آلاف المختطفين العراقيين: أول ملفات الحكومة الجديدة

30 أكتوبر 2018
الصورة
"الحشد الشعبي" تنفي ضلوع مقاتليها بهذه العمليات (فرانس برس)
+ الخط -
مع مباشرة الحكومة العراقية الجديدة عملها مطلع الأسبوع الجاري، استأنف سياسيون وناشطون عراقيون حملتهم الهادفة لعدم نسيان ملف المختطفين العراقيين والبحث عنهم أمواتاً كانوا أو أحياء ومعرفة الجهة التي تورطت بتصفيتهم أو إخفائهم. ولا يزال إلى اليوم اختفاء آلاف العراقيين بعد هجوم تنظيم "داعش" على مناطق غرب البلاد وشمالها، غامضاً ومتشابكاً في ظلّ صمت السلطات القضائية، في حين يظهر الملف عبر وسائل الإعلام العراقية على حسب أهواء ساسة البلاد، مُلّاك هذه الوسائل. ويعدّ ملف المغيّبين العراقيين الذين اضطروا للنزوح، وغالبيتهم من المدنيين، خلال الأعوام 2015 و2016 و2017، الأكثر تعتيماً، إلى درجة عدم تحديث التحقيقات بشأن مصيرهم مع انتهاء الدورة البرلمانية السابقة. وكانت تشكّلت لجنة مؤقتة لمتابعة ملف المختطفين والمغيبين في سجون مجهولة من محافظات الأنبار وصلاح الدين وبابل ونينوى وكركوك ومناطق حزام العاصمة بغداد، والذين قضى عدد منهم على أيدي إرهابيي تنظيم "داعش"، فيما آخرون، وهم الجزء الأكبر، قضوا على يد قوات عراقية محلية، وخصوصاً فصائل "الحشد الشعبي" التي دخلت في المعارك ضد التنظيم وقتها.

ويحمّل زعماء ومسؤولون حكوميون، في مناسبات عدة، الجهات الأمنية و"الحشد الشعبي" مسؤولية فقدان واختفاء آلاف المواطنين منذ منتصف 2014، لا سيما بعد فرار هؤلاء المواطنين من تنظيم "داعش" إلى مناطق أكثر أمناً في وسط العراق وجنوبه.

وجاء تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" أخيراً ليؤكّد ذلك، بعد أن اتهم الجيش العراقي وقوات الأمن بممارسة الإخفاء القسري للضحايا. وقالت المنظمة في تقريرها، إنّها "وثقت من بين الضحايا المغيبين أطفالا وصبيانا، اعتقلوا على يد قوات حكومية ومليشيات مسلحة بين إبريل/نيسان 2014 وأكتوبر/تشرين الأول 2017، في إطار عمليات مكافحة الإرهاب".

وحمّلت المنظمة مسؤولية نصف حوادث الاختفاء إلى "جماعة تحت قيادة رئيس الوزراء العراقي السابق، حيدر العبادي"، في إشارة إلى مليشيات الحشد الشعبي، مبينةً أنّ "اللجنة الدولية للمفقودين التي تعمل بالمشاركة مع الحكومة العراقية، تقدّر عدد المفقودين في العراق بما يتراوح بين 250 ألفاً ومليون شخص".

وفي هذا الإطار، لفت النائب في البرلمان العراقي رعد الدهلكي، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى "وجود آلاف المختطفين مجهولي المصير من المكوّن العربي السني، في سجون مجهولة، فيما تعجز الحكومة العراقية عن الشروع بكشف مصيرهم". واعتبر الدهلكي أنّ "ملف المختفين قسرياً والمغيبين من النازحين خلال المعارك ضدّ داعش، هو ملف خطير، وقد شكّل البرلمان السابق لجنة مؤقتة لمتابعة أمرهم، إلا أنّ الكثير من المعوقات حالت دون أداء مهامها كما يجب". وأوضح الدهلكي أنّ "هناك من يتحدّث عن اختطاف 4 آلاف مواطن سني على مدى السنوات القليلة الماضية، ولكن الحقيقة تشير إلى أنّ الأعداد تفوق هذا الرقم بكثير"، مشيراً إلى أنّ "الحكومة العراقية لم تقدّم للجنة المشكّلة أي تسهيلات لكشف الحقائق والتوصّل إلى الأعداد الحقيقية للمختطفين".


وبحسب مصدر مسؤول من محافظة صلاح الدين، فإنّ "المدينة شهدت موجة نزوح قبل انطلاق عمليات التحرير (العسكرية) هروباً من سيطرة داعش، لكنّ بعضهم واجه مصيراً مجهولاً بعد اعتقاله من قبل مجموعات مسلحة تدعي انتماءها للحشد الشعبي أو القوات الأمنية، عبر نقاط تفتيش نصبت على الطريق الذي يربط المحافظة بالعاصمة بغداد". وبيّن المصدر في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "بعض النازحين الذين تركوا ديارهم بعد عمليات التحرير واجهوا المصير نفسه، ولكن في مناطق مختلفة، كانت بدايتها في مناطق أطراف قضاء بلد، جنوب المحافظة، إذ فُقد الكثير بدافع الانتقام نتيجة وجود شحن طائفي بين المناطق ذات النسيج الاجتماعي المتنوع".

وتابع المصدر بالقول إنّ "هناك عمليات اعتقال أخرى حصلت لأشخاص يشتبه بانتمائهم لتنظيم داعش، جرت خلال فترة تحرير قضاء الدور وسط صلاح الدين وقضاء الشرقاط في أقصى شمال المحافظة"، موضحاً أنه في قضاء الدور "أعتقل أكثر من 100 شخص كانوا موجودين داخل مناطقهم أثناء العمليات العسكرية ولم ينزحوا كباقي السكان، وقد أطلق سراح بعضهم في وقت لاحق، لكنّ غالبيتهم لا تزال أماكن تواجدهم مجهولة". وأكّد المصدر أنّ "الحويجة التابعة لمحافظة كركوك، تعرّضت للمصيبة نفسها".

من جانبه، أكّد عضو المجلس المحلي لمدينة الأنبار، غرب العراق، عيد عماش، أنّ "أكثر من أربعة آلاف مواطن تم اختطافه من منطقة سيطرة الرزازة، أثناء نزوح الأهالي بعد اقتحام تنظيم داعش لمدنهم"، مبيناً في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "الأنبار شهدت نوعين من الاختطاف، الأول تمثّل بسلسلة اعتقالات وعمليات خطف نفّذها عناصر التنظيم الإرهابي والتي انتهت بقتل المدنيين بحجج لها علاقة بالخيانة والتجسّس والتديّن والواجبات الشرعية بحسب مفهوم داعش، والنوع الثاني، ما شهدته سيطرة الرزازة ومناطق وسط البلاد وجنوبها، عبر الاختطاف الجماعي الذي طاول رجالا وشبابا وأطفالا، واقتيادهم إلى جهات مجهولة".

وأضاف عماش أنّ "السلطات العراقية في بغداد تنفي حدوث مثل هذه الأمور، ونحن نؤكد حدوثها. فأين ذهب آلاف الرجال بعد خروجهم من مدنهم، لاسيما بعد عبورهم سيطرة الرزازة التي كانت تحت سيطرة القوات العراقية وفصائل من الحشد الشعبي"، لافتاً إلى أنّ "المختطفين ما يزال مصيرهم مجهولاً حتى الآن، وليس هناك أي معلومة عما إذا كانوا ما يزالون على قيد الحياة أم أنهم قتلوا بعد اختطافهم. وأوضح أنه "لدينا مصادر تقول إنهم معتقلون في بلدة جرف الصخر التابعة لمحافظة بابل وسط البلاد، وبعضهم الآخر في مناطق أطراف العاصمة بغداد، ولكن إلى حدّ الآن لم نحصل على شيء حقيقي من خلال البحث، ولا نعرف هل هم أحياء أم أموات".

وتابع عماش بالقول إنّ "المجلس المحلي في الأنبار على تواصل دائم مع الحكومة العراقية ومجلس الوزراء والبرلمان، ونعرض عليهم مطالباتنا ومناشداتنا عبر كتب رسمية وتوفير معلومات للدولة من خلال أجهزتنا الأمنية التي تتابع الملف، ولكن رئاسة الوزراء لديها الكثير من المعلومات، ولا تقدّم لنا أي حقيقة تخدم آلاف الأسر المتأثّرة بالملف من ذوي المختطفين الذين لا ينعمون بأي حقوق أو مساعدات أو اهتمام حكومي".

في غضون ذلك، نفى القيادي في "الحشد الشعبي" علي الحسيني، ما يتردّد من تعليقات لسياسيين عن دور "الحشد" باختطاف آلاف العراقيين من المكوّن العربي السني. وقال لـ"العربي الجديد"، إنّ "الكثير من الاتهامات الكيدية طاولت الحشد الشعبي وفصائله ومقاتليه منذ تأسيسه وإلى حدّ الآن، والأصوات التي تتهمنا وتشير إلينا بأننا سارقون وقتلة هي نفسها تحاول اليوم التقرّب من قادة الحشد داخل العملية السياسية والحصول على مناصب ومكاسب ومصالح"، مشيراً إلى أنّ "هذه الاتهامات لا تمثّل إلا عكازا يستخدمه الساسة السنة للوصول إلى مصالح شخصية، وإلا لو أنهم يملكون أدلة وإثباتات ووثائق تدين الحشد بملف اختطاف المدنيين من النازحين، لتوجهوا إلى القضاء والمحاكم العراقية بأدلتهم ووثائقهم".


وتابع الحسيني قائلاً إنّ "العمليات العسكرية التي شهدها العراق للقضاء على تنظيم داعش الإرهابي حدث فيها الكثير من الأخطاء العسكرية ولا يمكن لأحد أن ينكر ذلك، ولا توجد معركة في العالم جرت من دون خطأ عسكري، ولكن ملف الاختطاف لا علاقة لنا به، ولا يمثّل إلا سجالا إعلاميا وسياسيا، هدفه الوصول إلى ربح شخصي، وإلا فإننا لم نسمع أبداً من الذين استقروا لفترة من الزمن في مناطق الجنوب والوسط العراقي، بأنهم تعرضوا إلى ظلم أو اعتداء، بل إنهم عادوا إلى ديارهم بعد التحرير وهم يشكرون"، على حد زعمه.

بدوره، رأى المراقب للشأن المحلي العراقي أحمد الشريفي، أنّ "ملف المختطفين من المكون العربي السني، هو أحد الملفات التي من المفترض أن تُعدّ بواسطة الساسة السنة بشكل دقيق وبعناية كبيرة، لأن الاختفاء القسري الذي تعرّض له النازحون بأرقام متباينة، فيه جانب أمني وآخر سياسي، فضلاً عن كونه يمثّل رأياً عاماً لدى العراقيين والعالم، وهو موضع مراقبة ليس فقط محلياً إنما من قبل منظمات دولية"، موضحاً في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "مسألة الإجابة عن الاختفاء القسري لعراقيين، مهمة في مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة، لأنها وفي حقيقة الأمر تصل إلى مرحلة جرائم الحرب، ولا بدّ أن تفعّل قانونياً بواسطة من ينادي بها".

وأشار الشريفي إلى أنّ "الحكومة العراقية السابقة، بالإضافة إلى البرلمان السابق متهمان بالتقصير بشأن هذا الملف، لأنّ الجميع تحدّث عن الاختفاء القسري لآلاف العراقيين، ولكن من دون اتخاذ أي إجراءات طبيعية في هذا المسار"، مستدركاً أنّ "ملف المغيبين لم يوضع ببرنامج البرلمان الجديد، ولو كان حاضراً لتمّ الإعلان عنه من قبل كيان سياسي أو كتلة كسلطة تشريعية ستفتح هذا الملف، مع العلم أنّ فتحه سيدلّ على رصانة هذه المؤسسة (البرلمان)".

وبيَّن الشريفي أنّه "في الفترات السابقة حدث تصعيد إعلامي واسع من قبل شخصيات سنية لإثارة ملف المختطفين، وقد تمّ طرح أرقام وأعداد مبالغ بها، ولكن سرعان من انتهت الزوبعة الإعلامية. وهذا يدلّ على أنّ القائمين على إثارة الملف ليسوا جادين بتحقيق شيء منه، وإلا كان الأنجح التوجه إلى القضاء وفتح الملف مرفقاً بالأدلة والأرقام والشهادات الحية بواسطة المتضررين وذوي المفقودين".