أبعاد صفقة القرن فلسطينياً وعربياً

30 يناير 2020
الصورة
الصفقة لتعزيز فرص ترامب في أميركا ونتنياهو بإسرائيل (Getty)

 

سخر كثيرون من المُكوّن الاقتصادي لصفقة القرن، والتي رُفِع النقاب عنها، فالإنفاق المرصود، ومعظمه عربي، بلغ حوالي خمسين مليار دولار، خُصص نصفها لصالح الضفة الغربية وقطاع غزة، وحوالي سبعة مليارات للأردن، والباقي لمشاريع بنى تحتية تربط غزة بالضفة الغربية لنهر الأردن، أو إقامة سكك تربط بميناء حيفا أو غيرها.

لقد بدت هذه المبالغ تافهةً بالقياس إلى التنازلات السياسية التي ينطوي عليها المشروع. وأول هذه التنازلات منح إسرائيل 30% من مساحة الضفة الغربية التي تشمل القدس الشرقية والمستعمرات الإسرائيلية في كل أنحاء الضفة والحدود مع الأردن. وكذلك ستنتهي المطالبة بحق العودة للاجئين والمُهجّرين الفلسطينيين.

ويبدو أن هذا الأمر قد وضع كلاً من السلطة الفلسطينية والمملكة الأردنية الهاشمية في مأزق سياسي. وتدور حوارات حول إمكانية حل السلطة الفلسطينية نفسها، والاكتفاء بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً للشعب الفلسطيني. وستعود الأمور في المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية إلى وضعٍ شبيهٍ بما كانت عليه قبل توقيع اتفاق أوسلو عام 1994.

أما إذا لم تحلّ السلطة نفسها، فسوف يبقى أمامها على الأرجح واحدٌ من خيارين: أن تقبل بصفقة القرن مع إدخال تعديلاتٍ عليها إن أمكن، من حيث التعاون الأمني، والتمثيل الدبلوماسي، والتواصل مع قطاع غزة الذي سيصبح مستقلاً عن أي كيان سياسي فلسطيني في الضفة الغربية.

أو أن ترفض السلطة التوقيع على أي وثيقةٍ تتعلق بصفقة القرن، ما يعرّضها لضغوطٍ سياسيةٍ وأمنية واقتصادية تفرضها إسرائيل والولايات المتحدة، وكل من يناصر الصفقة، ما يؤدّي إلى فقدانها القدرة على تقديم أي خدماتٍ أو رواتب للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، أو ما يقدّم من نزر قليل إلى قطاع غزة. وسوف يُحاصَر قادتها، ويُمنعون من الحركة. وهذه إجراءاتٌ اتبعتها القوة القائمة بالاحتلال مرّات عدة سابقاً.

وبالنسبة للأردن، فإنه يبني موقفه على مخاوف كثيرة، منها تهجير الشعب الفلسطيني على المدى الأطول إلى الأردن، أو غيره من الدول العربية، كمرحلة مؤقتة لانتقاله إلى الغربة في دول بعيدة، مثل أستراليا وشمال أميركا وأميركا اللاتينية، ولربما بعض دول شمال أوروبا. والسبب أن إسرائيل والغرب لن يرضيهما بسهولة تجمهر ملايين إضافية من الفلسطينيين على الحدود مع إسرائيل، لأن هذا قد يشكّل تهديداً لهم في المستقبل.

الخوف الثاني هو أن تنقطع الاتصالات الأردنية مع الضفة الغربية، إلا من خلال مراكز الأمن الإسرائيلية، أو من خلال مشروعاتٍ وجسورٍ تربط الضفة الغربية بالأردن عبر إسرائيل. هذا يقلل من قدرة الأردن على التفاعل مع أهل الضفة الغربية، خصوصا في ظل التشابك الاقتصادي والمالي والاجتماعي والعشائري بين الضفتين.

وقد ثار جدل في الأردن قبل حوالي أربع سنوات، عندما اقترحتُ أن يعود الأردن عن قرار فك الارتباط عن الضفة الغربية. وكان دافعي لذلك أن ما سمي بفك الارتباط القانوني والإداري ليس تنازلاً عن الأرض لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1988، وكان من المستحيل التنازل، لأن المنظمة لم تكن دولة أو حكومة، ولأن الأردن دستورياً لا يستطيع التنازل عن أي أرض.

ولكن طرح الموضوع الآن لن يفهمه الجانب الفلسطيني، إلا أنه تسهيل لتمرير صفقة القرن، وسوف يفهم أردنيا أنه توريط للأردن في التفاوض على أرضٍ احتلت منه، وليس أمامه فرصة لاستعادتها.

ولذلك، فإن إثارة الموضوع في الوقت الراهن غير مفيدة، حتى ولو كان الأردن بمساندة فلسطينية أقوى على التفاوض، للحصول على شروطٍ أفضل مما هو معروض حالياً.

والسبب أن صفقة القرن ليست تفاوضاً بين أطراف، بل هي إملاء من جانب واحد على الجانب الآخر. وبعبارة أخرى، هي تكريس على الأرض للاحتلال بحكم الأمر الواقع، لا بحكم القانون والاتفاق بين الأطراف المعنية.

ويبدو أن الاحتفال الذي جرى الأسبوع الماضي في القدس في ذكرى المحرقة النازية، وحضره عدد كبير من زعماء العالم، أرسل إشاراتٍ أن هؤلاء جميعاً لن يشكّلوا أي معارضةٍ تذكر لصفقة القرن، بل مجرّد احتجاجات تعبيرية، لا تسمن ولا تغني من جوع.

أما الدول العربية، فإن المُشاع أن بعضها مؤيد لصفقة القرن، ووضع حل للقضية حتى يتفرّغ الجميع لمحاربة الأعداء الآخرين في المنطقة، مثل إيران وغيرها، حسب ما يقوله بعضهم، ولكن المشكلة أن هذا الوضع لن يكون مستقرّاً على الإطلاق. بل إن الذين يسعون إلى شراء أمنهم ربما يجدون أن مَن وعدوهم بذلك هم أول من لهم مصلحة في فوضى وحروب جديدة.

ولربما تحدُث هزة كبيرة شعبية في الوطن العربي، تؤدي إلى حالةٍ من التشويش الكبير، وتفتح المنطقة كلها على احتمالاتٍ سيكون التنازل عن الحق الفلسطيني هو دافعها وهاجسها.

هنالك أيضاً احتمالية كبيرة، كما يقول محللون، حتى في إسرائيل، إن كل صفقة القرن ليست إلا خدعةً من أجل تعزيز الفرص لإعادة انتخاب ترامب في الولايات المتحدة ونتنياهو في إسرائيل.

والواقع أن الجدّية تخلو من طرحٍ يمكن أن يكون مقبولاً لأي طرف عربي، خصوصا فلسطين والأردن. وهذا الاحتمال يجب أن يبقى في البال، وقد تنتهي كل هذه الزوبعة خلال خمسة أو ستة أشهر لتعود الأمور إلى وضعها الحالي، وهو أن إسرائيل ما تزال تحتل الأرض الفلسطينية وأراضي عربية أخرى في سورية ولبنان. البحث عن حلول سهلة، ومريحة، لا يرقد إلا في خيال الضعفاء. أما الأقوياء بحق فهم الذين يغيّرون ويصنعون التاريخ ويكتبونه.