أحمد الكرم: شحّ السيولة يمثل مشكلة لبنوك تونس والدولة تعول على الاقتراض

10 مارس 2019
الصورة
الكرم أكد وجود صعوبات في الاقتراض الخارجي(العربي الجديد)

قال رئيس الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية في تونس أحمد الكرم، في مقابلة مع "العربي الجديد" إن أزمة شحّ السيولة تمثل مشكلة كبيرة حقيقية للقطاع المصرفي، وتؤثر بشكل جليّ على تمويل الاقتصاد، مشيرا إلى أن الدولة تواجه صعوبات في الاقتراض الخارجي.

وتزايدت مؤخراً تحذيرات مؤسسات التصنيف الائتماني من تعرض البنوك إلى صعوبات وتزايد التعثر، ما يدعو إلى طرح العديد من التساؤلات حول مستقبل القطاع المصرفي.

وإلى نص المقابلة مع "العربي الجديد":

- أصدرت في الآونة الأخيرة، العديد من مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية، تقارير سلبية عن البنوك التونسية، فيوم الجمعة الماضي حذرت مؤسسة موديز من تأثر البنوك بأوضاع تشغيل صعبة، وشحّ السيولة وارتفاع الديون المتعثرة خلال 2019، وقبلها أصدرت مؤسسة فيتش نظرة مماثلة، فهل هناك مخرج لهذا الوضع؟

أزمة السيولة مشكلة حقيقية في القطاع المصرفي، وتؤثر بشكل جلي على تمويل الاقتصاد، فهذا الشح المتفاقم من عام إلى آخر يرجع أساساً إلى الطفرة التي يعيشها الاقتصاد الموازي (غير الرسمي)، الذي يمتص قسطاً كبيراً من الموارد المالية التي يضخها البنك المركزي.

كما يعود شح السيولة إلى العجز المتزايد للميزان التجاري، الذي لا يوفر كما كان في السابق موجودات من العملة الصعبة الأجنبية، كما أن هناك تراجعاً في القدرة الشرائية تسبب في انخفاض نسبة الادخار إلى نحو 10% من الدخل وهو ما لا يمكّن من جمع موارد كافية من جانب البنوك.

ــ وهل نفهم من ذلك أن هذا الوضع سيظل مستمراً، وإذاً مأزق البنوك أصبح حتمياً؟

لا، هذه الوضعية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، لذلك قام البنك المركزي في منتصف العام الماضي 2018 بمراجعة سياسته، ووضع ضوابط من شأنها أن تقلّص من إعادة التمويل وترفّع من كلفته، بما يحافظ على التوازن المالي للبنوك بحيث لا يرتفع حجم الإقراض عن الودائع.


- لم تكن السيولة النقدية وحدها ما دفع مؤسسات التصنيف الائتماني إلى تقديم نظرة غير مستقرة للبنوك، وإنما أيضاً إبقاء تونس في القائمة السوداء التي يصدرها الاتحاد الأوروبي عن دول الملاذات الضريبية، فهل ترى أن ذلك قد يتسبب في قطع بنوك أوروبية علاقتها مع المؤسسات المالية التونسية، وما هي الإجراءات المستوجبة على القطاع المصرفي اتخاذها لمجابهة هذه التحديات؟

القطاع المصرفي يقوم بمجهود كبير في ميدان التأكد من سلامة التحويلات البنكية، ومنع العمليات المالية التي يستشف منها تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب.

وأعتقد أن تونس ستخرج قريباً من هذا التصنيف، وما قامت به مختلف الهياكل الحكومية وكذلك البنك المركزي من مجهودات، سواء تشريعية أو إجرائية متعلقة بمراقبة تنقل الأموال، ستسارع في تعديل القرار الأوروبي بإخراج تونس من القائمة السوداء خلال الاجتماع المقبل لمجموعة العمل المالي.

ــ علاقة المصارف التونسية بعملائها ليست على ما يرام بحسب دراسات المعهد الوطني للاستهلاك، إذ يشكو العملاء من ارتفاع العمولات على الخدمات المصرفية، وضعف الفوائد على الإيداعات والادخار فهل استشعرت الجمعية المهنية للمصارف هذا الأمر وما هي حلولكم للحد من هذه المشكلة؟

نسب الفوائد على الإيداعات والادخار حرة وتتوقف على قيمة المبالغ المودعة ومدة الادخار، ونظراً لشحّ السيولة وحاجة البنوك للإيداعات، فإن أغلب المصارف تعطي بالعكس حوافز مرتفعة للمدخرين الذين يفضلون توظيف أموالهم.

وفي ما يتعلّق بعلاقة البنوك بالعملاء، فهي تسعى دائماً إلى الإصغاء لطلبات العملاء، الذين من حقهم أن يطالبوا بمزيد من تحسين مستوى الخدمات، كما من حق أيّ عميل أن يطالب بخفض كلفة الخدمات المصرفية، لكن لا بد من الإشارة إلى أن ارتفاع أسعار الخدمات بشكل عام طال البنوك أيضاً.

والبنوك واعية وحريصة على ضرورة اتخاذ كل الإجراءات لدعم نجاح خدماتها، ورقمنة معاملاتها للحد من تداعيات ارتفاع كلفتها، في حال القيام بها بالطريقة التقليدية، ويتم العمل حالياً على تدعيم العمليات المالية عبر البطاقة الذكية والقيام بعمليات مالية عبر الإنترنت والهاتف النقال، ما سيمكن من اقتراح أسعار تفاضلية للخدمات المصرفية، مقارنة بالمعاملات التقليدية الورقية.


- لكن قرار رفع سعر الفائدة الأخير من قبل البنك المركزي مائة نقطة أساس لتصل إلى 7.75%، قوبل بانتقادات من الكثير من البرلمانيين والمؤسسات الاقتصادية، فكيف تلقت الجمعية هذا القرار؟

قرار رفع سعر الفائدة كان منتظراً ولم يفاجئ القطاع المصرفي، باعتبار أن البنك المركزي هو المؤسسة الموكل إليها اتخاذ الإجراءات النقدية الضرورية للتحكم في ارتفاع الأسعار ونسب التضخم.

وهذا القرار استباقي ويتماشى مع المؤشرات المتعددة، التي تبين أن من ضمن أهم تداعيات الوضع الاقتصادي المتأزم في التسارع في نسب التضخم، بفعل زيادة الاستهلاك التي لم يصاحبها انتعاش حقيقي في الاقتصاد.

وزيادة سعر الفائدة المحورية يتضمن رسالة لكل الفاعلين في الشأن الاقتصادي، بأن الوضع لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه، وأن معالجته تحتاج إلى إجراءات عاجلة للضغط على الأسعار، إذا أردنا فعلاً أن يسود الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

والبنك المركزي يتقاسم في هذا الميدان المسؤولية مع الحكومة والسلطة التشريعية. وهذان الأخيران مطالبان باتخاذ قرارات موازية، تساعد على إبعاد شبح الانزلاق نحو تضخم دائم، وذلك عبر الإسراع في الإصلاحات التي توفر ظروف الانتعاشة الحقيقية للاقتصاد المحلي، وتتحكم في عجز الموازنة وعجز الميزان التجاري، وتساعد على انتعاش عرض البضائع والخدمات.


- وأي دور للقطاع المصرفي في تحقيق هذه الانتعاشة الاقتصادية، وخاصة أن هناك شكاوى من إحجام البنوك عن تمويل الاستثمار مقابل التوجه نحو إقراض الدولة؟

تحمل القطاع المصرفي كامل مسؤولياته بعد ثورة 2011، ولم يتوان عن مرافقة الفاعلين الاقتصاديين في ظروف كان من المقبول فيها أن تكون مؤسسات الإقراض محترزة، وأن تقلل من تدخلاتها في تمويل الاقتصاد والأفراد، نظراً لتزايد المخاطر وعدم وضوح الرؤى.

وعلى امتداد السنوات الثماني الماضية، توخى القطاع المصرفي سياسة التدخل المستمر ووفر كل القروض اللازمة في نطاق معاضدة سياسات تسيير وتسهيل الانتقال الديمقراطي، وقد تميزت هذه الفترة بمعدل زيادة في القروض بنحو 12% رغم شحّ السيولة وعدم توفر الودائع.

وقد ساعد البنك المركزي على هذا المجهود، بتمكين البنوك من إعادة تمويل قروضها وتوفير السيولة الضرورية لها للقيام بنشاطها.

ــ لكن لمنظمة رجال الأعمال رأي آخر، وقد شكا اتحاد الصناعة والتجارة في أكثر من مناسبة من صعوبة نفاذ المتعاملين الاقتصاديين إلى القروض وصعوبة شروط الإقراض، فما هو ردكم على هذه الاتهامات؟

ربما كان الوضع أصعب مما هو عليه الآن، لو لم تقرر البنوك دعم الحركة الاقتصادية وتوفير القروض اللازمة لقطاعات الزراعة والصناعة والخدمات، ودعم مجهود تصدير الزيت والتمور والمنتجات البحرية والصناعية وغيرها.

وقد تم توفير مبالغ مالية كبيرة لهذه القطاعات نشّطت بالفعل عمليات الإنتاج والتصدير، ما ساهم في توفير إيرادات مهمة بالعملة الصعبة.


- هناك من يرى أن اتجاه القطاع المصرفي نحو إقراض الدولة على حساب تمويل الأنشطة الاقتصادية، خيار جديد للبنوك لتحقيق أرباح أكبر وتفادي تعثر القروض الممنوحة للأفراد والشركات فما ردك؟

ليس خياراً جديداً، فكما هو الشأن بالنسبة للمؤسسات، وجدت الدولة القطاع المصرفي جاهزاً ليوفر لها حاجاتها من التمويلات اللازمة للميزانية حينما صعب اللجوء للأسواق الخارجية.

فنظراً لتصنيف الاقتصاد التونسي ووضعه المحفوف بالمخاطر، لم يعد من السهل على الدولة الحصول على التمويلات اللازمة للخزينة من الأسواق العالمية بشروط ونسب فائدة مقبولة، وكان على البنوك المحلية في هذا الظرف، أن تثبت استعدادها لتوفير المبالغ الضرورية لتمويل خزينة الدولة، وذلك بمساعدة البنك المركزي الذي أمن حاجات البنوك لتتمكن من دعم الموازنة عن طريق الاكتتاب في الإصدارات التي تجري لصالح الدولة.

وقد تم في 2016 توفير كل حاجات الخزينة عن طريق البنوك المحلية، كما تم في 2017 توفير قروض بالعملة الأجنبية لفائدة الدولة من طرف البنوك التونسية.

ــ لكن هذا الانخراط في تمويل الموازنة مدفوع الثمن، والبنوك بإجماع الخبراء الاقتصاديين توفر قروضاً بنسبة فائدة عالية للدولة؟

أعتقد أن الدولة قادرة على أن تتناقش مع البنوك في مسألة نسب الفائدة التي تتماشى ووضعية الاقتصاد، وخاصة نسبة المخاطر المرتبطة به.

وفي كل الحالات نسب فائدة تمويل الخزينة عن طريق المصارف المحلية أقل بكثير من نسب فائدة القروض التي كانت ستحصل عليها الدولة لو لجأت إلى الأسواق العالمية.