آيا صوفيا .. إسقاطات في غير موضعها

01 اغسطس 2020
الصورة

مسجد آيا صوفيا في اسطنبول (1/1/1900/Getty)

في روايته "الرجال والمشانق"، يقدّم الكاتب التركي عزيز نيسين سردا كابوسيا لأحداث سبتمبر/ أيلول 1955، حين اندفعت حشود كاسحة من الأتراك إلى شوارع إسطنبول، تحرق وتدمر كل ما هو يوناني، بعد شائعةٍ عن إلقاء قنبلة على المنزل الذي ولد فيه كمال أتاتورك في اليونان.

تطوّر الوضع إلى استهداف كل ما هو غير تركي، كل الأرمن واليهود أيضا، كل المنازل والمتاجر والكنائس. وصل الأمر إلى مرحلة أن تتم تعرية الرجال، للتأكد من كونهم أتراكا مسلمين عبر الختان، ورُوي عن أفرادٍ تعرّضوا للختان الفوري بالخناجر في الشوارع! ثم تطوّر الوضع إلى استهداف كل ما هو "ليس تركيا بما يكفي"، فتعرّض نيسين نفسه للضرب وتدمير سيارته، لمجرّد أنه لا يرفع عليها العلم التركي.

غزا الجيش التركي، لاحقا، عام 1974، قبرص لمنع حكومتها العسكرية التي حاولت ضمها إلى اليونان، وأسفر هذا عن تقسيم الجزيرة. ومنذ ذلك الوقت، تعترف كل الحكومات التركية منفردة بهذه الدولة، بينما يصنفها القانون الدولي والاتحاد الأوروبي أرضا محتلة.

هذا غيض من فيض حول التوتر التركي اليوناني في العقود الأخيرة، فضلا عن تاريخ حروب يمتد إلى قرون ماضية، أحدثها حرب الاستقلال بقيادة أتاتورك. .. وكل هذه الأحداث سابقة على وجود أردوغان أو تأسيس حزبه، العدالة والتنمية، وتعد مكونا أساسيا في الشخصية القومية التركية بمختلف أطيافها، وهي من أسباب المفارقة العجيبة في أن تندلع معركة عربية - عربية حول تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، بشكل أشد ضراوةً من أي خلاف تركي - تركي حول القرار.

لذلك يقدّم مشهد الحاضرين للصلاة الأولى في آيا صوفيا نموذجا مختلفا تماما عن ثنائيات المخيلة العربية، فكان في مقدمة الحاضرين دولت بهجلي، رئيس حزب الحركة القومية المتحالف مع أردوغان، وكذلك حضر محرّم إينجه، المرشح الرئاسي السابق عن حزب الشعب الجمهوري ضد أردوغان، والحاصل على نحو ثلث الأصوات.

جوهر النظرة القومية التركية أن لحظة تحويل آيا صوفيا إلى متحف هي تنازل تركي لصالح الخصوم الأوروبيين، كما أن حالة استياء عام من رفض انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي تشمل كل أطراف السياسة التركية. ولا تجوز هنا المقارنات بتاريخ القرون الوسطى، لأنه كان نهج العالم، بينما في هذه الحالة كانت لحظة التحويل إلى متحف في العصر الحديث، لا القديم، لذلك كانت مصدر جدل وتوتر تركي لا يهدأ.

ولا يناقض ما حدث التكريم التركي من الأطياف كافة لأتاتورك، فالقضية التي رفعت أمام مجلس الدولة التركي قبل 26 عاما، أي قبل وصول أردوغان نفسه إلى الحكم أيضا، اعتمدت في مسوّغاتها على نقاط إجرائية، أبرزها الدفع بتزوير توقيع أتاتورك على قرار التحويل إلى متحف، أي التبرّؤ من أي صلة له بالقرار أصلا.

ومن زاوية أخرى، تهيمن حسابات الانتخابات الداخلية على الجميع. اتخذ أردوغان القرار على الرغم من أنه، حتى عهد قريب، كان يعلن مرارا رفضه خطورة ذلك على وضع المساجد في أوروبا، إلا أن تحول القضية ورقة انتخابية خاصة بوجه خصومه المحافظين الخارجين عن حزبه، وهم بوزن أحمد داود أوغلو وعلي باباجان، أدّى إلى تغير الدفة. وفي المقابل، سارع المعارضون إلى الترحيب لمنع فوزه بهذه الورقة منفردا، مع إعلانهم تحفظهم على استغلاله لها سياسيا، للتغطية على أزمات الاقتصاد وغيرها. على سبيل المثال، ميرال أكشنار، رئيسة "الحزب الجيد"، وهو حزب قومي معارض، وكانت مرشحة رئاسية ضده، سبق أن عايرت أردوغان بعجزه عن إعادة آيا صوفيا مسجدا، ولذلك سارعت بتهنئته بحماس.

ولكن في عالم مواز، ثمة من لم ير بكل هذا المشهد إلا أن أردوغان الإسلامي الإخواني المتطرّف يغتصب كنيسة، أو بالعكس إن أردوغان بطل الإسلام يزيل تراث أتاتورك. على سبيل المثال، ما ذكره تدليسا المذيع محمد ناصر من أن القوميين في تركيا عارضوا القرار، لأنهم يكرهون الإسلام كما يكرهه القوميون العرب!

لا ينفي ذلك السرد أبدا حق أي طرفٍ داخل تركيا أو خارجها بتبنّي رأي يرفض القرار، لكن المهم هنا هو عدم دسّ معلومات بحت كاذبة، أو القفز إلى استخدام الشحن الطائفي والشعبوي سلاحاً سهلاً.

مرآة التطرف الأيديولوجي عمياء، لكنها ليست خرساء للأسف.