أبو عماد.. رجل من الشجاعية

27 أكتوبر 2019
الصورة
(داخل "باب العمود" في القدس المحتلة، تصوير: توماس بوبرزينسكي)
+ الخط -

أنزلُ سلّم الفندق، أنا وأخي، ونجلس مع أبو عماد، عبد الله أبو العطا، أحد رجالات غزة، وأحد أبرز الشيوعيين الفلسطينيين، طوال نصف قرن. حقاً: رب صدفة خير من ألف ميعاد. كنت فكرت، ولا أعرف لمَ، أنه مات. وها هو الآن يجلس على الكرسي الأسود الجلد، أمام مدخل الفندق، يتكلم ويسخر ويعارك الدنيا، رغم سرطانه المتقدم في الرئة. أحب هذا النوع من المناضلين الميدانيين. ولكم أحببتك، يا أبو عماد، في هذه الرحلة. أحببت تعلقك بالحياة واستهانتك بالموت. ففي سنك، سن ما فوق الخامسة والسبعين، يتشبث المرء بالحياة، أحياناً بشكل طفولي أخرق. إلا أنت، فأنت تعرف الحكاية من آخرها. لا أوهام لديك، ولا استيهامات. إن جاءت فأهلاً وسهلاً، وإن ذهبت، فمع السلامة. كأنك تتكلم عن صديقة لا عن الحياة!

وإني لأكتشف فيك اليوم، أيها المناضل الشيوعي القديم، روحاً من زوربا اليوناني. هل تذكر؟ هل تذكر حين ذهبنا لبيتك في الشجاعية، ذات تاريخ قديم، وحضرنا ندوة سياسية، فوق سطح دارك، لنعيم الأشهب، وكان عائداً لتوه، من غسق المنافي؟ حينها رأيتك متهدّماً، أكبر من سنّك، وتمجّ السيكارة تلو الأخرى، وأنت في خضم تأهيلك بالضيوف. الضيوف الذين كانوا نحن، وكان عددهم لا ينقص عن خمسمائة! قدّمتَ نعيم الأشهب، بشكل عفوي وحميم، فأُعجبت بك من لحظتها. مناضل شعبي من طين هذه الأرض الخالدة. ومن يومها لم أرك.

كان لقاء وحيداً، وتفرّقت بنا سبل الدنيا. والآن، ها أنذا ألتقيك، في آخر مكان يمكن أن يخطر على البال: في هذا الفندق! وفي ظروف غريبة عجيبة. حين أخبرني بوجودك شاب من جيراني، جاء هو الآخر مرافقاً لأخته المريضة، لم أنتبه، وفكّرت أنه يتكلم عن أبي عماد آخر، من جيراني وزملائي أيام العمل في البناء في الداخل المحتل. وحين صعدنا لغرفتك، فوجئت بك. ويا لها من مفاجأة طيبة. ذكّرتني، بطريقة حديثك وسيمائك، بأب روحي لي، ورفيق لك، هو المرحوم الشاعر والمناضل عبد الحميد طقش.

تلك الليلة، لم نكفّ عن الضحك، وأنت تحدّثنا عن كابوسك إياه: مات أبوك، فدفنته في قبر محترم، وزينته بكم هائل من الحصى الملوّنة الكبيرة والصغيرة. فعلت واجبك الأخير تجاهه، غير أنه لم يتركك. في كل ليلة يأتيك، بملابس بيض، ويغرس سكيناً في صدرك! أوووخ، وبعدين؟! لم تكذّب خبراً، وذهبت إلى قبره في رابعة النهار، وخاطبته، كما يليق بمناضل وقع عليه ظلم: وبعدين وَلَه! ملكش حكاية غيري؟ لديك أخوك فلان وخالتك فلانه، و.. و، فحلّ عني، وإلا والله العظيم، أشيل كل الحصى عن قبرك، وأخليك مضغة للي رايح وللي جاي!

ومن يومها انتهى الكابوس، ولم يزرك أبوك أبداً.

هكذا كنت تتعامل أيضاً مع رجال "الشين بيت" (المخابرات الإسرائيلية)، ومع مدير مدرستك أيام حكم المصريين. تصبر عليهم إلى حدّ، ثم تواجههم بكل ما فيك من صلابةِ ورجولة أهل الشّجاعيّة، ذلك الحي الشعبي العريق في غزة.

حدثتنا عن معين بسيسو، وأطنبت في مديحه، أيام كان في غزة، قبل سجنه وخروجه من القطاع. حدثتنا عن بشاعة الأمن المصري، وكيف كان يراقبكم، على مدار الساعة، وأحياناً كان يضع على الواحد منكم مخبرين لا مخبراً واحداً. حدثتنا عن المفارقات الطريفة التي كانت تحدث بينكم وبين جواسيس الإدارة المصرية. ضحكنا كثيراً، ونسينا مصائبنا، فشكراً لك يا أبا عماد. شكراً لك يا قُرميّة نضالنا، ويا تاريخاً وطنياً يمشي على قدمين.

شكراً لأنّ أخي أحبّك، ولأنك خففت عنه ولو قليلاً. وشكراً، لأنك، ورغم سنك، ما زلت تعاقر الكتب، وتبحث عن أحدث الإصدارات. وتشعر، كما أسررت لي، بخجل وتقصير، حين يذكر أحدهم أمامك، اسمَ مؤلف أو مؤلفة لا تعرفهم. فتبدأ بالبحث عنهم، وتقتني كل أو بعض كتبهم. جميل أن تضيف إلى نضالك الميداني على الأرض، نضالاً معرفياً وثقافياً، بحيث تتابع عصرك ومستجداته، على غير صعيد. إنّ أروع وأثمن ما فيك يا أبا عماد، هو أنّ المرض الخبيث لم يهزمك. لم يهزمك السجن، طوال 11 سنة، ولم يهزمك التخفّي عن عيونهم سنوات، ولا بطشهم ولا نسفهم لبيتك وتشريد أطفالك الصغار. فما أجدرك، وأنت من أنت، بألا يهزمك المرض. رغم أنه أقوى الأعداء وأخسّهم.

آخذك، في غير نهار، وننزل الدرجات المائة والعشرين، حيث تقيم في أعلى طابق، وتصرّ على البقاء في غرفتك، بسبب إطلالتها المبهجة على بانوراما المدينة العتيقة، وقبة الصخرة. ننزل، أنت بعكازك الذي لا تستخدمه إلا للضرورة، وأنا بلباسي الصيفي، ونمشي قليلا حول الفندق ثم نجلس على صخرة قريبة، بجوار الجامع، ونشاهد الدنيا والسواح الأجانب من حولنا، يغدون ويروحون، فتعلق على هذه الشابة أو ذلك العجوز. تعليقات عميقة ولا ينقصها الظرف المُسكر. نتداول هموم وطننا، فتسرد لي تواريخ لا يعرفها إلا من عاشها. تتكئ عليّ ونصعد درجاً صخرياً، لنجلس في عين الشمس، وتبدأ حكاياتك التي لا تنتهي. أي جَلَد على الحياة لك يا رجل! نحن الذين في سن أولادك، تعبنا ونكاد نشيخ، فمن أين لك أنت كل هذه الطاقة السحرية على الحياة!

نتكلّم عن سيد القمني، عن هادي العلوي الأثير لروحي، عن فاطمة المرنيسي، عن أبو وديدة، عن همنغواي، عن ديستوفسكي، عن تشيخوف، عن عبد العظيم أنيس.. فأي ذاكرة حديدية أُعطيت لك يا أبا عماد؟

ذاكرة من فولاذ حقاً.

لم يتسرّب منها شيء للنسيان!

ذاكرة تهتمّ بتفاصيل التفاصيل. ولو كان الحديث ذا شجون وتداعيات وتفرعات، إلا أنك تعود لرأس الخيط ومبدأ الحديث، مهما ابتعدنا عنه.

كم أغبطك أيها القُرميّة!

إنّ فيك من الحس العالي بالمفارقة، وتوليد السخرية، ما يحتاجه فنان أو روائي. كم أعجز عن هذين في كتاباتي! فالسخرية لا تقوم إلا على منظومة كاملة من التلقّي وكيفية النظر للعالم. إنها فلسفة، هي مزيج من وعي وسلوك. لا يقدر عليها إلا مَن أُوتوها. لا تُتَعَلم ولا يمكن وراثتها بالسماع أو القراءة. فهي فطرة ولا يقدر عليها سوى المفطورين.

ألاحظ رغبة أخي الدائمة في الصعود لغرفة أبي عماد. أُسرّ لذلك. فمع رجل من هذا الطراز، أنت في مكسب دائماً. لا تخلو جلسة من جلساته، من معلومات وفائدة، فضلاً عن المزاج الطيب الذي يُشيعه في الحاضرين.

اليوم، قال لأخي لا تخف. بالعلاج وبإرادة وحب الحياة ستتغلّب على مرضك. المهم الأخذ بالأسباب الطبية، والتشبث بالعيش بقوة داخلية حقيقية لا مجرد ديكور. وحتى لو بقي لنا سنوات.. فلنعشها بعمق وقوة. أما الموت فكلنا مائتون. لا أحد مخلّد.

عند أبي عماد وجدنا أيضاً رفاقاً من الحزب، مقدسيين وسواهم. ووجدنا أبا جورج، وليم ترزي، الغزّي المقيم في بيت حنينا منذ 15 سنة، فدخلنا في حكايات، وتكلّمنا عن شخصيات سياسية فلسطينية، في الماضي والحاضر، وقلنا ما لها وما عليها. وفي مرة، ذكر أبو جورج شخصية [م. د.] وأثنى عليه، فاستشاط أبو عماد غضباً، وأخذ يقرّع أبا جورج، حتى أعاده إلى صوابه، ذاكراً، بشكل موضوعي، تاريخ هذا الرجل الكريه ومصائبه على المشروع الوطني. ومع هذا، بعد الفروغ من هذا السجال، عاد أبو عماد إلى صفائه، وعدنا نضحك من مفارقات هذا أو ذاك من شخصيات العمل الوطني.

رجل بقلب طفل وبصلابة صخر هذه الجبال المحيطة، هو أبو عماد. وأظنّ أنّ كل من يجالسه ويستمع إليه بعمق، سيشعر، إن سابقاً أو لاحقاً، بنوع من البنوّة تجاهه. فهو أب، بالمعنى الأنيس للكلمة.


* شاعر فلسطيني مقيم في برشلونة، والنص حول تجربته في عام 2009

المساهمون