أبو يعرب المرزوقي: الدين والفلسفة يسعيان للغاية نفسها

19 أكتوبر 2015
الصورة
المرزوقي
+ الخط -
*انطلاقًا من موقعك واختصاصك واهتماماتك، هل تعتقد بأن الفلسفة قد خرجت من أزمتها؟

لو خرجت الفلسفة من أزمتها لتوقفت. فالفلسفة في النهاية هي الأزمة الدائمة. وهي ذلك الجهد المتواصل من أجل معالجة الأزمات في موضوعاتها. هي إدراك الإنسان للموجودات التي تعيش دائمًا في أزمة. وتتمثّل الأزمة في التناقض القائم بين تصوّرها المثالي وحقيقتها الفعلية، كما توجد كظاهرات طبيعية أو ثقافية أو اجتماعية أو خلقية. فالفلسفة تحاول فهم هذا التناقض وكيفية فعله وتأثيره وصيرورته، كي يصبو نحو المثال أو ينكص فيدنو مما هو مناقض للمثال. الفلسفة لا توجد إلا لكونها علاجًا دائمًا لأزمة دائمة.

* إذا كانت علاقة الفلسفة بالأزمة عضوية على هذا النحو، فلماذا إذن، تراجعت مكانة الفيلسوف وتقلّص دوره في مرحلة تاريخية مأزومة بامتياز؟

لم تتراجع مكانة الفيلسوف، وإنما أصبحت مكانته لصيقة بالمجالات التي تعدّدت وتفرعت. هناك فيلسوف العلوم، وفيلسوف الأخلاق، وفيلسوف الاجتماع أو الاقتصاد. وبالتالي لم تتراجع مكانة الفيلسوف وإنما تعدّدت بتعدّد التعقيد في مجالات بحثها. فعندما كانت هذه المجالات في بدايتها موحّدة، كان بإمكان الفيلسوف الواحد، الجمع بين تناقضات مختلف هذه المجالات. أما اليوم فأصبح كل مجال مدخلًا للمجالات الأخرى، بل صار منطلقَ منظور لعلاقاتها بعضها ببعض. فتناقضات الاقتصاد يمكن أن تكون مدخلًا لتناقضات الاجتماع أو الأخلاق، وبذلك أصبح الفيلسوف له منظور وموقف من الإشكاليات التي يعيشها مجال آخر مثل العلوم. وبالتالي ما كان موضوعات للفلسفة صار منظورات، إذ هناك نظرية الاقتصاد ونظرية الأخلاق.

اقرأ أيضًا: فتنة هشام


* لكن لو أخذنا المجال الاقتصادي، للاحظنا أنه عندما يتوصّل المختص في الاقتصاد إلى نظرية، لا يقال عنه فيلسوف وإنما يتحدّثون عنه باعتباره رجل اقتصاد، وبذلك تم حجب دور الفيلسوف.

لا يعني ذلك حجبًا للفيلسوف، وإنما إذا تعامل الاقتصادي مع الاقتصاد كموضوع فهو عالم، لكن إذا تعامل مع الاقتصاد باعتباره منظورًا للتعامل مع القضايا الأخرى ذات صلة بالاقتصاد، إمّا باعتبارها تطبيقات للاقتصاد أو من ناحية مؤثرات في الاقتصاد أو متأثرات به، فإنه بذلك ينتج خطابًا فلسفيًا. قد يكون هذا الخطاب متواضعًا ولا يعتبر صاحبه فيلسوفًا مثلما حصل مع صاحب جائزة نوبل منذ سنتين، وقد زار تونس، ولعله كندي الجنسية، وكان مختصًا في الاقتصاد، لكنه في الحقيقة فيلسوف أراد أن يصلح الاقتصاد باعتباره القوّة المهيمنة، وأن يجعل منه عاملًا إلى جانب عوامل أخرى.

* الآن إذا انتقلنا من الإطار العالمي إلى الفضاء العربي، هل يمكن أن نجد للفلسفة موقعًا داخل برامج التعليم وفي الفضاء العام؟

هذه هي مشكلة الثقافة العربية من وجهة نظري. فعندما عرفت الفلسفة أوّل مرة ربما بسبب توظيفها، اعتبرتها في صراع مع الدين وبديلًا منه. وهو ما جعلها تقف منه موقفًا معاديًا. صارت النخبة الحاكمة والعالمة - وهي ذات طابع ديني - معادية للفلسفة. لكن شيئًا فشيئًا بدأت النخبة تطّلع على الفلسفة وتدرسها، خاصّة مع الغزالي، فأصبحت بذلك أدرى بالبعد النقدي للفكر الفلسفي. لهذا يُلاحظ أن كبار المبدعين في هذا المجال، ليسوا من الفلاسفة بالمعنى التقليدي، وإنما هم ممن كانوا ينتمون إلى الثقافة الدينية مثل الغزالي وابن خلدون وابن تيمية وصاحب المقاصد. هؤلاء أدركوا أن الفلسفة تُعرف بصورة فكرها لا بمضمونه: فهي أسلوب علاج وليست مسألة عقائدية. إنها العلاج المنطقي والفكر النقدي، أسلوبٌ في التعامل مع القضايا، من دون أن تتحوّل الفلسفة بالضرورة إلى موقف عدائي من الدين. أي أنهم أدركوا أن الفلسفة عندما تصل إلى غايتها من خلال القيم العليا مثل الخير والجمال، تصبح هي والدين ساعيين إلى الغاية نفسها.

اقرأ أيضًا: الوجوه المتعددة للنبوة

* هذا حصل في السابق فكيف تبدو العلاقة بينهما اليوم؟

اليوم، اكتشف الغرب أن العقلانية، أو الحساب عندما صار كليانيًا، جعل العلم في خدمة المصلحة التي تهمل الكثير من أبعاد الإنسان الأخرى، فأدّى توظيفه إلى حربين عالميتين. إدراك وحدانية البعد هذه وأخطارها، هو بداية ما سمي بنقد الحداثة. ونقد الحداثة هو إدراك بأن العقل إن لم يقف عند حدوده وادّعى الإحاطة والإطلاق، أصبح عقديًا وإيديولوجيًا، فيتنافى مع المتعاليات العقلية والخلقية والدينية. ولهذا فإني أعتقد أن الحضارة الغربية تعود الآن إلى الروحانيات من جديد، وتعتقد بأن الاكتفاء بالحساب والمصلحة من شأنه أن يؤدّي إلى إفساد البيئة الطبيعية باقتصاد السوق الأعمى، وكذلك إفساد البيئة الأخلاقية بثقافة السوق الاستهلاكية. يعيش الغرب اليوم تجربة إصلاحية روحية وأخلاقية مهمة. لكن الكثير من المثقفين العرب لا يدركون ذلك وما يزالون مغترّين بالعقلانية غير النقدية. الغرب ليس ماديًا ولا ملحدًا، خاصة بعدما أدرك حدود الحداثة التي تنبني على الفاعلية الاقتصادية والتقنية، وأنها مقصورة عليهما.

* لكن كثيرا من المختصين يتحدّثون عن وجود أزمة قيمية حادة يعيشها الغرب الآن.

يقولون ذلك لأنهم لا يفهمون الغرب المتحرّك والمتغير على مرّ الأيام. جلّ المثقفين العرب من الحداثيين، وجلّ رجال الدين، لا يزالون يعيشون معركة بين القرون الوسطى والحداثة: وهي دونكيشوتية أليمة. يصارعون طواحين الهواء. ولعلّ أفضل مثال، بعض السطحيين من جماعة الحداثة في تونس، الذين يقتصرون على قشور الفلسفة الغربية، من دون الغوص إلى أعماق الغرب الذي يعود على ذاته ليفتح آفاقًا جديدة، وهو الآن يمر بمرحلة جديدة. منذ أن اعتزلتُ العمل السياسي، قمتُ بترجمة كتاب من دروس فلسفة الدين لهيغل، من نصه الأصلي وقسّمته إلى جزئين، بعدما اعتبرت أدلة وجود الله جزءًا مقومًا منه وليست "ضميمة": الجزء الأول هو "جدلية الدين والتنوير" والجزء الثاني هو "تكوينية الوعي الإنساني والديني". وكلاهما صدر عن مؤسسة كلمة في أبو ظبي تحت عنوان جامع: "من دروس فلسفة الدين لهيغل". والهدف هو بيان دور الدين في الروحانية الغربية، وأن الغرب الحديث ليس في قطيعة مع الدين، وإنما هو في قطيعة مع تسلّط المؤسسات الدينية على باقي المؤسسات قبل مرحلة التنوير.
اللافت للنظر أن ما كانت تقوم به هذه المؤسسات الدينية من سيطرة على مختلف المجالات، أصبحت تقوم به اليوم الدولة. فالمؤسسات الدينية كانت وظيفتها تقف عند ما نسميه اليوم بالمجتمع المدني، يعني الاهتمام بالصحة والتعليم والعناية بالفقراء الذي كان يسمى عندنا بالأوقاف. لكن بعد ذلك مدّت الكنيسة يدها إلى الحكم اليومي أي المجال السياسي، عندها سيطرت على كل شيء وحولته إلى مقدّس، وأصبحت تعتبر الحكّام يرثون الحكم بمبدأ الحق الإلهي، كما بيّن جون لوك في نقده.

اقرأ أيضًا: المفكر هشام جعيط، الحركات الإسلامية الراهنة تنظيمات إيديولوجية

ماذا فعلت الدولة بالعلمنة؟ أخذت وظائف الدين وسيطرت على المجتمع المدني، وأصبح لها وظيفة الرعاية، أي أنها لم تكتفِ بوظيفة الحماية: تحمي الحدود والأمن وتنظّم العدالة والأمن، وإنما أرادت أيضًا أن تنظّم معيشة الناس وصحّتهم وتعليمهم، فصارت بذلك الدولة سلطة سياسية وأيضًا سلطة روحية. وعندئذ، أصبحت بما تملكه من نفوذ مادي، تفرض معاييرها في غير مجالها، أي في ما كان تابعًا للمجتمع المدني، وهو ما جعل الإنسان يفقد حريته وقدرته على الاستقلال بذاته. فعندما كان هناك نظام الأوقاف في التجربة العربية الإسلامية، كان التعليم مثلًا مستقلًا تمامًا عن الدولة، أما اليوم فالتعليم بيد الدولة. فأصبح يكفي أن يقرر زين العابدين بن علي تغيير برنامج التعليم حتى يُستجاب لرغبته، وبعدما كانت تونس في مقدّمة دول المغرب العربي في المجال التعليمي أصبحت في ذيلها، وهو أمر خطير جدًا.
من حسن حظ الغرب أنه حافظ على استقلال التعليم، قام بتمويله وساعده لكنه لم يهيمن عليه، بل العكس هو الصحيح لأن التعليم وخاصّة البحث العلمي، هو سرّ كل قوة مادية وروحية. وهو أساس التنمية الاقصادية والاجتماعية.

* أنت تريد أن تقول إن الدولة العربية لم تتجه نحو الفصل بين الدولة والدين، وإنما عززت هيمنتها عليه؟

طبعًا، فالدولة تدّعي العلمانية في الأقوال، لكنها صارت دينية بالأفعال. فهي بسيطرتها على وظائف المجتمع المدني صارت دينية، لأنها تحسم بقوّة الدولة المسائل القيمية والمصلحية في آن. هي تريد اليوم أن تحدّد مضمون الخطاب الديني ولا تترك الجماعة تنظّم حياتها الروحية بحرية. كيف يمكنك أن تحدّد مضمون الخطاب الديني والخطاب الخلقي والعلاقات الأسرية وأنت علماني؟. فهذه جميعها وظائف روحية تحدّدها الجماعة بحرية، وليست وظائف سياسية يحدّدها الحاكم بقوة الدولة.

* أنت تعتبر أن هذه ليست سوى علمانية "مغشوشة".

الغرب أدرك اليوم أن العلمانية اليعقوبية التي فرضتها الثورة الفرنسية على سبيل المثال، هي علمانية "مغشوشة". فما بالك بما هو موجود عندنا؟. في حين أن العلمانية الألمانية مختلفة تمامًا، لقد تركت للمؤسسة الدينية وظيفتها، بعدما أبعدتها عن مجال الحكم والتمييز بين الناس على أساس مذاهبهم، وجعلت التعامل معهم باعتبارهم مواطنين متساوين أمام القانون والفرص. وتلك هي وظيفة الدولة باعتبارها تؤدّي دور الحكم. لكن الخيارات القيمية والخلقية، من قضايا المجتمع المدني والتوجّهات الروحية والخلقية للجماعة، وهي تخضع للحوار العام وحتى للصراع، لأن الصراعات داخل المجتمع المدني نوعان؛ صراعات على المصالح وهي قضايا نقابية، وصراعات على القيم وهي قضايا روحانية. أما نحن فالقيم صارت بيد الدولة إلى جانب المصالح والعلاقات الاقتصادية والثقافة، فماذا بقي من الحريات ؟ لم يبقَ شيء.
لا توجد دولة أكثر حداثة من أميركا. فكل شيء هناك تحدّده اللوبيات، وهي الجماعات ذات المصالح المتضاربة وكذلك القيم المتنافسة. فإذا نجح لوبي معين في الانتخابات، أصبحت له القدرة على ممارسة التشريع، وبالتالي يصبح التشريع القانوني مبنيًا على حرية التشريع القيمي. فالعقد السياسي قائم على حرية التشريع القيمي، إمّا بالمعنى المادي بحكم ارتباطه بالاقتصاد، أو بالمعنى الخلقي بحكم ارتباطه بالمنازل والقيم. ولهذا السبب يتمتع الدين بمكانة كبيرة جدًا في الولايات المتحدة الأميركية. فكل كنيسة تعبّر عن أفكارها، وتدافع أيضًا عن اختيارات سياسية ولا أحد يعترض على ذلك، لأنهم يعتقدون بأن وظيفتهم الأساسية هي مساعدة الجماعة على حسن إدارة الاختيارات القيمية والاختيارات المصلحية. وعندما يتشبّع المجتمع بذلك سيختار من يمثله في الدفاع عنها، وتلك هي السياسة المعبّرة عن إرادة الجماعة المؤلفة من مواطنين أحرار.

اقرأ أيضًا: إدغار موران، نحن إزاء نكوص بدائي للفكر

هناك مبدأ وضعه علم الكلام والفلسفة من أفلاطون إلى اليوم، وهو أن الإنسان السوي الحقيقي يجب أن تكون له إرادة حرة، وعقل قادر على المعرفة بحرية، وقدرة على إنجاز ما يريد بفضل عقله ليعبّر عن حياة سعيدة، وبذلك يكون موجودًا. وهي المبادئ الخمسة، التي لو تأمّلنا فيها لوجدنا أنها هي عين صفات الله الذاتية: فعّال لما يريد، محيط بكلّ شيء، على كل شيء قدير، هو الحي القيّوم، وهو الوجود. وبالتالي فالإنسان السوي هو الذي يسعى للتمتّع بشيء من هذه الصفات.

إذا عدنا إلى الدولة العربية نلاحظ أنها نفت كل هذه الصفات: لم يبق للإنسان العربي أي منها. فأولًا الحاكم نفسه لا صفة له لأنه حاكم مسيطرٌ عليه ممن نصّبه ويحميه ضدّ إرادة شعبه. فالرئيس السابق لتونس زين العابدين بن علي عيّنته المخابرات الأميركية ولم يختره الشعب ليلي بورقيبة. وهو جاء بانقلاب طبي. وبالتالي فهو محكوم فيه وقد أطلقوا يده للتصرف في الشعب من دون حسيب ولا رقيب. المهم أن يحافظ على مصالح الذين وضعوه في ذلك المنصب. وبالتالي فإن الإرادة التي هي السياسة، ليست بيد الدولة.

هذه النخبة المسيطر عليها، تسيطر بدورها على المعرفة. فالجامعة لا تنتج العلم الذي يحقق التنمية المادية والروحية فضلًا عن المعرفة الخالصة لذاتها. هي ذات وظيفة إيديولوجية لا معرفية: تبشّر بما تسميه مكتسبات الحداثة. وبذلك تقوم بمحاربة ثقافة الشعب أي بما يسمى المهمة التحضيرية التي كان الاستعمار يفرضها على السكان المحليين (Indigènes). أما الاقتصاد فهو لا ينتج، وإنما يأخذ ثروة الشعب والدولة، ويؤدّي دور الوسيط مع الشركات الأجنبية لامتصاص الثروات الطبيعية وتصدير الإدخار إلى البنوك السويسرية. بقي الفن، وهل لدينا فنّ؟ مستوى الانحطاط الفكري لم يتجاوز الفولكور وقشور الحداثة. قارن ذلك مثلًا بما كانت عليه ألمانيا لحظة نهوضها عندما كان أدباء تلك المرحلة من أمثال غوته وشيلر وهاينه.
أخيرًا نصل إلى الوجود، ونلاحظ بأن الوجود في العالم له تعبيرتان؛ تعبيرة فلسلفية وتعبيرة دينية. وهما عند هيغل تعبيرة واحدة، وإن بأسلوبين مختلفين؛ اختلاف بين الأسلوب الفلسفي بالدليل العقلي، وبين الدليل الوجداني في المجال الديني، وكلاهما يعبّر عن رؤى الوجود والعالم. هل لدينا في العالم العربي اليوم رؤى للوجود والعالم غير تابعة، تفتح آفاقًا للإنسان العربي وتساهم في تطور الإنسانية؟.

* ماذا يعني ذلك؟

يعني أننا نعاني أزمة على مستوى النخب الخمس التي ذكرتها، نخبة الإرادة أي السياسيين، ونخبة المعرفة ويمثّلها الجامعيون، ونخبة الاقتصاد ممثلة في رجال الأعمال، ونخبة الفنّ والأدب، ونخبة الوجود ويعبر عنها رجال الدين والفلاسفة.

* تتحدثون عن قوّة الدولة، في حين نحن في تونس على سبيل المثال نشكو من ضعف الدولة، ونسعى منذ أن تمّت الإطاحة بحكم بن علي إلى إعادة الاعتبار للدولة وهيبتها بسبب حالة التسيّب التي أصبحت تهدد بتفكك المجتمع؟

الدولة الحديثة مختلفة عن الدولة القديمة التي كانت لديها وظيفة وحيدة هي الحماية، وبيدها القضاء والشرطة والدبلوماسية والدفاع
. حماية داخلية ممثلة في القضاء والأمن، وقد أصيبا بالفساد في عهد بن علي وليس في عهد الثورة. الثورة ضدّ الاستبداد وفضحت الفساد.

أما الحماية الخارجية فتتولاها الخارجية والدفاع، وهما غير موجودين بالمرّة. فالدبلوماسية كانت للدعاية لبن علي، والدفاع لحماية النظام لا الوطن. وهذه الأطراف الأربعة تعمل تحت سلطة الاستعلامات والإعلام الرسمي. وهذا المشهد لا يتعلّق فقط بتونس، ولكنه يشمل جميع البلدان العربية، لأن الدولة عندما تكون تابعة في مجال الحماية لا يمكن أن يكون لديها قضاء فاعل أو دبلوماسية مستقلة. فحتى المخابرات مخترقة من الدول الأجنبية، وبالتالي هي تعمل لصالح الأطراف الخارجية.

فضل الثورة أنها فضحت ذلك، كان الفساد مخفيًا فأظهرته، ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما جاء الإرهاب أيضًا، فزاد من تعرية المشهد وكشف ما كان مخفيًا في الدولة العربية.
أما الوظيفة الثانية، نقصد الرعاية التي هي في الأصل وظيفة المجتمع وليست وظيفة الدولة، فبدل أن يختار المجتمع نظامه التربوي من خلال تحديد القيم التي يؤمن بها، وضبط الاحتياجات التي يريد تحقيقها في تنميته المادية والروحية، تمّت مصادرة هذا الحق. وقد رأينا أن المجتمع ليس مسموحًا له أن يقوم بذلك. أما بالنسبة إلى النمط المجتمعي فهو أيضًا لا يحدده المواطنون، وإنما تفرضه نخبة صغيرة مغتربة في قشور الحداثة، وجهلٍ مطبق بأعماق الحضارة الغربية والإسلامية وفق ما يسمونه بـ "مكتسبات الحداثة". وبذلك تصبح قيم المجتمع خاضعة دائمًا لحرب تديرها نخب مغتربة، وتوظيف قوة الدولة لفرض قيم بديلة من قيم مجتمعها، بدعوى أنها تريد أن تحدّثه رغم أنفه، وبإيقاع هي التي تعيّنه، فتفسد التربية والثقافة وتحّولهما إلى أداتي صراع إيديولوجي. وبالتالي وقع حرمان المجتمع من تحديد نظام تعليمه أو اختيار نمط حياته.

بعد ذلك يأتي دور التموين، أي تموين الجسم ونقصد بذلك الاقتصاد والتنمية المادية؛ بضائع وخدمات، وتموين الروح ونقصد الثقافة والتنمية الروحية علومًا وفنونًا. وهما أيضًا مجالان تحددهما الدولة، وخاصة من يتحكم في تمويلها بنسبة 80 بالمائة، أعني الشركات الأوروبية عامة والفرنسية خاصة وأغلب أصحابها صهاينة. وهو ما لاحظته عندما كنت ضمن الوفد الرسمي الذي صاحب زيارة رئيس الحكومة في عهد الترويكا حمادي الجبالي إلى باريس. فالزيت أو التمر التونسي والسياحة، تمرّ بوساطة صهاينة مرسيليا، وكذلك الشأن بالنسبة للرمان، حتى بورقيبة استعان برجال دين من كنيس ليساعدوه على ترويج صادرات تونس.

إذا أضفنا إلى ذلك منظومة البحث العلمي التي تتحكّم فيها أيضًا الدول الأجنبية، ويمكنني القول في هذا السياق إن أكثر الشرائح فسادا في تونس هي شريحة النخب الجامعية حتى وإن كنتُ جامعيًا. وأذهب إلى أكثر من ذلك، فأؤكد أن النخب الجامعية العربية أكثر فسادا من النخب السياسية العربية، رغم أنها في خدمتها، وجلّها أو جلّ من سلّطوها على الجامعات من طبّالي الأنظمة. وبناء عليه، إذا كانت وظائف الرعاية التكوينية والتموينية لا تقوم بواجبها، ومثلها وظائف الحماية ميتة، فتكون النتيجة أنه لا وجود لدولة.

اقرأ أيضًا: الشخصية التونسية كما يراها المؤرخ

الموجود حاليًا هو مافيات أو إقطاعيات تتقاسم قوت الشعب وتبذير ثرواته، في ما يزيده تبعيةً بسبب خيارات الاقتصاد الهشّ مثل السياحة. فعندما كان هناك قائد مافيا (بن علي) يقود الجميع، كانت دواليب الدولة تشتغل بمنطق الخوف. وعندما غاب هذا القائد، تعطّلت قواعد اللعبة القديمة، ولم يصلوا بعد إلى التوازن في سلم الرتب المافياوية وتوزيع الاقطاعيات.

* طيب، اليوم حصلت ثورة، وبالتالي توفرت فرصة الإصلاح وتأسيس دولة جديدة، لكن مع ذلك ازدادت الأوضاع سوءًا، ماذا حصل؟

لقد ضُربت الثورة منذ البداية إقليميًا ودوليًا، لهذا لم تصل موجتها الأولى إلى الناس، فتغلّبت عليها الثورة المضادة، وهو ما وضّح طبيعة المعركة، أي معركة بنية الدولة وبنية المجتمع الذي يحكم نفسه بنفسه. أي كيف يمكن للمجتمع العربي أن يدير شؤونه بعيدًا عن وصاية الدولة والتدخلات الأقليمية والدولية؟. هنا يجب التأكيد على أن المجتمع إذا اكتفى بالمعارك السياسية فإنه لن يجد حلًا، لأن الحل هو أعمق من المعارك السياسية، ويتمثّل في تفعيل الوظائف العشرة التي استعرضتها في ما سبق من حديث. وهي وظائف تحتاج لنخب تفهمها ولنظرية تحدّدها. وهذه الوظائف العشرة للدولة الحديثة تمّثل محاولة شخصية في تحديد أعضاء الدولة وعمل وظائفها. وهذا هو موضوع الكتاب الثاني الذي سأضيفه إلى مقدّمة ابن خلدون لكي يكتمل مشروعه. وهذه الوظائف العشرة هي التي يجب أن تتم فيها ثورة، ولن يحصل ذلك إلا إذا تربّى شباب الثورة تربية جديدة، وهو ما تفرغت له شخصيًا. لا أعتقد بأني صاحب مشروع.

لكني أعتقد بأن وظيفة المعلّم كافية لتحقيق ما يسميه ابن خلدون بمعاني الإنسانية التي هي غاية التربية: يمكن أن نربي شبابًا ليقود ثورة حقيقية وفق إستراتيجية من شأنها أن تمكّن العرب من تحوّل تاريخي داخل الإقليم على الأقلّ، فتحقق ثورتين: أولاهما، تحررنا من الاستبداد والفساد داخليًا، والثانية تحررنا من الاستضعاف والاستتباع خارجيًا. ولا يكون ذلك من دون تحقيق تكامل عربي من جنس التكامل الأوروبي، لأن حجم الدول في عصر العولمة من أهم شروط التنمية المادية والفكرية.

* هذا ما تعتقده أنت، لكن الإسلاميين يعتبرون أن دورهم الأساسي هو القيام بإعادة صياغة المجتمع وبناء دولتهم؟

لا ليس هذا، فتجربتهم تقوم على أدبيات كتبت خلال النصف الأوّل من القرن العشرين، ولم يعد لها دور. وذلك يختلف تمامًا عمّا كنت أذكره ، فالمشروع الذي أدافع عنه، يدور حول كيفية بناء توافق بين القيم الكونية الموجودة في القرآن وبين القيم العقلية التي يؤمن بها الإنسان عندما قام بنقد الحداثة. هناك قيم إنسانية مشتركة، بعد أن تم تجاوز تعثّر الحداثة الذي أدى إلى الحربين العالميتين، وانتهى إلى قيم عولمة مادية فقط، لا تعدلها بعولمة خلقية تؤمن بالأخوة البشرية وحماية البيئتين الطبيعية والثقافية لتكوين الإنسان السوي.

العولمة الخلقية موجودة في الآية الأولى من سورة النساء التي أكدت على أن كلّ البشر خلقوا من نفس واحدة، رجالًا ونساء متساوين لهم ربّ واحد ويمكنهم أن يتعاونوا فيما بينهم، إذ "لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجًا" (سورة المائدة 48) لكي يتسابق الناس في الخيرات، أي إن تعدد الأديان مقصود لتحقيق هذا التسابق، وليس بهدف التقاتل بين أصحابها.

* تقصد أن مأزق الإسلاميين فكري بالأساس؟

طبعًا، هو مأزق ثقافي فكري. مشكلة الإسلاميين أن منظّريهم لم يكونوا مطلعين لا على الفكر الإنساني ولا على التراث الإسلامي من خلال كبار منتجيه مثل الغزالي وابن خلدون وصاحب المقاصد. إذا تمّ إدراك ذلك، وزال العداء بين الفكر الفلسفي والفكر الديني، أصبح ممكنًا تحقيق المصالحة بين فكر الحداثة وبين قيم الإسلام التحررية.

* نختم بالاستفسار عن النتائج التي خرجت بها بعد تجربتك الصغيرة التي نقلتك من وظيفة الفيلسوف الناقد إلى وظيفة السياسي عندما تحمّلت مسؤولية المستشار في ظلّ حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة؟

أولًا اخترت في تجربتي السياسية موقعًا لا يقطع مع تجربتي المعرفية. فضلت أن أكون وزيرًا مستشارًا بدلاً من أن أكون وزيرًا صاحب حقيبة، لأني لو فعلت ذلك، لصرتُ مطالبًا بالممارسة اليومية في ملفات جزئية لأتمكن من وضع الاستراتيجيات التي تحقق أهداف الثورة. وظيفة المستشار هي البحث في الإمكانيات واقتراح حلول بخيارات معلّلة، وعلى صاحب القرار أن يفعل ما يراه. ولم يكن هذا الخيار ذلك هروبًا من القرار. ولكني لاحظت أن ثقافة العرب الحالية جعلت أصحاب القرار يعتقدون بأنه أمر مزاجي وليس مبنيًا على نظريات، وأنه مجرد إرادة فردية، في حين أن الإرادة السياسية يجب أن تكون قائمة على علم، يمكّن صاحبه من خدمة المجموعة، وجعلها غير خاضعة لمن يريد التحكّم في مصيرها وفي ثرواتها. وهو أمر غير موجود في الممارسة السياسية العربية بدون استثناء.

* أنت اشتغلت مع إسلاميين؟

نعم، وكنت أريد أن أشارك في ترشيد التيار الإسلامي.

* هل تعتقد بأن الإسلاميين قد فشلوا؟

بالتأكيد، وحكمي ينطبق عليهم أكثر من غيرهم، لأنهم هم الوحيدون الذين رشحهم الشعب للحكم، لأن ما عداهم، إن لم يدعمهم المال والقوّة، لن يصلوا إلى السلطة. فكل شعب يختار بالأساس من ينتمي إلى ثقافته، ولا يزكّي من يهدد ثقافته، لا يحصل ذلك إلا بالقوّة. لقد فضل الشعب الإسلاميين، لكنهم لم يستجيبوا لانتظاراته المادية والروحية، ولذلك فشلوا.

المساهمون