آمال المطور: التطريز الفلسطيني هويّة مستمرّة

آمال المطور: التطريز الفلسطيني هويّة مستمرّة

12 سبتمبر 2018
الصورة
توارثت آمال فن التطريز عن أمها وجدتها (فرانس برس)
+ الخط -
"كل مهنة أو حرفة في العالم قد يعمل بها الرجال والنساء، إلا التطريز الفلسطيني، فلا يمكن أن تري رجلاً يمسك ثوباً ويطرزه"، هذا ما تقوله آمال المطور عن حرفة التطريز، في بداية حديثها إلى "العربي الجديد". "آمال للتراث المقدسي"، اسم اختارته المطور لمشروعها، ولها مع نشر تراثها في القدس حكاية.
رغم كل النكبات ورحلات اللجوء التي مر بها الفلسطينيون على مدى سبعين عاماً، بقي التطريز يميز تراثها عن باقي التراث المحلي في منطقة بلاد الشام، واستمر عنواناً للهوية الفلسطينية حتى الآن. ترجح آمال هذا بقولها: "وعينا بالتراث يفرض علينا ألا نتعامل معه على أنه شيء قديم، فكل الأجيال، التي بقيت والتي لجأت، ترغب باقتناء الألبسة التراثية، ودافعهم الأول هو تأكيد الهوية وحماية التراث".

هويّة وهواية
آمال التي تخصصت دراسياً بتربية الأطفال، وعملت في مجال التجميل لفترة وجيزة، تعود وتجد نفسها في فن التطريز، الذي توارثته كهويّة وهواية عن أمها وجدتها، حالها كحال الغالبية من نساء فلسطين. بدأت هواية آمال مع والدتها كمتفرجة، كانت تساعدها أحياناً لملء فراغ وقتها، ثم تطور اهتمامها لتعمل على تسويق منتوجات والدتها وبيعها في المعارض والأسواق المحلية، إلى أن بدأت تهوى مسك الإبرة والنقش على القماش، والتفكير بشكل جاد في أن تدمج بين مشروع حياتها وهويتها الفلسطينية، ومع انتقالها إلى مدينة القدس كانت قد زرعت البذرة الأولى وانطلق المشروع.

التراث الفلسطيني تحت الاحتلال
غالباً ما كان تناقل التراث الفلسطيني في ظل الاحتلال، أسهل بين أبناء المدن المفتوحة منه في المدن المغلقة، كالقدس مثلاً، إلا أن ذلك لم يثنِ آمال، وغيرها من الفلسطينيات، عن التمسك بتراث عائلاتهن ونشره، تقول آمال "كان الأمر أسهل عندما كنت أقيم في مدينة الخليل، في القدس من الصعب إقامة معارض التراث، فالاحتلال يسعى لطمس تراثنا منذ عقود، وتواجه محاولاته بوعي الفلسطينيين من مختلف الأعمار بأهمية الحفاظ عليه".
تحاول إسرائيل سرقة تراث فلسطين ونسبته إليها، حتى أنه يُباع في الأسواق على أنه تراثها، فقد عمدت الحكومة الإسرائيلية إلى تسجيل الثوب التراثي الفلسطيني باسم "إسرائيل" في المجلد الرابع من الموسوعة العالمية عام 1993.
كما تظهر الشخصيات البارزة الإسرائيلية باللباس الفلسطيني في المؤتمرات والاجتماعات الدولية لنسب هذا التراث إليهم، ومنح تاريخهم عمقاً وطابعاً وطنياً، وظهرت وزيرة الثقافة الإسرائيلية في حفل افتتاح "مهرجان كان السينمائي" في حزيران/ يونيو من العام 2017، ترتدي ثوباً يحمل صورة لأبرز معالم مدينة القدس ومن بينها حائط المبكى المقدس لدى اليهود، ومسجد قبة الصخرة المقدس عند المسلمين.
وقبل عامين، تعمدت مضيفات شركة طيران "العال" الإسرائيلية ارتداء الثوب الفلسطيني على متن رحلات الشركة، الأمر الذي زاد الاحتجاج الفلسطيني والرد بالفعاليات التي تشجع إحياء التراث، كتنظيم المعارض وعروض الأزياء وتشجيع تعلم فن التطريز. تقول آمال "في شارع يافا في القدس، تُعرض المطرزات الفلسطينية على أنها تراث إسرائيلي، حتى كوفيتنا يلبسونها في معارضهم".

آمال للتراث المقدسي
"بدأت من منزلي بتطريز الثوب الفلسطيني بنقوشه وزخرفاته التقليدية، التي تقتصر على ثوب أسود مطرز بخيوط حمراء، أو بعض المزركشات الملونة"، وتضيف آمال "أدخلت ألواناً جديدة على المطرزات، سواء في القماش أو الخيط، وأنتجت مطرزات عصرية تناسب شابات اليوم، حتى أني شاهدت في إحدى الجامعات الفلسطينية فتيات في قمة الموضة يرتدين قمصاناً تحمل نقوشاً تراثية، أو يحملن حقائب مطرزة تدل على هويتهن".
بعد فترة وجيزة، لاحظت آمال أن التراث الفلسطيني يكاد يمّحي من البيوت، الأمر الذي ولّد لديها فكرة "الزاوية التراثية الفلسطينية"، لتكون فلسطين داخل كل بيت.
تقول آمال: "صممت زاوية في مدخل منزلي، تضم كل ما يمكن أن يعبر عن التراث الفلسطيني، فبدل أن تدخل وترى كراسٍ مبهرجة مثلاً أو مغطاة بأقمشة ملونة، تجد وطنك الذي تستطيع حمله أنّى اتجهت وتحنّ إليه أبداً".
آمال سعيدة جداً بابتكارها الذي لاقى قبولاً وانتشاراً، وتسعى لأن تطور تلك الزاوية إلى "صالون فلسطيني" لا يقل أهمية عن الصالونات العالمية.

أثواب الجدات للحفيدات
شبه كبير يجمع بين القطعة ومن تُطرزها عنوانه الصمود والثبات، فالمطرّز الفلسطيني القديم كما دلالته لا يبلى، وإن بليت الأقمشة يبقى التطريز صامداً، لذلك سعت الفلسطينيات العاملات في تلك الحرفة لإحياء المطرزات القديمة بنقلها من جيل إلى جيل. تقول دلال أبو شاشية، وهي حرفية فلسطينية تعمل في مجال التطريز والتدريب عليه، ولديها ورشة تطريز في الأردن: "نقصُّ المطرزات المنقوشة على أثواب قديمة ونحولها إلى أثواب جديدة للصغار واليافعات"، وبحسب دلال، فإن الفتيات مع حملهن للتراث والهوية في تلك الأثواب يتفاخرن بارتدائهن أثواب جداتهن.
وتتمايز الأثواب الفلسطينية وتتمايز معها نقوشٌ تُطرّز بها، ما بين ثوب المناسبات وثوب العروس وثوب الحنة وثوب البيت، فثوب العروس ذو الحظ الأوفر في التطريز، حيث يزركش بألوان كثيرة ويحتمل الكثير من العمل والدقة، لتتناقص النقوش الداخلة في الأثواب الأخرى وتنتهي في ثوب البيت الذي يطلق عليه الفلسطينيون "ثوب المناجل"، نسبة لاسم التطريزة التي يحملها.
تقول حنان النجّار، وهي أيضاً حرفية فلسطينية تقيم في الأردن: "يطرّز الثوب بمناجل خفيفة على طرفيه، وهي أقل كلفة وجهداً في العمل، إلا أن الجامع بين كل الأثواب أنها تحمل النقوش التي تعبر عن هويتنا".

دلالات

المساهمون