أتراك أوروبا بعد الانقلاب الفاشل: انقسام وخوف من العنف

أتراك أوروبا بعد الانقلاب الفاشل: انقسام وخوف من العنف

26 يوليو 2016
الصورة
تظاهرة لأتراك في برلين ضد محاولة الانقلاب(طوبياس شوارز/فرانس برس)
+ الخط -
تبدو تجليات الانقسام التركي واضحة في المهاجر الأوروبية، بعد مرور أكثر من أسبوع على الانقلاب الفاشل، في مواقف وتحركات شملت عدداً من دول الانتشار. ويأمل القائمون على الجاليات التركية ألا تؤثر هذه التحركات على أتراك أوروبا وترابطهم، بينما يخشى ساسة غربيون من تفاقم العنف ونقل ما يجري في تركيا إلى صفوف الأتراك في الخارج.
تضم ألمانيا العدد الأكبر من المهاجرين الأتراك، الذين يقدّر عددهم بنحو 3 ملايين، ينقسمون بين مكوّنات الشعب التركي، مع وجود كردي كبير. وبين الجالية التركية انقسام بين حزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا، وحركة "الخدمة" التي يتزعمها فتح الله غولن، وحزب "العمال الكردستاني". وبعد الانقلاب الفاشل، خرج أتراك في تظاهرات في عدد من المدن الألمانية. ونقلت صحف غربية ومواقع صحافية تركية أن متظاهرين أتراكا اصطدموا مع مواطنين أكراد في كولون الألمانية. ويحذر مصطفى أوتزون، من الجمعية التركية في هامبورغ، في حديث مع "العربي الجديد"، من "تفاقم الانقسام بعد أن ترافق إعلان حالة الطوارئ في تركيا مع حملة إعلامية غربية تثير مشاعر البعض"، معتبراً أن "وضع تركيا لا يسمح بهذا الانقسام الذي من الممكن أن يكون ضاراً بمصالح الأتراك في ألمانيا". ويشير أوتزون إلى أنه "في ليلة الانقلاب كان الناس غاضبين، فخرجوا للتعبير عن ذلك الغضب في كولون"، مضيفاً: "لم يتعرض أحد لاعتداء، كما أرادت الصحف وبعض المواقع وصف أنصار الشرعية والديمقراطية".
وفي النمسا، خرج نحو 4 آلاف متظاهر في تحركات معارضة للانقلاب في العاصمة فيينا، وشهدت إحدى التظاهرات، وفقاً للشرطة، اعتداء على مطعم يملكه أكراد. واستدعت تحركات الجالية التركية ردود أفعال سياسية نمساوية حادة.
كما شهدت هولندا وبلجيكا تحركات واسعة للجالية التركية. ويدعي أنصار غولن في الصحافة المحلية ووسائل التواصل بأنهم يتعرضون "لاضطهاد في روتردام وأمستردام وزاندام". وأشارت صحيفة محلية إلى أن "مركزاً ثقافياً يتبع لأنصار غولن في روتردام تعرض لرشق بالحجارة". والأمر نفسه حصل في بلجيكا، حيث تمت كتابة عبارات على جدران أحد المراكز المؤيدة لغولن، مع إطلاق دعوات لمقاطعة شركات يديرها من يُعتقد أنهم متعاطفون مع غولن، وهو أمر لم يكن يحدث إطلاقا بين الأتراك في السابق، فهم معروفون بتضامنهم الداخلي القوي حتى في المسائل التجارية في معظم بلدان المهجر.
وعن ذلك الانقسام، يقول الناشط التركي في حزب يساري دنماركي كمال يلماز لـ"العربي الجديد": "هناك أفراد ومجموعات بيننا يرون صراحة أن حكم العسكريين أفضل لتركيا، وموقفهم يقوم على تطرف أيديولوجي. ومما لا شك فيه بأن حركة الخدمة لديها انتشار كبير في صفوف المهاجرين الأتراك في عدد من دول أوروبا، بالإضافة إلى تيارات أخرى". ويضيف: "الانقسام الذي ظهر في ألمانيا ودول الشمال وغرب أوروبا، يتسم ببروز انتماءات قومية، على الرغم من أن الجميع كان يعاني خلال فترة الحكم العسكري في تركيا، بمن فيهم الأكراد المنتشرون في المهاجر".
ليلة محاولة الانقلاب في تركيا في 15 يوليو/تموز الحالي، أطلّت عضو البرلمان الدنماركي السابقة أوزليم شيكيك، ذات الجذور الكردية، أثناء زيارتها وعائلتها لتركيا، عبر موقعها الرسمي، لتنقل وسائل إعلام دنماركية رأيها بأنها تقف "محايدة". وكتبت شيكيك: "أريد العودة إلى بلدي الدنمارك المسالم والديمقراطي". استهجن بعض الأتراك موقف شيكيك التي كانوا يصوتون لها في المهجر.
ويفيد يلماز في هذا المجال بأن "الكثير من الشباب في الأندية والجمعيات التركية لم يفهموا معادلة أن تكون اشتراكياً (في إشارة إلى أوزليم شيكيك) ولا تندد بمحاولة انقلاب على الديمقراطية، بغض النظر عن الملاحظات على (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان وحزبه". وبالفعل قالت شيكيك إنها تلقت رسائل إلكترونية "عاتبة ومنتقدة لموقفي بين صفوف الدنماركيين-الأتراك لأني لم أدعم أردوغان". وحاولت شيكيك أن تشرح موقفها، معتبرة أن "هناك عدوى وصلت أتراك الدنمارك من نقاشات تركيا، ولا يوجد توازن دقيق في النقاش. فإما تكون مع أردوغان أو ضده"، مضيفة: "أنا لا أدعم الانقلاب ولكن لدي انتقادات ضد أردوغان". الموقف نفسه عاشته عضو البرلمان الحالية يلدييز أكدوغان التي قالت: "إن كتبت شيئاً فيه نقد لأردوغان أو محاولة الانقلاب، فأنت صرت تتلقى أجوبة من نوع: عليك أن تطبقي فمك وتخرسي".


وفي هذا السياق، يقول الشاب تركي حقان كوزاي، المولود في الدنمارك، إن "النقاش أصبح أكثر سخونة عن السابق بين مؤيدي أردوغان ومنتقديه"، موضحاً أن "هناك تغييراً وفرزاً واضحاً، فالأتراك في السابق كانوا يتزوجون ويتعايشون وإن اختلفوا كثيراً في مواقفهم السياسية، لكن الآن نسمع نقاشاً مختلفاً وحاداً". أما فرقان، وهو أيضاً شاب من أصول تركية وُلد في ضواحي كوبنهاغن، فيقول: "أعرف شباناً يدرسون في مدرسة تتبع حركة الخدمة، أهاليهم يؤيدون حزب العدالة والتنمية، وباتوا يفكرون الآن بنقلهم من المدرسة".
بحسب "مركز الإحصاء الوطني" في كوبنهاغن، يتجاوز عدد أتراك الدنمارك الستين ألفاً، نصفهم ولدوا في البلاد، وهي من أقدم الجاليات المهاجرة. ولهؤلاء ثقل اقتصادي وسياسي واجتماعي. وتنقسم الجالية التركية بين مكوّنات قومية ودينية عدة، لكنها في المجمل تعتبر نفسها مهتمة بتركيا كبلد للجميع.
ويعترف الإمام والمحاضر التركي-الدنماركي فاتح علييف، بمستجدات طرأت على أتراك أوروبا، قائلاً إن "ردود الأفعال أصبحت أكثر حدة، فالمؤيدون لأردوغان يرون ما جرى كأفظع حدث عاشته بلادهم، وهم يتوقعون من الجميع موقفاً مؤيداً للرئيس".
ونظّم "الاتحاد الديمقراطي التركي" تظاهرة في كوبنهاغن نهاية الأسبوع "دعماً للديمقراطية" في تركيا. ويشير رئيس الاتحاد المنتخب، سعيد أحمد أوزكان، إلى "زيادة كبيرة في أعداد المشاركين في النقاش التركي عبر وسائل التواصل في المهجر، وهذا أمر طبيعي، لكن يجب أن نحتفظ بمواقف عقلانية لا عاطفية، فالأخيرة تضر بالأتراك". ويلفت أوزكان إلى تصاعد الاهتمام بالنشرات الإخبارية والتعبير عن الموقف "بوضوح".
أما الصحافي والمؤرخ التركي الكردي، دينيز سيرينشي، فيشرح أن "الكثير من المهاجرين الأتراك في ألمانيا لديهم خلفية أكاديمية، بينما في الدنمارك معظمهم من الأرياف والفلاحين، وبين المهاجرين من يؤيد العلمانيين والأكراد والليبراليين والعلويين، وهو ما يؤدي إلى مثل هذا التصادم أو الحدة القائمة في الفرز إلى مجموعات متقابلة". ويضيف: "الأتراك في ألمانيا منقسمون بين شيوعيين وإسلاميين وملحدين وليبراليين وعلمانيين، وهو ما يجعل النقاش والمواقف متوترة".

المساهمون