أحلام بيضاء تغادر سورية

06 اغسطس 2017
الصورة
أثواب في المحال فقط (جوزيف عيد/ فرانس برس)
بات الزواج، بالنسبة إلى بعض الفتيات السوريّات، بعيد المنال. وحتى الحلم بالثوب الأبيض والتفاصيل الجميلة، تحوّل إلى رفاهية. الفرح ناقص، حتى في حفلات الزفاف. كل عائلة قد تتذكر فقيداً أو معتقلاً أو مهاجراً أو مصاباً أو يتيماً، ليتحوّل العرس إلى حفلة بكاء جماعي، يتذكر الناس أحبابهم من خلاله.

دارين م. (23 عاماً) كانت تجلس مع مجموعة من الفتيات لم يرتبطن بعد بشريك العمر، علماً أن بعضهن اضطررن إلى إلغاء الارتباط، بعدما هاجر شركاؤهن، أو باتوا تحت الإقامة الجبرية، إضافة إلى أسباب أخرى. في جلساتهن، تقول الفتيات إن الشباب باتوا قلة في البلاد، وبالكاد يرونهم في الجامعات وعلى الطرقات وفي الحافلات العامة.

بالنسبة لهؤلاء الفتيات، أصبح الزواج مسألة مستبعدة. وحتّى الشباب الذين بقوا في البلاد، لا يستطيعون تأمين منزل وشراء أثاث وتحمل تكاليف حفل الزفاف أو تكاليف العيش.

من جهتها، ترى المهندسة سهير ع. (27 عاماً) أن حظّها أوفر من عدد كبير من بنات جيلها، إذ تزوجت مؤخراً من زميل لها في العمل، لكنّها تخلّت عن كثير مما حلمت مع بداية عقدها الثالث، فلم ترتدِ الفستان الأبيض، ولن يكون لها منزلها المستقلّ، إذ ستعيش في منزل أهل زوجها، مكتفية بغرفة نوم أقلّ من عادية، ألوانها لا تشبه تلك التي أرادتها. وبين أن تحظى بحفل زفاف ومنزل خاص، أو التأخر في الزواج، اختارت الارتباط، إذ تحلم بأن ترزق بطفل.

أما ميساء وزوجها فقرّرا إقامة حفلة زفاف عائلية قبل نحو شهرين، علّ الفرح يقترب من العائلتين. تقول ميساء لـ "العربي الجديد" إن ما حدث في الحفل كان عكس ما تمنّته، إذ بكت أمها وأخواتها خلال الحفل، وهن يتذكرن شقيقها الذي قتل قبل ثلاثة أعوام. ولم تكن عائلة زوجها أفضل حالاً، إذ إن شقيق زوجها معتقل منذ أربع سنوات، ولا يعرف أحد مصيره حتى اليوم. كذلك كانت خالتها في الحفلة، وقد فقدت خمسة أبناء في عام 2013، إضافة إلى عمتها التي ذبح ابنها الوحيد في ريف دمشق.

لاحقاً، تمنّت ميساء لو لم تقم هذه الحفلة التي قلّبت المواجع على عائلتها وعائلة زوجها، إذ غلب عليها الحزن. وحتى "زلغوطة" الفرح الوحيدة التي حاولت والدتها إطلاقها لم تخل من الغصة.



أما نسرين، وهي طالبة جامعيّة مفعمة بالحيوية، والتي لطالما رفضت الزواج التقليدي، رضخت أخيراً لضغوط عائلتها وارتبطت بشاب سوري لجأ إلى إحدى الدول الأوروبية قبل ثلاث سنوات. مضى على خطوبتها نحو عام، وهي تنتظر لمّ الشمل في أية لحظة. تقول إنها لن تنظّم حفل زفاف في سورية، خصوصاً أن العريس غير موجود، ولن تقيم حفل وداع لصديقاتها أو عائلتها، مضيفة أنها ستغادر من دون أن تخبر أحداً "حتّى هذه الحفلات الصغيرة أصبحت مكلفة، ولا يمكن لعائلتي تحمّل مصاريف جديدة، كما أن وضع خطيبي المادي ليس جيداً". بالنسبة إلى نسرين، الزواج لن يجعلها تنضم إلى قائمة العانسات، كما تقول والدتها، والتي كثيراً ما تردّد أمثالاً شعبية عن الستر والحب بعد الزواج. وهي تحاول أن تقنع نفسها أن خيارها صحيح.

وحدهم الأغنياء قادرون على إقامة حفلات زفاف كبيرة، إضافة إلى منتفعي الحرب أو المغتربين. تقول منى (25 عاماً)، والتي يعمل خطيبها في إحدى دول الخليج، إنها ستقيم حفل عرس متكاملاً. تضيف: "سأغادر سورية بعد أسبوع على زفافي. لا أعلم متى أعود؛ لأنّ السفر بات أمراً مكلفاً، كما يقول خطيبي. كم تمنّيت أن يحضر شقيقي حفل زفافي، إلّا أنّه لا يستطيع الدخول إلى البلد بسبب مشاكل أمنية. أبي أيضاً سيسافر إلى إحدى الدول الأوروبية، وستلحق به أمي بعد حفل الزفاف. لن يبقى أحد من عائلتي في البلد".

بدورها، تقول الناشطة في مجال حقوق المرأة، لينا العبدالله، لـ "العربي الجديد": "أعتقد أن النساء هن من أكثر المتضررات من هذه الحرب الدائرة في سورية، خصوصاً الأصغر سناً. كثيرات منهن حرمن متابعة تعليمهن بسبب الأوضاع الأمنية، ومنهن من تعرضن إلى مختلف أنواع الانتهاكات الجسدية واللفظية، وقد فقدن أحلامهن باكراً، ومنها حلم الارتباط والزواج وتكوين عائلة بشكل طبيعي. فالحرب تركت أثراً في كل عائلة، عدا عن تردي الأوضاع المادية، ما جعل حفلات الزفاف بسيطة". تضيف أنه على الرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة، لكن نسبة الإناث في البلاد تزيد عن نسبة الذكور.

وتوضح أن "طقوس الزواج بشكل عام تغيّرت عما كانت عليه قبل عام 2011، لأسباب اقتصادية واجتماعية"، لافتة إلى أن المجتمع السوري يعاني بسبب ارتفاع نسب الطلاق، وقد أفادت مصادر رسمية بأن عام 2016 سجّل نحو 40 ألف حالة طلاق، وكان سبب بعضها غياب الزوج لفترة طويلة، في حين تُشير التقديرات إلى وجود أقل من 34 ألف حالة زواج.

إلى ذلك، تشير بعض الدراسات إلى ارتفاع نسبة العنوسة في المجتمع السوري في عام 2016 إلى 41 في المائة، كذلك ارتفع سن الزواج لدى الإناث من 22 عاماً في عام 2004 إلى 33 عاماً في عام 2016، ولدى الشبان من 27 عاماً إلى 35 عاماً.

تعليق: