آلة الكمان... موجز رحلة من الغرب إلى الشرق

09 اغسطس 2020
الصورة
الكمان الكلاسيكية، بهيئتها الحالية، كانت قد تكوّنت في إيطاليا القرن السادس عشر (Getty)
+ الخط -

إن راقبتَ بالعين، فيما الأذن تنصت، أحدهم وهو يعزف على آلة الكمان، ستشاهد على عنقها، أعلى المقبض، عند مربط الأوتار، لوحاً أسود، أملس، تحطّ عليه أصابع اليد اليُسرى بخفة ورشاقة، كما لو كانت أجساداً تتحرك ضمن لوحة راقصة. أما اليد اليُمنى، فتمسك بعصى خشبية دقيقة تسوقها الذراع جيئةً وذهاباً، شُدّت عليها عُصبةٌ من شعر الخيل، تلتحم بالوتر، فيهتز، محدثاً رنيناً حاداً ممتداً.
 
كلٌّ من سواد اللوح، مهبط الأصابع، وطلاوته وخلوّه التام من أي عتبات، ترسم حدوداً تفصل بين النغمات، إضافة إلى القوس ذي الشعر المعصوب المشدود يقطع خطوط الأوتار، يُضفيان على الصوت الصادر ميّزات الاتصال والامتداد وحرية الحركة العابرة للفاصلة الموسيقية، والدقيقة المارّة بالبُعيدات الصوتية، الأمر الذي يجعل من الكمان، إن أُحسن العزف عليها، آلةً تشدو كالبشر.
 
من هنا، كان من الطبيعي بمكان أن تُضمّ الكمان، إن كان بصيغة المفرد أو الجمع، إلى مجمل تشكيلات الفرق الموسيقية الشرقية، من أقاصي جنوب الهند إلى المغرب العربي؛ هذا لكون الغناء بالنسبة لتلك الثقافات بمثابة المركز والمحور، به تتشبّه وتتماهى بقية الآلات، وقياساً إليه يُشاد بعازفها إن أجاد، ويؤخذ عليه إن لم يُجد.


ذلك الإدماج الثقافي للغربي في الشرقي يُعيد آلة الكمان تاريخياً إلى أصولها، إن كان لجهة الوظيفة الموسيقية أو الشكل المعماري الذي تطورت عنه في ما بعد. تعد "الليرا" البيزنطية، الربابة العربية، وقريناتها الفارسية والصينية والهندية جميعها، تنويعات على آلات قديمة قدم الحضارات المشرقية، حين دوزنت أوتارٌ على مقبض خشبي يتصل بجوزة أو صندوق، شُدّت عليه قطعة من جلد الحيوان. وُعزفت عليها بواسطة القوس.
  
الكمان الكلاسيكية، الغربية، بهيئتها الحالية، كانت قد تكوّنت في إيطاليا القرن السادس عشر، ثم تبلورت منتصف القرن التاسع عشر. لئن كانت وظيفتها الأساسية، قبل أن تدخل البلاط الأوروبي، محاكاة دور المُغنّي، إلا إنها تطورت، بتطور الموسيقى ذاتها شكلاً ومضموناً، لتغدو واحدة من أجمل وأكمل التحف العبقرية التي أنتجتها الحضارة البشرية، حيث إنها، وفضلاً عن جمال الشكل وإبداع العمارة، قد بلغت ذروة التصميم التكنولوجي في بلوغ ذروة التعبير الصوتي.
 

موسيقى
التحديثات الحية

عادت الكمان إلى الشرق الأقصى عن طريق الكولونيالية. في الهند، وفيما هيمنت أنواع الربابات الشعبية، كالإكتارا والديلروبا والساراندا، احتلت الكمان في موسيقى جنوبي الهند، والتي تعرف بالموسيقى الكارناتية، مكانة حيوية. يعود الفضل في ذلك إلى أحد أعلام موسيقى الراغا الهندية، وهو بالاسوامي إكشيتار (1786-1859)، الذي افتُتن بها حين سمعها وشاهدها ضمن عتاد إحدى الفرق الأوركسترالية الإنكليزية المُلحقة بـ"شركة شرقي الهند البريطانية".
 
طوّع العازفون الهنود، سواء ثقافياً أو تقنيّاً، كلاً من الوضعية ودوزان الأوتار، ليتناسبا والانزلاقات اللحنية السريعة والبعيدات الصوتية الدقيقة التي تتميز بها موسيقاهم. باتوا يتربّعون على الأرض، يركنون جسم الآلة على إحدى الركبتين، فيما تُسند العنق على عظم الترقوة الأيسر. من شأن ذلك أن يطلق العنان لأصابع اليد على طول المقبض، فتُنفذ، بخفة ورشاقة فائقة، بديع الزخارف اللحنية، أو ما يُعرف بالسنسكريتية بـ"الآلانكار".

لوحة استشراقية تصوِّر مدينة إسطنبول زمن القرن الثامن عشر، للرسام السويسري جان إتيان ليوتار  Jean-Etienne Liotard (1702-1789) بعنوان "موسيقيون أتراك يعزفون على الكمان"، تُعدّ إحدى الظهورات الأولى للآلة الأوروبية في تركيا، ويعتقد أن مصدرها كان التخوم مع الإمبراطورية النمسا-هنغارية عن طريق صربيا.

كما الحال في الهند، سبق أن اضطلعت تشكيلة من آلات الرباب الأناضولي، البلقاني، والوسط-آسيوي، بدور محاكاة أو مصاحبة المُغنّي داخل التخت الموسيقي السلطاني. أما الكمان الحديثة، فلم تكن تُسمع في أرجاء البلاط إلا ضمن فرق البعثات الفنية والثقافية، التي عكف على إيفادها ملوك وأمراء أوروبا إلى الآستانة. خارج أسوار القصر، عُزفت الكمان بالأسلوب الشرقي، في المقاهي وحلقات الدروشة، كما اشتغل بها الغجر إبان القرن التاسع عشر، أثناء تجوالهم في أنحاء الجهة الغربية لأراضي السلطنة العثمانية.

لعل موسيقيّي المشرق العربي قد عرفوا الكمان وعزفوا عليه الأجناس والمقامات في فترة ما من القرن التاسع عشر، إما نتيجة الاحتكاك بالموسيقى العثمانية، أو بفضل مصر وحركة التحديث النشطة فيها إبان حكم الخديوي إسماعيل (1830 - 1895)، أو ربما لكليهما معاً.

أسوة بالهنود وبالأتراك، وفي استثمارٍ للخاصية الغنائية المتوفرة نتيجة العزف بالقوس وطلاوة المقبض بلوحه الأسود، حيث تصول الأصابع وتجول، تزركش وتزخرف، غيّر العرب أيضاً من دوزان الكمان، إحرازاً للدقة في تنفيذ البُعيدات الصوتية. كما جرى خفض مستوى علوّ الأوتار عن سطح الآلة بغية تسهيل انزلاق الأصابع عليها، تيسيراً لمحاكاة التطريب الزخرفي الذي يقوم به المُغنّي، الأمر الذي أفضى إلى تبدّل جذري في طبيعة الصوت، في قوته، وفي علوِّه وشدّته.

في آلة الكمان الكلاسيكية، قد تبلغ قوة الشد الناجمة عن دوزنة الوتر الواحد مقدار ما يعادل وزن الثمانية كيلوغرامات. من شأن ذلك أن يهب الآلة صوتاً صدّاحاً يميل إلى الحدّة والارتفاع، وعليه، قوّة تعبيرية هائلة. حين يُرخي العازف الشرقي الوترين الأخيرين، يخفف بذلك من حدة التوتر ومن شدة تلك القوة، ليميل الصوت إلى الخمود والقتامة، أيّ، يصير أقرب إلى أصوات الرباب.

من جهة الأسلوب، طوّر عازفو الكمان الشرقي طرائقهم لصالح الغناء بالآلة أكثر من الأداء. اكتفوا بعزف الصوت الواحد، وطوّعوا سرعة القوس وحركة الأصابع حتى شارفت نخبة منهم، كـ سامي الشوا (1885 - 1965)، على بلوغ حدود الكمال في فنون التطريب. الشوا، المولود في القاهرة لأسرة حلبية والملقب بـ"أمير الكمان"، كان يؤنسن الكمان، فلا يعود كماناً، لشدة اقترابه من حدود الغناء البشري، ما حدا بالشيخ علي محمود أن يكسر المحظور الديني لجهة "اجتناب المعازف"، وأن يسجل مديحاً نبوياً برفقة كمان الشوا.

الاحتفاظ بشيء من "غربية" الكمان في العزف عليه شرقياً، لجهة توتّر الصوت واللعب على أكثر من وتر بغية إصدار أكثر من نغمة في آن معاً، إضافةً إلى استعارة بعض نماذج البراعة الآلية "الفرتيوزية" Virtuosity، برز لدى المصري عطية شرارة (1922 - 2014)، الذي سبق له أن تعلم الكمان الكلاسيكي، ودرس طرق الكتابة والتوزيع الموسيقي الأوروبي، فترك مؤلفات غربية كلاسيكية، فضلاً عن المقطوعات المقامية الشرقية.

شرق أوسطياً، عقب إحداث المعاهد الأكاديمية التي، وبالإضافة إلى التراث الشرقي، بُدِئ بتطبيق المناهج الكلاسيكية الغربية بشقيّها العملي الأدائي (الفردي والجماعي) والنظري التوزيعي والتأليفي فيها، فبزغ جيلٌ من العازفين في المنطقة، آثر محاولة جمع الأسلوبين في العزف، الغربي والشرقي، حيث اكتسب دربة وتقانة مكّنتاه من الحفاظ على الدوزان الأوروبي أثناء تنفيذ البُعيدات الشرقية دون اللجوء بالضرورة إلى خفض الأوتار.

مع هذا، يبدو عازفو اليوم، وكأني بهم يعانون حالاً من الازدواجية في شخصيتهم الفنية. إذ يتناهى صوت كمانهم كلاسيكياً أوروبياً، أو ما شابه، حين يؤدون إحدى المقطوعات الكلاسيكية الأوروبية، وما إن يعزفوا أو يرتجلوا الموسيقى الشرقية، حتى يفقدوا الذخيرة الحسّية الكامنة في صوت الآلة ويخسرون مجمل مكامن قوتها التعبيرية.

لعل في تفسير ذلك أسبابٌ تقنية ترتبط بسيرورة تطوّر اللغة الصوتية عند العازفين الجدد. بيد أنه قد تكون له أيضاً أسبابٌ ثقافية واجتماعية تُسيَّر وجهة وعيهم الفني من دون وعيهم. إذ لا تزال الذهنية الجمعية للعربي، الإنسان والفنان، تعزو كلّ ما هو تقنيّ فيزيائي - أو - نخبوي للغرب وكل ما هو شعوري روحاني - أو - شعبوي للشرق، وفي هذا سوء فهم مزمن وعميق لكلٍّ من الشرق والغرب، قد أخّر، وما زال يؤخّر، العرب عن الدخول في مصالحة حقيقية مع الحداثة تمنع عنهم مآل الزوال؛ فكأن الأذن الموسيقية لدى العرب إن سعت إلى البراعة سمعت الآلة كماناً غربياً، وإن هي سعت إلى سماع "الآه" أحالت الآلة إلى ربابة. 

المساهمون