أخلاق "أسرى الاستبداد"

25 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
من المهم أن ننظر إلى أهمية اللغة التحليلية والتفسيرية للنص الحر الصانع للحرية والأحرار الذي كتبه عبد الرحمن الكواكبي "طبائع الاستبداد"، وكأنه يتحدّث عن واقع الاستبداد في كل مكان وزمان. إنه ينظر إلى الاستبداد باعتباره حالة شبكية، وعمليةً تخريبية، تتجلى في أشكال عدة، وتحتل مساحاتٍ كبرى، بفعل الاستبداد والمستبدين والأعوان؛ ومن أهم تلك الساحات والمساحات القيم والأخلاق، فالاستبداد يضاد القيم وتأثيراتها الإيجابية، ويحاصر الخلق القويم والتصرّف السليم؛ "الاستبداد يتصرَّف في أكثر الأميال (الميول) الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيُضعفها، أو يُفسدها، أو يمحوها"، فيجعل أسير الاستبداد وفق التعبير الأثير لدى الكواكبي "حاقدًا على قومه؛ لأنهم عونٌ لبلاء الاستبداد عليه، وفاقدًا حبّ وطنه؛ لأنَّه غير آمن على الاستقرار فيه، ويودُّ لو انتقل منه.. أسيرُ الاستبداد لا يملك شيئًا ليحرص على حفظه؛ لأنَّه لا يملك مالًا غير معرَّض للسّلب ولا شرفًا غير معرَّض للإهانة، ولا يملك الجاهل منه آمالًا مستقبلة ليتبعها ويشقى كما يشقى العاقل في سبيلها". حال الاغتراب عن كل قيمة إيجابية، وتمكن من كلٍ من النفس الفردية والجماعية كل خلق لئيم، وما يترتب عليه من فعل أثيم، وكذا فإن حال القيم السلبية التي تمكّنت من نفسه، وسكنت طبعه، تطرد كل معنى إيجابي، وكل عمل فعّال.
وقابليات الاستبداد حقيرة وخطيرة لدى أسير الاستبداد تصنّع وتصطنع أحوالا من التسفل في الإدراك والتدنّي في السلوك والأفعال والخضوع كل ما يتعلق بقبول الشقاء واختلال النفس، مخادعا ذاته بليد التمييز والاختيار، يقدّر جلاديه والمستبدين به، فيرى في آثار تكبرهم وطغيانهم قوة وعظمة وأوصافهم الزائفة المزورة تفخيما وصولة.. "الاستبداد يسلب الراحة الفكرية، فيضني الأجسام فوق ضناها بالشقاء، فتمرض العقول، ويختلُّ الشعور على درجات متفاوتة في الناس، والعوام الذين هم قليلو المادة في الأصل قد يصل مرضهم العقلي إلى درجة قريبة من عدم التمييز بين الخير والشر، في كلِّ ما ليس من ضروريات حياتهم الحيوانية".
"ويصل تسفُّل إدراكهم إلى أنَّ مجرّد آثار الأبَّهة والعظمة التي يرونها على المستبدّ وأعوانه تبهر 
أبصارهم، ومجرّد سماع ألفاظ التفخيم في وصفه وحكايات قوته وصولته يزيغ أفكارهم"؛ فإذا كانت تلك أحوال أسرى الاستبداد ونفسيتهم الجماعية ".. فيرون ويفكرون أنَّ الدواء في الداء، فينصاعون بين يدي الاستبداد انصياع الغنم بين أيدي الذئاب؛ حيث هي تجري على قدميها جاهدةً إلى مقرِّ حتفها"؛.. أيمكن أن ترى أكثر من ذلك البؤس، من رؤية مستبدّيه دواء لا أصل الداء الذي لحق به.. ولهذا، كان الاستبداد يستولي على تلك العقول الضعيفة، فضلًا عن الأجسام فيفسدها كما يريد، ويتغلّب على تلك الأذهان الضئيلة، فيشوّش فيها الحقائق، بل البديهيات كما يهوى، فيكون مَثَلهم في انقيادهم الأعمى للاستبداد ومقاومتهم الرشد والإرشاد، مثل تلك الهوام التي تترامى على النار، وكم هي تغالب من يريد حجزها على الهلاك"،.. فيسير بإدراكه العليل وفعله الكليل إلى هلاكه وحتفه؛ إنها العبودية المختارة وزيف خياراتها.
والاستبداد، في حقيقته، انقلاب في عالم المفاهيم والكلمات؛ ومن جملة ما يمارسه في شبكة ظلمه هو ظلم الكلمات، على حد تعبير الشيخ البشير الإبراهيمي الجزائري، حينما تحدث عن ذلك في سلسلة مقالاته عن "كلمات مظلومة"، ذلك "أنَّ الاستبداد المشؤوم.. يقلب الحقائق في الأذهان. فالناس وضعوا الحكومات لأجل خدمتهم، والاستبداد قلب الموضوع، فجعل الرعية خادمة للرعاة، فقبلوا وقنعوا". "أنَّ الاستبداد ما ساقهم إليه من اعتقاد أنَّ طالب الحقِّ فاجرٌ، وتارك حقّه مطيع، والمشتكي المتظلِّم مفسد، والنبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين. وقد اتَّبع الناس الاستبداد في تسميته النصح فضولًا، والغيرة عداوة، والشّهامة عتوًّا، والحمية حماقة، والرحمة مرضًا، كما جاروه على اعتبار أنَّ النِّفاق سياسة، والتحيُّل كياسة، والدناءة لطف، والنذالة دماثة".
ذلك أن الاستبداد، بممارساته في انقلاب الكلمات، يقلب الحق والحقيقة، فيجعل من كل خير قبحا ويضفي على كل شر حسنا.. فيوطّن الناس أنفسهم على الطاعة العمياء والتبعية البكماء، وتكون هذه العملية أشبه ما تكون بتسميم الكلمات، وغسيل المخ الجماعي، بما يحيل الى عملياتٍ رخيصة وممارسات دنيئة. ولا بأس أن يقوم الإعلام والاتصال بالجماهير بذلك كله من خلال الإفك والكذب، من خلال التكرار والاستمرار. وقد يظنُّ بعض الناس من المتوهمين، ومن سدنة الطغاة والمستبدين، "أنَّ للاستبداد حسناتٍ مفقودة في الإدارة الحرّة، فيقولون مثلًا: الاستبداد يليّن الطباع ويلطِّفها، والحقُّ أنَّ ذلك يحصل فيه عن فقد الشهامة لا عن فقد الشراسة. ويقولون: الاستبداد يُعلِّم الصغير الجاهل حسن الطاعة والانقياد للكبير الخبر، والحقُّ أنَّ هذا فيه عن خوف وجبانة لا عن اختيارٍ وإذعان. ويقولون: هو يربّي النفوس على الاعتدال والوقوف عند الحدود، والحقُّ أنْ ليس هناك غير انكماشٍ وتقهقر. ويقولون: الاستبداد يقلل الفسق والفجور، والحقُّ أنَّه عن فقر وعجز، لا عن عفّةٍ أو دين. ويقولون: هو يقلل التعديات والجرائم، والحقُّ أنَّه يمنع ظهورها ويخفيها، فيقلُّ تعديدها لا عدادها".
وواقع الأمر أننا نرى مثل هذا الخطاب الذين احترفوا حديث "الدولتية"، فيقدّمون ذلك كوصفة 
استبدادية ناجعة، تجرّم الاحتجاج المطالب بالتغيير، وتبرّر تقصير نظام المستبد وسياسات ترويعه وتجويعه الشعب وعموم الناس، حفاظا على الاستقرار من الفوضى، ومن استهداف أمن الدولة واستقرارها، مدلسا ومزورا على حقائق الواقع المهين للعباد والبلاد، فتبدو الدولة "دولة الضد"، في القيام بوظائفها الجوهرية، فينقلب الأمن ترويعا وتفزيعا، والقضاء بدلا من أن يكون عدلا وإنصافا ينقلب إلى أن يكون ظلما وجورا وإجحافا، والإعلام يمارس كذبا وإفكا، بدلا من أن يكون وعيا وإخبارا، إنها صنعة المستبد لتمرير طغيانه واستبداده وتزويره واستخفافه.
"الأخلاق أثمار بذرها الوراثة، وتربتها التربية، وسُقياها العلم، والقائمون عليها هم رجال الحكومة، بناءً عليه؛ تفعل السياسة في أخلاق البشر ما تفعله العناية في إنماء الشجر.. (والمستبد) إنّما همّه الحصول على الفائدة العاجلة ولو باقتلاع الأصول، فهناك الطّامة وهناك البوار. فبناءً على هذا.. يكون فِعلُ الاستبداد في أخلاق الأمم.. الذي لا يُرجى منه غير الإفساد..ومن أين لأسير الاستبداد أن يكون صاحب ناموس، وهو كالحيوان المملوك العنان، يُقاد حيث يُراد..، لا نظام ولا إرادة؟ ... فأسير الاستبداد، إذن، دون الحيوان لأنّه يتحرّك بإرادة غيره لا بإرادة نفسه"؛ إنها طبائع الاستبداد حينما ترسخ وتتمكن التي تورث سوء العاقبة ومصارع الاستعباد.
أسير الاستبداد لا نظام في حياته، فلا نظام في أخلاقه.. أقلُّ ما يؤثّره الاستبداد في أخلاق الناس أنَّه يرغم حتى الأخيار منهم على إلفة الرياء والنفاق، ولبئس السيّئتان، وإنه يعين الأشرار على إجراء غيّ نفوسهم آمنين من كلِّ تبعة ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح، لأنَّ أكثر أعمال الأشرار تبقى مستورة، يلقي عليها الاستبداد رداء خوف الناس من تبعة الشهادة على ذي شرّ وعقبى ذكر الفاجر بما فيه. ولهذا، شاعت بين الأسراء قواعد كثيرة باطلة كقولهم: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وقولهم: البلاء موكولٌ بالمنطق. وقد تغالى وعّاظهم في سدِّ أفواههم، حتى جعلوا لهم أمثال هذه الأقوال من الحِكَم النبوية، وكم هجوا لهم الهجو والغيبة بلا قيد"؛ هكذا يتشكّل المجتمع بأسره على أخلاق الاستبداد.