أبناء سيناء في إعلام السيسي: متهمون ومعزولون

07 مارس 2019
الصورة
يصور الإعلام المواطن السيناوي كمجرم (إبراهيم رمضان/الأناضول)
تبدو صورة المواطن المصري القاطن في سيناء في الإعلام التابع لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، بين العزل التام أو الحضور الطارئ بقصد الاتهام في حال وقوع أي قضايا أمنية في شبه جزيرة سيناء. ما شوّه سمعة أبناء المنطقة أمام المجتمع، في مقابل فقدانهم للثقة بشكل تام في الإعلام الرسمي والخاص التابع للنظام، بعدما هضم حقوقهم، وصدّرهم على أنهم مجرمون أو إرهابيون.

على مدار العقود الماضية، كان المواطن السيناوي معزولاً في الإعلام المصري، إلى أن أصبح الكثير من المصريين لا يعرفون شيئاً عن أهل سيناء سوى أنهم "تجار للمخدرات" و"قاطعو طرق ومجرمون"، وفقاً للصورة التي رسمها الإعلام المصري من خلال المواد الإعلامية التي ينتجها كأفلام ومسلسلات. ولاحقاً، باتت صورة السيناوي "الإرهابي" تتصدر مشاهد الإعلام المصري بكلّ أشكاله، من الخبر وحتى التقارير الضخمة، في حين دعم النظام هذه الصورة بشكل مباشر من خلال المعلومات المقصودة التي يجري تصديرها من سيناء للإعلام.
فقد المواطن السيناوي، على أثر ذلك، الثقة في الإعلام المصري، وبات يعتمد على وسائل أخرى في الوصول للمعلومات الصحيحة، بعيداً عن تحريف الإعلام الرسمي والخاص الموالي للنظام في كل عصور الحكم الماضية. وفي الوقت نفسه، كان لهذه الصورة المبنية في الإعلام المصري دورٌ سلبي في اتجاه نسبةٍ من أبناء سيناء لـ"تطبيق الصورة المرسومة لهم"، والتي كان آخرها انضمام بعض أبناء سيناء لصفوف تنظيم "ولاية سيناء" الموالي لتنظيم "داعش" الإرهابي، برغم أنهم جزء من ضحايا هذا التنظيم الذي ساهم مع النظام في تخريب محافظة شمال سيناء، وجعلها من أسوأ المحافظات المصرية من الناحية الأمنية والاقتصادية والاجتماعية منذ عام 2013 وحتى عقود مقبلة.

عن ذلك، يقول أحد أبرز مشايخ سيناء، إبراهيم المنيعي، لـ"العربي الجديد"، إنّ الإعلام المصري لم ينصف أبناء سيناء ولا في أي مرحلة على مدار العقود الماضية. فلطالما كان الإعلام يهتم بمحافظات مصر كافة عدا سيناء، إلا في الأعياد الوطنية التي لا بدّ من ذكر سيناء فيها أو تصدير صور إعلامية منها. فيما يبقى المواطن السيناوي بقية أيام السنة خارج التغطية من قبل الإعلام المصري، وكأنّ أبناء سيناء ليس لهم حق في الظهور عبر وسائل الإعلام التابعة للدولة أو القطاع الخاص، برغم أن لسيناء دورا بارزا في الساحة الوطنية المصرية بصفتها الجغرافية والتاريخية، إلا أنها برغم ذلك بقيت حبيسة العزل الإعلامي لسنوات، بل لعقود ممتدة، سوى بعض الأفلام التي صورت أبناء سيناء في مظهر الإجرام والاتجار بالممنوعات، ما عكس صورة سلبية لدى ملايين المصريين.
وأضاف المنيعي أنّه في السنوات العشر الأخيرة انتقل الإعلام المصري في تصويره للمواطن السيناوي من مرحلة الإجرام ومرورًا بالاتهام بالعمالة لصالح إسرائيل والتخريب في الأرض المصرية، إلى تحميله مسؤولية الإرهاب المستمر في سيناء، برغم أن المواطن السيناوي هو أبرز ضحايا الإرهاب الذي فرض على أرضه لتحقيق أهداف جهات متعددة، برغم أن تضحيات أبناء سيناء على مدار العقود الماضية، خصوصاً فترة الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، تستحق الكثير من الاهتمام والتقدير من قبل كل الجهات الحكومية بما فيها وسائل الإعلام، إلا أن ما نشاهده على أرض الواقع يمثل العكس تماماً، في ظل حالة التقصير والاتهام بالخيانة لأبناء سيناء، رغم أن التاريخ الحقيقي يفيد بغير ذلك.

وبسبب الحالة التي يعيشها المواطن السيناوي في الإعلام المصري، اضطر لإيجاد إعلام بديل يعبر عن همومه وطموحاته، ظهر مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، إذ لمعت الكثير من صفحات ومجموعات التواصل التي جمعت أبناء سيناء في العالم الافتراضي، لعكس الصورة الحقيقية من أرض الواقع. فباتت هذه الصفحات ملجأ لأبناء سيناء لنشر أخبارهم واهتماماتهم على مدار السنوات العشر الأخيرة، وهو ما خفّف من حجم التأثير الذي كان يمتلكه الإعلام المصري في إظهار صورة أبناء سيناء بشكل مخالف للواقع. بينما لم يترك النظام المصري هذه الثغرة على حالها، إذ إنه تعمد قطع شبكات الاتصال والإنترنت عن سيناء لفترات طويلة، خصوصاً في أوقات الأحداث الكبيرة التي يتحمل المواطن السيناوي جزءاً من مسؤولياتها في وسائل الإعلام المصرية رغم عدم علمه بها.

ويقول ناشط سياسي من مدينة العريش، رفض الكشف عن اسمه، لـ"العربي الجديد"، إنّ الإعلام المصري بات متهماً بالمسؤولية المباشرة عن الواقع الذي وصلت إليه سيناء في السنوات الأخيرة، من حالة التهميش، ومن ثم العزل، انتهاءً بالتدمير خلال السنوات التي أعقبت الانقلاب العسكري صيف عام 2013، إذ تمكن الإعلام في ظل عدم وجود بدائل للرد على الاتهامات الصادرة عنه من تشويه صورة أبناء سيناء، والتمهيد لأي تقصير أو هجوم من النظام المصري بحق محافظة شمال سيناء على وجه الخصوص "دونا عن بقية مناطق سيناء"، ما يشير إلى وجود مخطط مقصود يهدف لشيطنة سيناء وأهلها، تمهيدا لتنفيذ مراحل التهجير القسري من الأرض لصالح مخططات دولية مشبوهة يجري تداولها، فيما يتقبل المواطن المصري أي فعل تقوم به الدولة بناءً على تلك الصورة التي رسمها الإعلام بشكل دقيق على مدار السنوات الماضية، بالتزامن مع سياسات تهميش واضحة سيطرت على القرارات المتعلقة بسيناء منذ عقود، إلى أن أوجدت محافظة تفتقر إلى أبسط أشكال البنى التحتية والنظام الاقتصادي والأمني الذي يسمح باستمرار الحياة فيها، كما الحال ولو بشكل نسبي في بقية المحافظات المصرية.
ويضيف الناشط أن المواطن المصري في سيناء وجد نفسه أمام كم هائل من الضخ الإعلامي السلبي بحقه من دون وجود أي وسيلة تصد هذا الزخم الإعلامي على مدار العقود الماضية، إلى أن خفف ظهور وسائل الإعلام البديل من سطوة الإعلام الرسمي، إذ بات أبناء سيناء يعتمدون على مواقع التواصل الاجتماعي بما تحتوي من صفحات ومجموعات مهتمة بشؤون سيناء كمصدر أول وأساسي لتلقي الأخبار وتداولها، بعيدا عن تحكم الجهات الرسمية بالإعلام، وبرغم ذلك ما زالت آثار الإعلام المصري تسيطر على الصورة النمطية المرسومة عن أبناء سيناء في أذهان المصريين، والتي تنوعت بين إرهاب واتجار بالممنوعات والتهريب والإجرام والخيانة، برغم أن نماذج التضحية من أجل الوطن في سيناء لا حصر لها، وقوائم المتميزين في سيناء في شتى العلوم تعد بالآلاف، لكن دون اهتمام رسمي أو إعلامي بهذه الزوايا الإيجابية في سيناء.