آخر حوار مع ألبير قصيري

27 فبراير 2014
الصورة
إنها مصادفات...
في 23 نيسان/ أبريل 2008، التقت الفنانة الرومانية إيلينا ليسكو بالكاتب المصري ألبير قصيري وأجرت معه هذا الحوار الذي يُعدّ الأخير قبل وفاته في 22 حزيران/ يونيو 2008.

  • لقد عرفتك من خلال كتبك والفيلم الوثائقي الذي أنجزته "سوفي لايس" حولك. كيف ومتى وُلد ألبير قصيري الكاتب؟

  ـ  وُلد "الكاتب" باكراً جداً. ففي العاشرة من عمري كنتُ أقرأ وأكتب باللغة الفرنسية. وفي سن الثامنة عشرة،         كتبتُ أول أعمالي "البشر المنسيون من الآلهة".

  • بالنسبة إلى بعض الكتّاب الفرنسيين، الكتابة هي طريقة كينونة وحياة، نوع من الحضور في العالم. هل تنخرط ضمن هذا التقليد؟

  ـ  طبعاً. لقد قرأتُ كثيراً: ستاندال، بلزاك... جميع الكتّاب الفرنسيين، ولكن أيضاً دوستويفسكي وكثيرين غيره.       أريد هنا أن أستشهد بالشاعر مالارميه الذي قال: "بالنسبة لي، الشعر يحلّ مكان الحب"؛ لقد كانت طريقته في       العثور على مبرر للوجود.

  • وماذا عن ألبير قصيري والشعر؟

  ـ  ليس كثيراً. حين كنتُ مراهقاً كتبتُ قصائد مثل الكثير من الشبّان الذين يبحثون عن أنفسهم ويقومون في البداية        بتجارب...

  • في عالمنا اليوم الذي تطغى عليه العولمة والسرعة ونعاني فيه من نقص في الإصغاء إلى الآخَر، هل يمكن لكتاب أن يغيّر حياةً؟

  ـ   بالتأكيد. الكتب غيّرت حياتي.

  • في كتاباتك، تتراءى لنا كشخص يتمتع بحدسٍ كبير، إذ لديك موهبة التنبؤ بالأحداث قبل وقوعها، إن على المستوى الاجتماعي أو السياسي.

  ـ (بعد ابتسامة خفيفة وصمت قصير) إنها مصادفات...

  • في رواياتك، نسمع شخصياتك تتكلم ونصغي إليها بانتباه. خلف أيّ منها تتخفّى؟

  ـ  جميع شخصياتي هي ألبير قصيري!

  • أنت فرانكفوني مثل إميل سيوران، هل عرفته؟

  ـ لا، لم أعرفه شخصياً. أعرف ما كتبه. لكني عرفتُ كاتباً رومانياً آخر هو باناييت إيستراتي. كان مصوّراً          فوتوغرافياً يلتقط صوراً كثيرة في الشارع قبل أن يبدأ بالكتابة.

  • أعود مجدداً إلى سيوران. كان ابن كاهن أرثوذكسي، لكن غير مؤمن، انشغل بالمسألة الميتافيزيقية، بمآل الكينونة والكون. ما هو موقفك من هذه النقطة؟

  ـ أنا سرياني أرثوذكسي كبرتُ في مصر ولا أطرح على نفسي هذا النوع من الأسئلة. إنه سؤال للأوروبيين، أنا      مصري. الحياة بسيطة. وشخصيات رواياتي أيضاً بسيطة.

  • كنتَ صديقاً لألبير كامو الذي طرح في كتاباته إنسانية (humanism) مبنية على إدراك العبثي في الوضع البشري أو تلك "المواجهة بين النداء البشري وصمت العالم". هل لديك ما تقوله حول ذلك؟

  ـ  نعم، كنتُ صديقاً لألبير كامو (يدلّ بيده على قلبه)، لكني لم أشاركه دائماً وجهة نظره الإيديولوجية (يدلّ بيده      على رأسه).

  • ألبير قصيري، هل يمكنك أن تعطينا بضعة مفاتيح جوهرية لعالمك؟

  ـ  أنا منفتح على العالم. بالنسبة لي، الحياة بسيطة، أي ببُعدٍ طبيعي فقط، كما ننظر إليها في العالم العربي. يعتقد      الأوروبيون بأن العالم معقّد فيعقّدون حياتهم.

  • تُرجمت كتبك إلى عدة لغات. لو أردتُ اختيار واحد من هذه الكتب لترجمته إلى الرومانية، بأي واحد تنصحني؟

  ـ  نعم، كتبي تُرجمت إلى عدة لغات، خصوصاً لغات "البلدان الفقيرة" حيث القراءة غذاء حقيقي. أما الكتاب الذي       أنصحك بترجمته أولاً فهو "شحاذون وفخورون".

  • بما أني رسامة، أريد أن أطرح عليك سؤالاً يتعلق "بالألوان". لو أغلقتَ عينيك وفكّرتَ بباريس خلال فترة الخمسينيات، أي لون يتراءى أمامك؟

   ـ (يغلق قصيري عينيه) الأزرق!

  • لماذا الأزرق؟

   ـ لأن كل شيء كان أزرق. كنّا جميعاً فقراء لكن كنّا نلهو ونعيش!

  • وماذا عن باريس اليوم؟ بأي لون توحي لك؟

   ـ بلونٍ "بشع". لقد انتهى كل شيء... لم يعد هنالك كاتب كبير... لا في فرنسا ولا في أي مكان آخر، وإلا         لعرفنا ذلك!

  • الزمن سيقول لنا إن كنتَ على حق أم لا.

   ـ نعم.

 

(ترجمة أ. ج)

دلالات

تعليق: