أخبار الحمقى والمغفلين [10]

24 نوفمبر 2018
الصورة
فؤاد هاشم
+ الخط -

طائفة أخرى من مغفلي الأعراب

رأى محمد بن علي في الطواف أعرابياً عليه ثيابٌ رثة وهو شاخص نحو الكعبة لا يصنع شيئاً، ثم دنا من الأستار وتعلق بها ورفع رأسه إلى السماء وراح ينشد:
أما تستحي مني وقد قمتُ شاخصاً
أناجيك يا ربي وأنت عليمُ
فإن تَكْسُني يا رب خفاً وفروةً
أصلِّ صلاتي دائماً وأصومُ
وإن تكن الأخرى على حال ما أرى
فمن ذا على ترك الصلاة يلومُ
أترزقُ أولادَ العلوج وقد طغوا
وتترك شيخاً والداه تميمُ؟
فدعا به محمد، وخلع عليه فروة وعمامة، وأعطاه عشرة آلاف درهم، وحمله على فرس. فلما كان العام الثاني جاء الحج وعليه كسوة جميلة وحال مستقيم، فقال له أحد الأعراب:
- رأيتك في العام الماضي بأسوأ حال، وأراك الآن ذا بزة حسنة وجمال.
فقال: إني عاتبت كريما فأُغْنِيْتُ.

وكان لبعض المغفلين حمار، فمرض الحمار، فنذر إن عوفي حمارُه صام عشرة أيام، فعوفي الحمار، فصام، فلما تمت الأيام مات الحمار: فقال:
- يا ربي تلهيت بي! ولكن رمضان إلى هنا يجيء، والله لآخذنَّ من نقاوته عشرة أيام لا أصومها!

صلى أحد الأعراب، واسمه (مُجْرِم) خلف أحد الأئمة في الصف الأول، فقرأ الإمام: والمرسلات.. إلى قوله (ألم نهلك الأولين).. فتأخر الإعرابي إلى الصف الآخر.. فقال الإمام (ثم نتبعهم الآخرين).. فرجع إلى الصف الأوسط، فقال الإمام (كذلك نفعل بالمجرمين).. فولى هارباً وهو يقول:
- ما أرى المطلوب غيري!

تذاكرَ قومٌ قيامَ الليل وعندهم أعرابي، فقالوا: أتقوم الليلَ؟
قال: أي والله.
قالوا: فما تصنع؟
قال: أبولُ وأرجع أنام!

وروى أبو عمر الزاهد أن أحد الأعراب قال: اللهم أمتني ميتة أبي.
قالوا: كيف مات أبوك؟
قال: أكل لحماً وشرب زقاً ونام في الشمس، فلقي الله وهو شبعان ريان دفئان!


فصل عن: المغفلين من المتحذلقين

عن أبي زيد الأنصاري قال: كنت ببغدادَ فأردت الانحدار إلى البصرة، فقلت لابن أخي: اكْتَرِ لنا مركباً. فجعل ينادي: يا معشر المَلاحون.
فقلت: ويحك، ما تقول؟
فقال: أنا مولعٌ بالنصب!

دخل خالد بن صفوان الحمام وفيه رجل مع ابنه، فأراد أن يستعرض أمامه البيان، فقال لابنه:
- يا بني ابدأ بيداكَ ورجلاكَ.
ثم التفت إلى خالد وقال: يا أبا صفوان، هذا كلامٌ قد ذهب أهلُه.
فقال خالد: هذا كلامٌ لم يخلق الله له أهلاً قط.

قال رجل للحسن: ماذا تقول في رجلٍ تَرَكَ أبيه وأخيه؟
فقال الحسن: ترك أباه وأخاه.
قال الرجل: فما لأباه وأخاه؟
فقال الحسن: ما لأبيه وأخيه.
قال الرجل: أراني كلما كلمتك خالفتني!

كان المهدي يستاكُ بالسواك، وعنده مؤدبُ ابنه، فقال له:
- ما هو فعل الأمر من السواك؟
فقال: اسْتَكْ يا أمير المؤمنين!
فقال: إنا لله. التمسوا لابني من هو أفهم من هذا؟

كان أميرٌ على الكوفة من بني هاشم، وكان لَحَّاناً، فاشترى دُوراً من جيرانه ليضمها إلى داره، فاجتمع إليه جيرانه فقالوا: أصلحك الله، هذا الشتاء قد هجم علينا، فأمهلنا إن رأيتَ حتى يقبل الصيف ونتحول.
فقال: لسنا بخارجيكم! (يقصد: لسنا بمُخرجيكم)!
قال رجل لصديق له: ما فعل فلانٌ بحمارِهِ؟
قال: (باعِهِ)!
قال: قل (باعَهُ).
قال: فلم قلتَ أنت (بحمارِهِ)؟
قال: الباء تجر.
قال: فمن جعل باءك تجر وبائي ترفع؟!
قال محمد الخصيب لابنه: اخدم عماك. (يقصد: اخدم عمك)!
فقال: أخدم عمي.
قالوا: يقول لك اخدم عماك وتلحن؟
فتدخل سعيد بن أحمد وقال للخصيب (متهكماً): أنت أعلمُ الناس بالنحو، فمن أفسد بيانَ هذا الصبي؟
قال: أمه!

قدم على ابن علقمة النحو ابنُ أخ له، فقال له: ما فعل أبوك؟
قال: مات.
قال: وما فَعَلَتْ علتُهُ؟
قال: وَرمَتْ قدميه.
قال: قل (قدماه).
قال: فارتفع الورمُ إلى (ركبتاه).
قال: قل (ركبتيه)!
فقال: دعني يا عم. فما موت أبي بأشد عليّ من نحوك هذا!

لقي نحوي رجلاً من أهل الأدب، وأراد أن يسأله عن أخيه، وخاف أن يلحن، فقال له: أخاك، أخوك، أخيك ها هنا؟
فقال الرجل: لا، لو، لي، ما هو حضر!

عن الأصمعي، عن عيسى بن عمر، قال: كان عندنا رجل لَحَّان، فلقي رجلاً لحاناً مثله فقال: من أين جئت؟
فقال: من عند (أهلونا)!
فتعجب منه، وحسده، وقال: أنا أعلم من أين أخذتَها. أخذتَها من قوله تعالى: شغلتنا أموالُنا وأهلونا!

كتب أحد الناس: كتبتُ من بلد (طيس). يريد (طوس). فقيل له في ذلك، فقال: جعلتها (طيس) لأن (من) تخفض ما بعدها.
فقيل له: تخفض حرفاً واحداً، لا بلداً يتبع له خمسمئة قرية!

قال أبو علي الأزدي: كنتُ يوماً في حلقة أبي سعيد السيرافي، فجاء ابنُ عبد الملك خطيب جامع المنصور، وعليه السواد والطويلة والسيف والمنطقة (ثياب العلماء)، فقام الناس وأجلُّوه. فلما جلس قال: لقد عرفتُ قطعة من هذا العلم وأريد أن أستزيد منه، فأيهما أحسن، سيبويهِ أم الفصيح؟
فضحك الشيخ أبو سعيد ومَنْ في حلقته، وسأله: يا سيدنا، هل (محبرة) اسم أو فعل أو حرف؟
فسكت وقال: حرف.
فلما قام لم يقم له أحد.


فصل خاص

قد تكلم قوم من النحويين بالإعراب مع العوام، فكان ذلك من جنس التغفيل حتى ولو كان صواباً، لأنه لا ينبغي أن يُكَلَّمَ كلُّ قوم إلا بما يفهمون.

وكان أبو قاسم برهان الأسدي يقول لتلامذته: إياكم والنحو بين العامة، فإنه كاللحن بين الخاصة.
ووقع نحوي في كنيف (مكان الأوساخ)، فصاح به الكَنَّافُ: أنت في الحياة؟
فقال: ابغِ لي سلماً وثيقاً، وأمسكه إمساكاً رفيقاً، ولا بأس علي.
فقال الكناف: لو كنت تركتَ الفضولَ يوماً لتركتَه الساعة وأنت في (الوسخ) إلى الحلق!

ووقف نحوي عند صاحب بطيخ وقال له: بكم تلك وذانك الفاردة؟
فنظر صاحب البطيخ يمنة ويسرة ثم قال: اعذرني فما عندي شيء أصفعك به!
ووقف نحوي عند زَجَّاج فقال: بكم هاتان القنينتان اللتان فيهما نَكْتَتَان خضراوان؟
فقال الزَجَّاج: مُدهامتان. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟

وعن أبي زيد النحوي قال: وقفت عند قصاب وعنده بطون، فقلت: بكم البطنان؟
فقال: بدرهمان يا ثُقَيْلان!
وعنه نفسه أنه قال: وقفت عند قصاب وقد أخرج بطنين سمينين فعلقهما، فقلت له: بكم البطنان؟
فقال: بمصفعان يا مضرطان.
ففررت لئلا يسمع الناس قوله فيضحكون علي.
ودخل أحمد القزويني (وكان شاعراً) إلى سوق النخاسين بالكوفة، وقال لأحد النخاسين:
- يا نخاس، اطلب لي حماراً لا هو بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إن أقللتُ علفه صبر، وإن أكثرتُ علفه شكر، لا يدخل تحت البواري، ولا يزاحم بي السواري، إذا خلا بالطريق تَدَفَّقْ، وإذا كثر الزحامُ تَرَفَّقْ!
فقال النحاس: إذا مسخ الله القاضي حماراً اشتريتُه لك.

جاء أبو علقمة النحوي إلى عمر الطبيب فقال: أكلتُ دعلجاً فأصابني في بطني سَجَح.
فقال: خذ غَلُوص وخَلُوص!
قال: وما هذا؟
قال الطبيب: وما الذي قلت أنت؟ كلمني بما أفهم.
قال أبو علقمة: أكلت زبدة كانت في صحفة صغيرة، فأصابني نفخ في بطني.
قال: حسناً. خذ صعتراً برياً، واشرب منقوعه!

ودخل أبو علقمة النحوي على (أَعْيَنَ) الطبيب، فقال: أمتع الله بك، إني أكلت من لحوم هذه الجوازم فطسئتُ طسأة (أي أتخمت) فأصابني وجع في الوالبة إلى ذات العنق، فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الحُلُبَ والشراسيف. فهل عندك دواء؟
قال: نعم. خذ حُرْقُفاً وسُلْقُفاً وسُرْقُفاً، فزهرقْهُ وزهزقه واغسله بماء روث واشربه!
فقال أبو علقمة: لم أفهم.
قال الطبيب: أفهمتُك كما أفهمتَني!

دلالات

المساهمون