أحداث السويداء: فتنة من النظام أم خروج عليه؟

أحداث السويداء: فتنة من النظام أم خروج عليه؟

26 ابريل 2014
الصورة
بين درعا والسويداء في 2013 (أنور عمرو، getty)
+ الخط -

تطرح الأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظة السويداء (100 كيلومتر جنوب دمشق)، ولا تزال، ذات الغالبية الدرزية، تساؤلات كبيرة، وربما "تخوّفات" من إمكانية انخراط "أهل الجبل" في الأحداث الجارية في البلاد، وعلى صعيدها العسكري بالتحديد، بعدما شهدت المحافظة هدوءاً في هذا الجانب، منذ بداية الثورة، وإن تخللتها بعض العمليات العسكرية المحدودة، إضافة إلى تظاهرات واعتصامات عدة، وتشكيل تنسيقيات ومجالس محلية، وغير ذلك من أشكال الحراك السلمي، قام بها معارضون للنظام، على الرغم من القبضة الأمنية الشديدة التي فرضتها قوات الأمن على المحافظة، واستخدام العنف من جماعات اللجان الشعبية (الشبيحة) في مواجهة هذا الحراك.

لكن الوضع شهد تطورات أخيراً في قرية خربا، جنوب غرب السويداء، التي يقطنها مسيحيون، والمحاذية لبلدات ريف درعا. وتختلف الروايات حول ما جرى في هذه القرية، التي كانت تستضيف عدداً كبيراً من أهل درعا المجاورة، الفارين من جحيم المعارك والقصف.

فقد اقتحم القرية مسلحون، يعتقد أنهم من "كتائب معربة" في درعا، والقريبة من "جبهة النصرة"، وذلك إثر محاولة قوات أمن النظام اعتقال نشطاء بين النازحين الوافدين إلى القرية. وقد أسفرت اشتباكات دارت بين قوات النظام، تدعمها عناصر ما يسمى "جيش الدفاع الوطني"، وبين كتائب المعارضة المسلحة، عن مقتل أربعة وإصابة 11 من مسلحي المعارضة. وقد استخدمت قوات النظام سلاح الطيران خلال هذه المواجهات. وكانت النتيجة تدمير عدد كبير من منازل القرية، وإحراق بعضها الآخر، وتشريد معظم سكانها ونزوحهم باتجاه قرية عرى المجاورة، ولا سيما بعدما أشاعت أجهزة النظام أن "جبهة النصرة" احتلت قرية خربا.

وتقول بعض المصادر إن المنطقة "تشهد تجمع حشود عسكرية تابعة لقوات النظام، وعناصر من الدفاع الوطني في السويداء، بهدف استعادة القرية ومواجهة التطورات".

وفي رواية أخرى، فإن اشتباكات اندلعت في محيط خربا بين عناصر من الجيش الحر، الموجودين في محيط مدينة بصرى الشام التابعة لدرعا، وبين مدنيين مسلحين كانوا في محيط القرية. وأشارت مصادر الجيش الحر إلى أن الأخير "رد على مصادر إطلاق النار وتقدم باتجاهها". وبحسب هذه الرواية، تسلّلت إلى القرية عناصر من "جبهة النصرة"، استغلت الاشتباكات الدائرة للدخول إليها.

من جانبها، لفتت "فرقة المغاوير الأولى" التابعة للجيش الحر، في بيان، إلى أنه "بعد ورود معلومات عن المدعو فرحان الرزق من بلدة خربا، والتابع للجان الشعبية (الشبيحة)، بتعامله مع النظام، ورصده تحركات الجيش الحر في المنطقة، قامت مجموعه من لواء "صقر حوران"، التابع لفرقة "المغاوير"، ولواء الدرع التابع لفرقة اليرموك، بمداهمة منزل المذكور، واعتقاله، فتم الكشف عن خلية تتبع لعصابات الأسد وبحوزتها كمية كبيرة من الأسلحة". ويتابع البيان أنه في الاشتباكات القوية التي اندلعت قرب مركز "الخلية"، استطاع "الجيش الحر القضاء على عدد من الشبيحة، وأسر بعضهم وصادر أسلحتهم".

كما أفاد البيان عن "استشهاد أحد عناصر لواء صقر حوران"، التابع لفرقة المغاوير الأولى في الجيش الحر، وإصابة قائد "كتيبة شهداء حوران".

غير أن ما جرى ويجري في خربا، رغم اختلاف الروايات، لا يصبّ إلا في مصلحة النظام وسياسته في اللعب على شعار "حماية الأقليات".

وانتقدت بعض الأصوات المعارضة في السويداء، "الجيش الحر"، أو مَن قام بهذه العملية في قرية خربا، التي استقبلت نازحي ريف درعا القريب، ولا سيما عبر هيئتها الدينية من خلال كنيسة القدّيس جاورجيوس. وفي حين اعتبر عدد من المعارضين أن ما حصل كان خطأ يصبّ في مصلحة النظام، فقد رأى البعض الآخر، أن المقصود من وراء ما حدث كان "محاولة بثّ فتنة طائفية" يفتعلها النظام، بين بعض مشايخ الدروز المسلحين، الذين نظّموا أنفسهم أخيراً تحت شعار "حماة الأرض والعرض"، وبين أهلهم من مسيحيي السويداء، وذلك في حال لم يقم "المشايخ المسلحون" بحماية القرية المسيحية. ناهيك عمّا يرى فيه البعض محاولة جديدة من النظام لإشعال الفتنة "وتخريب علاقات الجوار بين أهالي درعا، وبين أهالي السويداء"، التي كرّسها اتفاقٌ للسلم الأهلي توصل إليه بعض وجهاء المنطقتين، بعد حالات اختطاف متبادل متفرّقة لأفراد من درعا والسويداء، تبع ذلك قيام مسلحين من جهة درعا بهجمات مسلحة محدودة على بعض قرى ريف السويداء الغربي.

وكانت مدينة السويداء قد شهدت، قبل أيام، تحركاً شعبياً، اعتبر الأكثر إثارة للجدل بين أبناء المنطقة، إذ تظاهرت مجموعة من مشايخ الدين بسلاحها الخفيف أمام مقام "عين الزمان"، أحد أهم دور العبادة في المحافظة، ومقر لقاءات مشايخها، رفضاً لما وصفه بيان لاحق للشيخ وحيد البلعوس، أحد رجال الدين، بـ"توظيف أي مظهر من المظاهر الدينية في المناسبات التي تصب في صالح النظام"، إضافة للمطالبة بإقالة رئيس فرع الأمن العسكري في السويداء، نظراً "لسوء سلوكه واشتداد قبضته الأمنية على المحافظة". وقد بلغت المطالبة حد قتله، خلال تظاهرة مشايخ الدين.

وأكّد المشايخ، الذي رفعوا خلال التحرك السلاح علناً، أنهم "ليسوا مأجورين لأحد، لا من النظام ولا من المعارضة المسلحة"، محذرين كل الأجهزة الأمنية من محاولات استغلالهم، وشددوا على أنهم كطائفة "لا تمثّل إلا نفسها". كما رفضوا بالمطلق التخلي عن سلاحهم، "حتى انتهاء الأسباب التي اضطرتهم إلى ذلك".

وقد جاءت هذه التظاهرة المسلحة على خلفية اعتقال جهاز الأمن العسكري أحد المشايخ، بسبب اقتحامه خيمة أعدّتها أجهزة السلطة في المدينة، تمهيداً لدعم حملة ترشيح الرئيس بشار الأسد للانتخابات الرئاسية المقبلة.

والمريب في الأمر، أنه بعد هذا التحرك بأيام معدودة، استُهدفت مدينة السويداء بثلاثة صواريخ من طراز "غراد"، لم تسفر عن ضحايا. وقد تبناها فرع "جبهة النصرة" في درعا، في بيان له، ليزيد بذلك من الجدل الدائر بين أبناء المحافظة، والشرخ في المواقف، ممّا يجري من أحداث في البلاد.

منذ وبداية الثورة السورية، قبل نحو ثلاث سنوات، عمد النظام السوري، إلى تحييد السويداء بكل الوسائل الممكنة، مستخدماً في ذلك أساليب الترغيب والترهيب والقمع ضد تحرك نشطائها وتظاهراتهم السلمية. وقام بحملات اعتقال عديدة بين صفوفهم، إذ قضى نحو عشرين منهم تحت التعذيب في معتقلاته. لكن يبدو الوضع في السويداء، هذه الأيام، على غير ما قد يرغب النظام به، إذ تشهد المحافظة حركة تسليح واسعة وتشكيل فصائل مسلحة، ذات طابع ديني عموماً، إثر تجميد "كتيبة سلطان الأطرش"، التابعة للجيش الحر، عملياتها، نتيجة حرمانها من الدعم المادي والعسكري.

وقد أعلن، في 17 أبريل/ نيسان، عن تشكيل "فصائل الدفاع الأهلي" (فداء). وجاء في بيان لهذه الفصائل: "نعلن، في جبل العرب، عن تشكيل فصائل الدفاع الأهلي (فداء)، فدائيو بني معروف، مشكلين من مختلف شرائح المجتمع الأهلي، رجالاً ونساءً مسلحين، متعاضدين مع مشايخنا الميامين، حراساً لأرضنا وبيوتنا، حمايةً لأعراضنا وأرزاقنا، لا نستَعدي أحداً ولا نعتَدي على أحد، ونتعاون مع كلّ مَن يعمل على حماية أهله وناسه من دون تمييز، ونصبّ نارنا على كل معتدٍ، ومن أي مصدر كان، فعدوّنا هو كل مَن يعتدي علينا، وليس كما يروج البعض عن عداء الحوارنة والبدو مثلاً".

كما جاء في البيان: "نؤكد أنّ كل أبناء الوطن إخوة لنا، وكل الجوار لنا في درعا ومحيطنا والبدوّ بيننا، من السنّة والشّيعة والعلوييّن وغيرهم وكل مكوّنات البلد، لا فرق بينهم، إنهم إخوة لنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، نستقبلهم في بيوتنا سالمين غانمين طالما جاؤوا بسلام، فالدين لله والوطن للجميع".

المساهمون