آنا بوغيجويان: أميركا من العبودية إلى الشعبوية

نيويورك
ابتسام عازم
08 اغسطس 2018
+ الخط -

يحتفي "المتحف الحديث" في نيويورك، منذ شباط/ فبراير الماضي حتى آب/ أغسطس الجاري، بالتشكيلية المصرية ذات الأصول الأرمنية، آنا بوغيجويان (1946)، التي ما زالت، ورغم تنقّلاتها الكثيرة، تعيش في القاهرة حيث وُلدت.

هذا هو معرضها الفردي الأول في الولايات المتّحدة. وإن كان يبدو متأخّراً لفنّانة حفرت اسمها في أوساط فنّية دولية، فإنه يأتي في وقت مناسب لتُقدّم نظرتها الناقدة والساخرة إلى ما يدور، اليوم، في أميركا وعلى الساحة العالمية من أحداث سياسية واجتماعية أبرزُها صعود الشعبوية الذي يتجلّى في وصول ترامب إلى "البيت الأبيض".

تستخدم بوغيجويان أدوات فنيّة عديدة للتعبير عن مواضيع قامت بالبحث حولها مطوّلاً؛ حيثُ تتناول في المعرض، الذي يحمل عنوان "منوال التاريخ"، ثيمات تاريخية وأُخرى معاصرة. وتتنوّع والأعمال بين الرسومات والمجسّمات الورقية والمنحوتات والكتابة والقماش وغيرها.

تجعل التشكيلية المصرية تاريخ وحاضر البلد الذي تُقيم فيه معارضها جزءاً من ثيماتها. لكنها تضعها في سياقها العالمي العام. يتجلّى ذلك في معرضها النيويوركي؛ حيث تسخر من الطغاة والشعبويّين، كالرئيس الأميركي الحالي. تتناول، كذلك، تاريخ أميركا والازدهار الاقتصادي وارتباطه بالعبودية، كما حدث في صناعة القطن. ولا تكتفي بأخذ تلك الصناعة في سياقها الأميركي بل تذهب إلى المفهوم الأوسع، فتربط النظام الرأسمالي بالاستعمار، لتُشير إلى الطريقة التي تفترس بها الأنظمة الاستعمارية حيوات الشعوب ومواردهم.

في صالة العرض، تُطالع الزائرَ جدران سوداء كُتب عليها بخطّ فوضوي ذي لون ذهبي عباراتٌ تحيل إلى محطّات من تاريخ الولايات المتّحدة. تحت كل واحدة من تلك الكتابات مجموعة من اللوحات التشكيلية، بعضها يتناول شخصيات تاريخية كالمؤرّخ والسياسي الفرنسي أليس دو توكفيل، الذي يُعتَبر من مؤسّسي حقل العلوم السياسية المقارنة، وقد ألّف في زيارته إلى الولايات المتّحدة في القرن التاسع عشر كتباً يمتدح فيها النظام "الديمقراطي" الأميركي.

وهنا يأتي ربط آنا بوغيجويان مثيراً؛ حيث أن دو توكفيل تجاهَل، كالكثير من البيض الأوروبيين، قيام تلك "الديمقراطية" على ذبح وتشريد السكّان الأصليّين ومأسسة العبودية. ومن هنا، ليس غريباً أن يكون واحداً من المنظّرين والداعمين بشدّة للاستعمار الفرنسي للجزائر.

تضع بوغيجويان تجارة القطن الذي كان أحد أبرز صادرات البلد بين 1803 و1937، وكلَّ ما ارتبط بها من أحداث سياسية مثل العنصرية والحرب الأهلية الأميركية، في الصالة نفسها، لتُظهر علاقة هذه التجارة بالعبودية التي ساهمت في تطوير صناعة النسيج في دولٍ صناعية كثيرة؛ مثل أميركا وبريطانيا. إنه القطن الأبيض الذي لا يعكس بياضه دماء الأفارقة والسود الذين كانوا مستعبَدين في أميركا.

لا يمكن استعراض أعمال آنا بوغيجويان دون التوقّف عند الأذن، بأسلوبٍ أشبه بالـ"غروتيسك" حيث يُضخَّم ويُركَّز على عضوٍ جسدي بعينه. تتناول الأذن كرمز للإصغاء أو غيابه، فيصبح وحدة تعبير تتكرّر بطرق مختلفة في الرسومات والتصاميم لتُشكّل مركز سخرية أحياناً ورمزاً للحكّام والأنظمة التي لا تستوعب ولا ترى التغيير.

ولا تُجسّد الفنّانة، في أعمالها، العنصرية ورموزها فقط، كالرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل كذلك الحركات المضادّة كالمتظاهرين ضد الاستبداد؛ ففي وسط القاعة انتشرت مجسّمات لشخصيات بأحجام متوسّطة، دُعمت كلّ مجموعة منها بعصيٍّ رفيعة وقاعدة، تُذكّر بعرائس مسارح الدمى في مصر.

رسمُ تلك المجسمات بدا أشبه بالاسكتشات التي تعطي انطباعاً بالحركة حتى وهي وافقة. تتداخل مجموعات الدمى لتبدو كطبقات من التاريخ القديم والحديث، حيث يُمثّل بعضها مشاهد لجنود رومان، وأخرى للثائرين السود من العبيد، ومجموعة ثالثة تمثّل المتظاهرين العنصريّين البيض، والمهاجرين الجدد.

وتتداخل القطع وظلالها بسبب طريقة عرضها، حيث يقف بعضها في المقدّمة والآخر في الخلفية. هنا، يُصبح التاريخ نفسُه هو الموضوع، ففي تكرار ثيمتها، ومعها المآسي التي تعاني منها مجموعات من البشر، تشير بوغيجويان إلى عدم أخذنا العبر الكافية لمنع تكرار تلك الكوارث.

تضع الفنانة التشكيلية تلك المواضع الجدية في سياق ساخر. يتجلّى ذلك بشكل خاص في تعابير وجه تلك الاسكتشات، ناهيك عن الألوان الزاهية المفرحة التي تفاجئ الناظر، لأنها تخرج عن المألوف؛ إذ تكون داكنةً في العادة.




المساهمون