أحلام في "شارع الكواكب"

14 سبتمبر 2019
الصورة
يؤدّي العمل عشرة فتيان وفتيات (فيسبوك)
في زقاق معتم في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان، بضع درجات تفضي إلى فسحة مضيئة تستقبل يوميا أولاداً يافعين ضمن محترف فني مميز يكاد يكون متفرّداً على مستوى العاصمة بيروت.
محترف "إيد واحدة - دمى" هو مبادرة فنية أنشأتها جمعية "نجدة ناو" منذ ثلاثة أعوام، حين استقطبت مجموعة من الأطفال اللاجئين السوريين المقيمين في مخيم شاتيلا لتدريبهم على صناعة وتحريك الدمى. باتت تلك المجموعة اليوم، وتحت مسمّى "فرقة إيد واحدة"، تقدّم أعمالاً مسرحية سنوياً، آخرها عمل بعنوان "شارع الكواكب"، الذي يقدّم على خشبة مسرح المدينة في بيروت عند السابعة والنصف من مساء اليوم.
يأتي العمل بمساهمة من "المركز العربي للتدريب المسرحي"، ومن إخراج مؤسس الفرقة، عبد العزيز العائدي الذي بدأ بوضع فكرة العمل منذ عام بالتشارك مع مصممة الدمى والسينوغراف، والعضو المؤسس في الفرقة، مريم سمعان. أما النص، فقد أشرف على كتابته كل من ساري مصطفى وعلاء رشيدي، وهو نتاج ورشة تدريبية مطوّلة على كتابة نص مسرحي تشاركي مع الأطفال أعضاء الفرقة.
يعالج العمل "مشكلة التطور التكنولوجي وتأثيره سلباً على العلاقات الاجتماعية"، بحسب المخرج العائدي، "فمنطقتنا لا تقدّم مساحات صديقة للأطفال، ما يضطرهم إلى الانعزال في غرفهم مكتفين بالتواصل من خلال عالم افتراضي لا صلة له بالواقع؛ ومن هنا أتت فكرة الكواكب، إذ إن كل فرد بات اليوم متقوقعاً في غرفته كأنما على سطح كوكب خاص به".
من دون أن ينفي أهمية التطور التكنولوجي، يعزز عمل "شارع الكواكب" دور العلاقات الإنسانية الحسية والصداقات في بناء التواصل الإيجابي ما بين الأطفال. مصممة الدمى؛ مريم سمعان، توضح أن الشخصيات السبع في العرض هي شخصيات نمطية كل منها تلامس جانباً من شخصية الطفل؛ فهناك "بروفيسور لامع" صاحب الأفكار والاختراعات، "سويتي" التي تمثّل نهم الأطفال للحلويات، "سيلفي" المهووسة بصورها على مواقع التواصل الاجتماعي، "رعديد" دائم الخوف والقلق، "حالم" صاحب الشخصية المرهفة الشاعرية، و"جايمر" مدمن ألعاب الفيديو، إضافة إلى شخصية الجوكر وهي الشخصية المركزية المشاغبة والمتمردة لاعبة دور الراوي.
يؤدّي العمل عشرة فتيان وفتيات، تتراوح أعمارهم ما بين الثانية عشرة والسابعة عشرة من العمر، انضموا للفرقة منذ تأسيسها عام 2016. في بدايات إنشاء الفرقة حصل الأطفال على تمارين لتحفيز المخيلة أُتبعت بتمارين بناء شخصيات مبتكرة من المخيلة أو الشارع، وتلت ذلك تمارين تنفيذ صناعة الدمية في ورشات رسم بإشراف الفنانة سمعان، إضافة إلى ورشات النحت على الطين، وصناعة القوالب وابتكار الاكسسوار، وصولاً إلى تمارين تحريك الدمى والأداء المسرحي بإشراف المخرج العائدي.
ينضم إلى فريق عمل "فرقة إيد واحدة" فنانون من مجالات منوعة يقدمون لأعضاء الفرقة تدريبات متخصصة كل في مجال عمله، ففي إنتاج "شارع الكواكب"؛ على سبيل المثال، مساهمة موسيقية غنائية بتأليف من زكي الحموي وهاني السواح. لا يقتصر جسم الفريق على الجانب الفني والإداري، فهناك أيضا مساهمة محلية من سيدات من المجتمع المحلي تضفي المزيد من الحميمية وروح التشارك على عائلة الفرقة، فوجود السيدتين حنان الدويري وفاطمة المحمد أساسي، إذ تقومان تباعاً بالإشراف على خياطة أزياء الدمى وتحضير وجبات يومية ساخنة في المركز للأطفال وفريق العمل.
للفرقة شريكان أساسيان، هما "المجلس الثقافي البريطاني" British Council ومؤسسة فرنسا Fondation De France، إلا أن المبادرة في تحد مستمر لضمانة استمرارها أمام محدودية مصادر التمويل، الأمر الذي يحد أيضا من عدد أعضاء الفريق الإداري، إذ يتكوّن من ثلاثة أعضاء حتى اليوم؛ هم العائدي وسمعان، إضافة إلى زوربا الشوّا المنتج المنفّذ لعرض "شارع الكواكب".
أعضاء فرقة إيد واحدة هم غزل محمود، عمر باكير، أماني محمد، مؤيد محمد، جودي سيد عيسى، حسين الحسن، كوثر علوش، أيمن المحمد، بيان فتوح، أحمد إسماعيل، وديمة العطار. تقول غزل (12 عاما): "كنت خجولة جداً في السابق إلا أنني واجهت الخجل من خلال المسرح وتغلّبت على خوفي". وتؤكد قولها أماني (14 عاما): "في الفرقة تعلّمت أن أدافع عن حقوقي وأن أعبّر عن نفسي بثقة أكبر. كما أنني استفدت كثيراً من دروس الرسم"، أما عمر (13 سنة) فيعزو تغلّبه على خجله هو الآخر إلى تشجيع من حوله له بعد انضمامه للفرقة: "كان لدي حلم صغير، أن أكون ممثلاً، وها قد تحوّل اليوم لحلم كبير".
في ظل كل ذلك، يواجه بعض أعضاء الفرقة مشاكل مع تقبّل عائلاتهم لانخراطهم في الفرقة لأسباب مادية أو اجتماعية، إلا أن الأثر الإيجابي على سلوكيات الأطفال له الصوت الأعلى وتختصره غزل حين تقول مبتسمة: "أهلنا صاروا شايفين حالن فينا!".