة النضال الوطني الفلسطيني اليوم، وذلك ما يستدعي استنفار قوى المجتمع الفلسطيني لإنتاج القوى السياسية القادرة على إعادة الروح إلى المشروع الوطني الفلسطيني، في مواجهة الاحتلال الذي لا يزال قابعا على صدر الشعب الفلسطيني، والذي ما زالت معادلة صراعه هي ذاتها صراع الضحية في مواجهة الجلاد، صراع المحتل في مواجهة الاحتلال، للحصول على حقوقه الطبيعية في وطنه. وعلى الرغم من وضوح معادلة الحقوق الوطنية الفلسطينية، إلا أن القوى التي تدير العمل الفلسطيني غير قادرة على القيام بمهامها التاريخية في توحيد الشارع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وخوض المعركة بتوظيف مواقع القوة عند الشعب الفلسطيني في مواجهة هذا الاحتلال، وتظهير الحقوق الوطنية الفلسطينية على أمثل وجه.
باتت القوى الفلسطينية القائمة تنتمي إلى الماضي، وهي عبء على الحاضر والمستقبل الفلسطينيين، وبات من الضروري رحيلها، وأصبح على الفلسطينيين إنتاج قواهم السياسية القادرة على حمل قضيتهم في صراعهم المرير مع المحتل.