أدوات المواجهة الأميركية الإيرانية

24 ابريل 2019
الصورة
من تظاهرة في طهران ضد سياسات الولايات المتحدة (Getty)
دشّنت الإدارة الأميركية، أول من أمس الاثنين، فصلاً جديداً من التصعيد "غير المسبوق" تجاه إيران بإعلانها وقف الإعفاءات الممنوحة للعقوبات على قطاع الطاقة الإيراني، وخصوصاً الصادرات النفطية، اعتباراً من الثاني من أيار/ مايو المقبل، في محاولة لتصفير هذه الصادرات التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني. في أول ردود أفعالها، حرصت إيران، خصوصاً عبر وزارتي النفط والخارجية، على التأكيد أن الولايات المتحدة ستفشل في الوصول إلى هدفها المنشود. وفيما وصف وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أمس الثلاثاء، من نيويورك، الإجراءات بأنها "إرهاب اقتصادي"، اعتبر وزير الدفاع الإيراني، أمير حاتمي، من موسكو، أن "أهم ما يواجهه العالم اليوم هو الترامبية التي تشبه النازية"، مضيفاً أن الرئيس الأميركي دونالد "ترامب يعرض الأمن العالمي لمخاطر جادة".



ولم يسبق أن تعرضت إيران في تاريخها لحظر كامل لتصدير نفطها، على أساس أن يتم تصفيره. وفي حالتين فقط، تعرض قطاع الطاقة الإيراني للعقوبات في خمسينيات القرن الماضي من قبل بريطانيا بعد تأميم صناعة النفط الإيرانية في ظل حكومة محمد مصدق، وكذلك في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، قبل التوقيع على الاتفاق النووي في عام 2015. لكن لم تصل تلك العقوبات إلى حظر شامل وكامل للنفط الإيراني إلا في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفقاً لاستراتيجية "الضغوط القصوى" التي كشف عنها بعد الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو/ أيار 2018، وأزاح منذ ذلك الحين إلى اليوم الستار عن فصول عدة لها على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، كان آخرها استباق التصعيد الاقتصادي، بإدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة التنظيمات الإرهابية قبل أسبوعين.

وبذلك تكون واشنطن قد نفذت تهديداتها خلال الفترة الأخيرة بتصعيد ضغوطها على طهران على أعتاب الذكرى الأولى لانسحابها من الاتفاق النووي، مع تهديدات جديدة أطلقتها لفرض مزيد من العقوبات خلال المرحلة المقبلة، لتتساءل طهران "وهل بقي شيء لم يطاوله الحظر الأميركي؟" حتى تهدد الإدارة الأميركية بالمزيد.

وإزاء هذه التطورات ثمة تساؤلات ملحة عن خيارات إيران في مواجهة التصعيد الأميركي  الذي يستهدف إكمال حلقات ما يشبه بحصار اقتصادي مطبق، على أمل أن يجبر طهران على الاستجابة للشروط الأميركية الـ 12 التي طرحها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في مايو/ أيار 2018، وجدّدها أول من أمس الإثنين، منها ما يتعلق ببرنامجها النووي والصاروخي ومنها ما يرتبط بدعمها لفصائل مسلحة في المنطقة ووجودها في سورية، وهي شروط رفضتها السلطات الإيرانية سابقاً، واصفة إياها بـ"التعجيزية والاستسلامية لا يمكن القبول بها".

وفي البحث عن الخيارات المتاحة لدى طهران، يتضح أنه لا يمكنها أن ترد بالمثل على الحرب الاقتصادية التي تشنها عليها واشنطن من خلال العقوبات "القاسية"، لأن حجم اقتصادها مقارنة بالاقتصاد الأميركي لا يكاد يذكر، الأمر الذي يجعلها في موضع المتأثر وليس المؤثر من هذه الناحية. على ضوء ذلك، وكذلك تهديدات إيرانية قديمة حديثة، يتحدث المحللون ووسائل الإعلام الإيرانية عن خيارات متوفرة لدى إيران، لكن حقيقة أن هذه الأدوات متوفرة لا تعني أنها صالحة للاستخدام في الوقت نفسه.

ومن أهم تلك الخيارات التي هددت إيران، خلال الفترة الماضية، بأنها ستلجأ إليها في حال أوقفت الإدارة الأميركية صادراتها النفطية ما يتعلق بإغلاق مضيق هرمز الذي يمثل الشريان الأساسي لصادرات النفط العالمية، إذ تمرّ من خلاله 40 في المائة من إمدادات النفط.

وصدر التهديد بإغلاق "هرمز" من كبار المسؤولين الإيرانيين خلال الأشهر الأخيرة، وفي مقدمتهم المرشد علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني، فضلاً عن أبرز قادة الحرس الثوري الإيراني. وآخر تهديد، أطلقته إيران في هذا الخصوص، جاء على لسان قائد القوات البحرية للحرس، العميد علي رضا تنغسيري، الذي تتولى قواته مسؤولية الإشراف العسكري والأمني على المضيق.

وقال تنغسيري، أول من أمس الإثنين، قبيل إعلان واشنطن قرارها بوقف الإعفاءات للعقوبات على النفط الإيراني، في مقابلة تلفزيونية إنه "اذا ما تم تقييد استخدام إيران لمضيق هرمز، عبر منع تصدير نفطها، فلن نبقى صامتين".

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بعد القرار الأميركي، ما إذا كانت ستلجأ طهران إلى تنفيذ هذا التهديد، وما إذا كانت تمتلك فعلاً القدرة على ذلك أم لا، نظراً لتداعياته المرتقبة.

يتضح من خلال ردود فعل إيران، بما في ذلك وزارة النفط الإيرانية، التركيز على فكرة أن "واشنطن لن تستطيع أن تصفر صادراتنا النفطية". ويقول رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه، أيضاً إن "بيع إيران نفطها لن يصل إلى أقل من مليون برميل في اليوم".

وتؤكد هذه التصريحات الإيرانية أن الشرط الذي أعلنته طهران سابقاً لإغلاق مضيق هرمز لم يستوف بعد، ما دامت تتمكن، بطرقها، من تصدير نفطها رغم الحظر الأميركي الشامل.

أما في ما يتعلق بقدرة إيران على إغلاق المضيق، فتقول السلطات العسكرية والسياسية الإيرانية إن ذلك "تحصيل حاصل لها حال قررت ذلك"، مستشهدة بما حصل في المضيق إبان الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، حينما اشتعلت حرب الناقلات في المياه الخليجية. وقتها، عمدت إيران إلى عرقلة عملية الإبحار في "هرمز" من خلال أجزاء منه وجعله غير آمن، لكنها لم تغلقه.

وعلى الرغم من امتلاك إيران القدرة على إغلاق مضيق هرمز عسكرياً، وفقاً للتصريحات السياسية والعسكرية الصادرة عنها، لكن يستبعد جداً أن تقدم على هذه الخطوة إلا في حال تعرضها لهجوم عسكري، لأن الإغلاق بمثابة قرار حرب بامتياز، وتترتب عليه تداعيات كارثية.

لكن ولأن السفن وناقلات النفط تعبر من المياه الإيرانية في مضيق هرمز، والتي هي الأكثر عمقاً من مياه الجانب العماني، فمن المحتمل أن تتخذ طهران إجراءات متشددة خلال المرحلة المقبلة عند عبور الآليات البحرية التابعة للدول التي تصفها بـ"الأعداء". كما أنه حال نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل تهديداتهما بضرب ناقلات نفط إيرانية، على غرار ما لوّحتا بها خلال الشهرين الماضيين، لمنع ما وصفتاه بـ"تهريب النفط الإيراني" فمن الوارد أيضاً أن تسعى طهران لخطوات استنزافية لعرقلة حركة الملاحة، بطريقة لا تؤدي إلى مواجهة عسكرية شاملة.

أما الخيار الآخر أمام إيران فهو الانسحاب من الاتفاق النووي، والذي لوّحت به خلال الشهور الماضية، خصوصاً في وجه الأوروبيين الذين اتهمتهم طهران بالتقاعس في تنفيذ تعهداتهم بموجب الاتفاق، وهم اليوم قد التزموا الصمت تجاه التصعيد الأميركي، لدرجة يتحدث مسؤولون ومحللون إيرانيون عن تواطؤ أوروبي مع الإدارة الأميركية.

مع ذلك، تستبعد التحليلات الإيرانية أن تلجأ طهران إلى هذا الخيار أيضاً، لأن من شأن ذلك أن يحقق للرئيس الأميركي دونالد ترامب ما ينشده، أي إجماع عالمي ضدها. وفي السياق، تقول أوساط إعلامية إيرانية وغربية إن أحد أهداف الإدارة الأميركية من وراء وقف الإعفاءات للعقوبات على النفط الإيراني هو "توريط إيران من خلال دفعها إلى الانسحاب من الاتفاق النووي"، لذلك هذا الاحتمال أيضاً ليس وارداً في الوقت الحاضر في حسابات طهران.

أما المرجح في هذا السياق، بحسب وكالات أنباء إيرانية، أن تقلل إيران من مستوى تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وترك العمل وفق مبدأ حسن النوايا من دون وقوع انتهاك للاتفاق النووي. وفي السياق، يذكر أن طهران قد اتخذت على أساس هذا المبدأ إجراءات طواعية لبناء الثقة، وردت في الاتفاق، لكنها ليست من ضمن التزاماتها.

أما الخيار الأكثر احتمالاً فيتمثل في أن تصعّد إيران، في ساحات المواجهة في المنطقة مثل اليمن والعراق، تجاه الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصاً ضد كل من السعودية والإمارات، اللتين أعلن ترامب أنهما ستعوضان النقص الناجم عن وقف الصادرات النفطية لإيران.

وأخيراً، على ضوء خطورة اللجوء إلى "الخيارات الكبرى" مثل إغلاق مضيق هرمز أو الانسحاب من الاتفاق النووي، وانعدام فرص العودة للمفاوضات مع واشنطن، يبدو أكثر ما هو متاح أمام طهران حالياً هو "الصمود" والبحث عن آليات للالتفاف على العقوبات الأميركية من خلال تعزيز العلاقات من الجيران والعمل مع الصين والهند وروسيا، وحتى أوروبا. وذلك وفق استراتيجية "الصبر" التي تمارسها إيران، وهي تقوم على مبدأ "لا التفاوض ولا الحرب"، للتأقلم مع الواقع الناتج عن الضغوط الأميركية، والحؤول دون تحقيق أهدافها، وتتجاوز بذلك هذه المرحلة بانتظار ما ستؤول إليه الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2020، ما لم تطرأ تحولات جديدة تعيد خلط الأوراق.

دلالات

تعليق: