آلان باركر في لندن عام 1994: تنويعات الابتكار (مارتين غوودايكر/Getty)
02 اغسطس 2020

اهتمامه السينمائيّ بالموسيقى لا يحول دون اشتغاله في مسائل مرتبطة بالسياسة والحرب وتأثيراتهما، السلبيّة غالباً، على الفرد وعلاقاته بمحيطٍ مُقيمٍ فيه، أو ببيئة يعيش وفق قواعدها. البريطاني آلان باركر (1944 ـ 2020) يوفِّق في سيرته المهنيّة بين الأخلاقيّ والموسيقيّ، فيجعل الأول منطلقاً لتنقيبٍ بصريّ في أحوال أفرادٍ يقارعون أهوالاً في أزمنة الانقلابات المختلفة، ويذهب في الثاني إلى أقصى انفعالات المرء إزاء عالمٍ يتخبّط بمواجع ونكبات، ويبحث عن خلاصٍ.
أفلامٌ عدّة لباركر منطبعةٌ في وعيّ فردي لمشاركتها في توثيق سينمائيّ لاضطرابات وتساؤلات، بعضها يستمرّ في إرباك راهنٍ غير متصالح مع ذاته. وإذ يُنجز باركر أفلاماً موسيقية، تعتمد متخيّلاً منبثقاً من وقائع (Fame، 1980)، أو تعكس شيئاً من سِيَر مغنّين وموسيقيين وأعمالٍ لهم ("بينك فلويد: الحائط"، 1982؛ وThe Commitments، 1991)، أو تُحوِّل مسارَ بلدٍ إلى أغنياتٍ تروي تاريخاً وذكريات ("إيفيتا"، 1996)؛ فإنّ "شهرته" السينمائية متأتية مع إنجازه Midnight Express عام 1978، الذي يبقى أحد أجمل الأفلام الواقعية، رغم (أو بالأحرى بسبب) قسوة أحداثها، والعنف المبطّن غالباً في مَشاهدها التي تلتقط "سيرة" شابٍ أميركي يُلقى القبض عليه في تركيا، بتهمة تهريب المخدّرات (1970).
حرب فيتنام حاضرةٌ في سيرته المهنية أيضاً ("بيردي"، 1984)، تماماً كالحرب العالمية الثانية، وتحديداً إثر قصف بيرل هاربر (7 ديسمبر/ كانون الأول 1941)، والاحتدام الاجتماعي العنفيّ في أميركا ضد اليابانيين المُقيمين فيها ("تعال وانظر إلى الجنّة"، 1990). أما العنصرية الأميركية، والنزاع الدائر بين السود والبيض في ستينيات القرن الـ20، فتعثر على مساحة سينمائية حادّة في "حريق ميسيسيبّي" (1988).
هذا يُرافق تجوّلاً في الجغرافيا أيضاً، وبعض الجغرافيا يجذبه إلى تنقيبٍ في اجتماعها وعلاقات ناسها وانفعالاتهم. فيتنام تحضر في أميركا (من دون تحديد واضح لمكان جغرافي معيّن)، تماماً كالعنصرية المتوغّلة في ولاية "ميسيسيبي" (جنوب أميركا)، أو كاليابان التي تواجه عنصرية أخرى في الداخل الأميركي (لوس أنجيليس). تركيا تظهر عبر سجنٍ تُمارَس فيه أنواع شتّى من العنف، لفظاً وتصرّفاً واعتداءً جسدياً. أما الأرجنتين، التي تجذب مخرج "قلب آنجِل" (1987) إلى أربعينيات القرن الـ20 وخمسينياته، فتستلهم من بيئةٍ وعصرٍ عناصرَ دراميّة لسرد حكاية امرأة (إيفا بيرون/ مادونا) عبر الغناء والموسيقى، بدلاً من الانصراف إلى الدراما البحتة أو الكوميديا الملطِّفة أجواءَ عسكرٍ وانقلابات وأحوالٍ مرتبكة. كأنّ الفنّ السمعيّ غالبٌ، واتّحاده مع الفنّ البصريّ تفعيلٌ لتأمّلات سينمائية في زمنٍ ومناخٍ متنوّع وأحوالٍ مختلفة، كتمكّنه من مزج الاجتماع والذات والروح والبيئة بالسمعيّ المنفتح على البصريّ في أفلامٍ موسيقية/ غنائية أخرى.
تنويعُ اشتغالاته السينمائية منصبٌّ على سعيٍ دؤوب إلى اختبار علاقة الأنماط والأشكال بمواضيع حيوية. التاريخ مختَبرٌ مليء بالحكايات والانفعالات. الأزمنة داعمٌ أساسيّ لتحريك المخيّلة عبر وعيّ معرفيّ بدقائق الأمور، من دون التزامها كلّياً، فالسينما لن تكون درساً في التاريخ، بل تمريناً على إخضاع العقل للخيال، وعلى ابتكار الصُوَر من الوقائع. السياسة عاملٌ، لكنّ الهدف إنسانيّ وأخلاقيّ غير مسيطِرَين على السينما، فالسينما أجمل من أنْ تخضع لمسائل كهذه، إنْ يبغي صانعها تنقيباً في تفاصيل وهوامش تؤكّد النواة أو تُكْملها أو تنقض معطياتها.

آلان باركر، بالتنويعات الشكلية لأفلامه، يُحافظ على حيوية صورة لن تتمكّن من امتلاكٍ دائمٍ لجماليّات تتخطّى المضمون أو المعنى. فالمضمون يظلّ ركيزةً لقولٍ خارجٍ عن المباشر، أو لتصويرٍ منصرفٍ إلى توثيقٍ سينمائيّ لواقع أو حكاية أو مساراتٍ (أفلامه الموسيقية الغنائية، مثلاً). والمعنى يأتي لاحقاً، أي بعد نهاية كلّ فيلمٍ، إذْ يُتاح دائماً حيزٌّ واسع لبحثٍ ونقاش وتفكير، فغالبية أفلام باركر تدعو إلى إعادة النظر في مسائل ومسالك، والعاديّ منها منخرطٌ في هذا أيضاً، كأنّ السينمائيّ العادي في لائحة أعماله جزءٌ من تمرينٍ على ابتكار صُورٍ تُكمِل بعض سيرته المهنيّة.
والسينمائيّ العاديّ نفسه يخضع لمضمونٍ أقوى. كأنّ آلان باركر معنيّ بحدثٍ/ حالة/ موضوع يريد قولاً فيه، فيستعين بأدوات السينما كي يُعلن موقفاً. مثلٌ على ذلك: "حياة ديفيد غايل" (2003). يرفض باركر عقوبة الإعدام، فيروي حكاية ديفيد غايل (كيفن سبايسي)، المتّهم في ولاية تكساس (التي تُنفِّذ عقوبة الإعدام) بقتل كونستانس هارّاواي (لورا ليناي)، صديقته التي تُشاركه حراكاً نضالياً ضد عقوبة الإعدام تلك. هناك لعبة تُمارَس لتبيان وقائع يُفترض بها أنْ تُلغي تلك العقوبة، لتداخلٍ معقّد بين معطيات ومسالك ومقاصد تؤكّد كلّها عدم صوابيّة الإعدام، فالأخطاء واردة، والسلوك الفرديّ يفضح، أحياناً، وقائع غير ظاهرة لمحكمةٍ تميل إلى حكم الإعدام، فـ"يُقتَل" من يُحتَمل أنْ يكون "بريئاً".
هذا دليلٌ على اهتمامٍ كبيرٍ لآلان باركر بقضايا حسّاسة، وإنْ يبتعد قليلاً عن متطلّبات السينما. القضيّة/ المسألة/ الموقف أهمّ من الصورة، وإنْ تتمكّن الصورة، غالباً، من بلوغ مرتبة محترفة من الاشتغال، المبتعد عن الإبهار. هذا يختلف عن "ميدنايت إكسبرس"، الذي يُوازن بين مضمونٍ يريد باركر مقاربته سينمائياً، وشكلٍ ينبثق من أولوية المساواة بين مضمونٍ وشكل مهمِّين معاً. هذا حاصلٌ في "بيردي" أيضاً.
رغم هذا كلّه، تبقى أفلام آلان باركر محصّنة في ذاكرة سينمائية، تُعنَى بالعلاقة القائمة بين مسائل عملية ومعنى الصورة السينمائية، بأشكالها المتنوّعة، ومستوياتها المتناقضة أحياناً قليلة.