أخلاق الاستبداد الجمعي

08 نوفمبر 2019
الصورة

الكواكبي: فساد الأخلاق يعمُّ المستبدَّ وأعوانه وعمّاله

+ الخط -
يبلغ الوعي مداه لدى عبد الرحمن الكواكبي (1825 – 1902) حينما يتحدّث عن الآثار الاجتماعية والجمعية للحالة الاستبدادية، فالاستبداد لا يُفسد فحسب خُلق الأفراد؛ ولكن ذلك يمثل حالة جمعية تؤثر على أخلاق الجماعة والاجتماع، فتؤثر سلبا على شبكة العلاقات الاجتماعية وفاعليتها في بناء الاجتماع الراشد والسويّ؛ ذلك أن "أقوى ضابط للأخلاق النهي عن المنكر؛ أي بحرص الأفراد على حراسة نظام الاجتماع، وهذه الوظيفة غير مقدور عليها في عهد الاستبداد لغير ذوي المنعة. وقليل ما هم، وقليلًا ما يفعلون، وقليلًا ما يفيد نهيهم؛ لأنه لا يمكنهم توجيهه لغير المستضعفين الذين لا يملكون ضررًا ولا نفعًا، بل ولا يملكون من أنفسهم شيئًا، ولأنَّه ينحصر موضوع نهيهم فيما لا تخفى قباحته على أحدٍ من الرّذائل النفسية الشخصية فقط"..َ والحال الجمعية والاجتماعية وملاحظة قوانينها الكلية وسننها المرعية في فساد الأمم وإصلاحها يؤكد "أنَّ فساد الأخلاق يُخرج الأمم عن أن تكون قابلة للخطاب، وأنَّ معاناة إصلاح الأخلاق من أصعب الأمور وأحوجها إلى الحكمة البالغة والعزم القوي، وذكروا أنَّ فساد الأخلاق يعمُّ المستبدَّ وأعوانه وعمّاله، ثمَّ يدخل بالعدوى إلى كلّ البيوت، سيما بيوت الطبقات العليا التي تتمثَّل بها السفلى، وهكذا يغشو الفساد، وتُمسي الأمة يبكيها المحبُّ ويشمت بها العدو، وتبيت وداؤها عياء يتعاصى على الدواء". 
يعود الكواكبي، المرة تلو المرة، لمصطلحه الأثير، "أسير الاستبداد العريق لينتقل بعد ذلك
لوصف مجتمع أسرى الاستبداد؛ أسير الاستبداد" الذي يرث شرَّ الخصال، ويتربّى على أشرِّها، ولا بدَّ أن يصحبه بعضها مدى العمر.. ويكفيه مفسدةً لكلِّ الخصال الطبيعية والشرعية والاعتيادية تلبسه بالرّياء اضطرارًا، حتى ليألفه ويصير مَلَكةً فيه، فيفقد بسبب ثقته نفسه بنفسه، لأنَّه لا يجد خُلُقًا مستقرًّا فيه.. ويبقى، طول عمره، جاهلًا مورد هذا الخلل، فيتَّهم الخالق، والخالقُ- جلَّ شأنه- لم يُنقصه شيئًا. ويتَّهم تارةً دينه، وتارةً تربيته، وتارةً زمانه، وتارةً قومه، والحقيقة بعيدة عن كلِّ ذلك، وما الحقيقة غير أنّه خُلق حرًّا فأُسر .. فمن طبيعة الاستبداد ألفة الناس بعض الأخلاق الرديئة، وأنَّ منها ما يُضعف الثّقة بالنفس؛ فينتج من ذلك أنَّ الأُسراء محرومون - طبعًا- من ثمرة الاشتراك في أعمال الحياة، يعيشون مساكين بائسين متواكلين متخاذلين متقاعسين متفاشلين".. إنه مجتمع البؤس والتواكل، مجتمع التقاعس والتخاذل، لا يعرف فضلا أنه لا يقدر؛ على عمل كل ما يتعلق بفاعلية حالة الجامعية والتشاركية في الكيان الاجتماعي.
ينبّه الكواكبي إلى تأثير طول الأمد على الحالة الجمعية "فيصير مجموعها تحت تأثير الإلفة المديدة، بحيث كلُّ خصلة منها ترسخ أو تتزلزل، حسبما يصادفها من استمرار الإلفة أو انقطاعها، فالقاتل، مثلًا، لا يستنكر شنيعته في المرّة الثانية، كما استقبحها في نفسه في الأولى .. كما هي حالة الجبّارين وغالب السياسيين الذين لا ترتجُّ في أفئدتهم عاطفة رحمة عند قتلهم، أفرادًا أو أممًا، لغاياتهم السياسية، إهراقًا بالسيف أو إزهاقًا بالقلم، ولا فرق بين القتل بقطع الأوداج وبين الإماتة بإيراث الشقاء غير التسريع والإبطاء.. قاتل الله الاستبداد وشؤمه، جعل الكتّاب يحصرون أقوالهم في الدعوة إلى الاشتراك...، ومنعهم من التعرُّض لذكر أسباب التفرّق والانحلال كليًّا، أو اضطرهم إلى الاقتصار على بيان الأسباب الأخيرة فقط".
التماس بعض أسباب والتوقف عندها يعد تقصيرا وقصورا وتنقيصا واختزالا؛ وهي عيوبٌ خطيرة في التحليل والتفسير "يقول البعض الشرق مريض، وسببه فقد التمسّك بالدين، ثمَّ يقف، مع أنَّه لو تتبَّع الأسباب لبلغ إلى الحكم بأنَّ التهاون في الدين أولًا وآخرًا ناشئٌ من الاستبداد. وآخر يقول: إنَّ السبب فساد الأخلاق، وغيره يرى أنّه فقد التربية، وسواء ظنَّ أنَّه الكسل، والحقيقة أنَّ المرجع الأول في الكلّ هو الاستبداد، الذي يمنع حتى أولئك الباحثين عن التصريح باسمه المهيب".."والأمر الغريب، أنَّ كلَّ الأمم المنحطّة من جميع الأديان تحصر بلية انحطاطها السياسي في تهاونها بأمور دينها، ولا ترجو تحسين حالتها الاجتماعية إلا بالتمسُّك بعروة الدين تمسّكًا مكينًا، ويريدون بالدين العبادة، ولنِعم الاعتقاد لو كان يفيد شيئًا، لكنه لا يفيد أبدًا؛ لأنه قولٌ لا يمكن أن يكون وراءه فعل، وذلك أنَّ الدين بذرٌ جيد لا شبهة فيه، فإذا صدقت مغرسًا طيبًا نبت ونما، وإن صادف أرضًا قاحلة مات وفات". حتى صارت لا تعرف للدين معنى غير العبادة والنسك اللذين زيادتهما عن حدِّهما المشروع أضرُّ على الأمة من نقصهما كما هو مشاهد في المتنسكين".
الظاهرة الاستبدادية وتحليلها موضع اهتمام الكواكبي الذي لا يقف عند سطوحها أو يختزل أسبابها وعواملها، ذلك أن ارتباط الأخلاق بالدين أمرٌ مقرّرٌ، ولكن فهم الدين وإدراك مراميه وتأثيره على 
منظومة النظر والممارسة من الأمور بالغة الأهمية، وإن ربط ذلك بعملية تجديد مستمرة، تحفظ الأمر وتحصّن الفهم من انزلاق إلى مأزق الاختزال أو موارد الغفلة والإغفال.. النظر العميق والدقيق وإعمال حقائق التفسير لا أوهام التبرير تتطلب نظرا تجديديا أمينا ورصينا ممن".. يجددون النّظر في الدّين، نظر من لا يحفل بغير الحقِّ الصريح، نظر من لا يضيع النتائج بتشويش المقدمات، نظر من يقصد إظهار الحقيقة لا إظهار الفصاحة، نظر من يريد وجه ربِّه لا استمالة الناس إليه، وبذلك يعيدون النواقص المعطَّلة في الدين، ويهذِّبونه من الزوائد الباطلة مما يطرأ عادةً على كلِّ دينٍ يتقادم عهده، فيحتاج إلى مجدّدين يرجعون به إلى أصله المبين البريء من حيث تمليك الإرادة ورفع البلادة من كل ما يشين، المخفِّف شقاء الاستبداد والاستعباد، المبصِّر بطرائق التعليم والتعلّم الصحيحين، المهيّئ قيام التربية الحسنة واستقرار الأخلاق المنتظمة مما به يصير الإنسان إنسانًا، وبه لا بالكفر يعيش الناس إخوانًا".
إدارة المجتمعات ليست بالأمر الهين، خصوصا حينما يتعلق الأمر بمفاسد المجتمعات ومنكراتها؛ وقد أشار الكواكبي إلى ذلك فيما أسماها الإدارة الحرة، ذلك أن تهيئة المجتمعات لهذه الإدارة الحرة هي مما تربي المجتمعات وتنشئها، فتصوغ الشخصية الجمعية بما يتلاءم مع مناخ الحرية الذي يتعقب أيّ مظهر من مظاهر الاستبداد المقيت للمفسد للفرد والجماعة على حد سواء.. "أمّا النهي عن المنكرات في الإدارة الحرة، فيمكن لكلِّ غيورٍ على نظام قومه أن يقوم به بأمانٍ وإخلاص، وأن يوجِّه سهام قوارصه على الضعفاء والأقوياء سواء، فلا يخصُّ بها الفقير المجروح الفؤاد، بل تستهدف أيضًا ذوي الشّوكة والعناد. وأنْ يخوض في كلِّ وادٍ حتى في مواضيع تخفيف الظُّلم ومؤاخذة الحُكّام".. ومن ثم، لا بد أن يلحظ الباحث في الأمم الحرة حال التهيئة العامة لكل ما يعين على سلوك سبيل الإدارة الحرة؛ إن تنشئة مجتمعات الأحرار لا بد أن تكون في مناخ حر يستهدف اتساع سبل التمكين في التعبير الحر وممارسة حرية التعبير على أوسع نطاق، لأن في ذلك تمكينا للمجتمع الحر بكل عناصره وامتداداته.. "لمّا كان ضبطُ أخلاق الطبقات العليا من النّاس أهم الأمور، أطلقت الأمم الحرّة حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات مستثنيةً القذف فقط، ورأت أن تحمل مضرَّة الفوضى في ذلك خير التحديد؛ لأنَّه لا مانع للحكّام أنْ يجعلوا الشّعرة من التقييد سلسلة من حديد، ويخنقوا بها عدوّتهم الطبيعية، أي الحريّة".