آثارٌ جانبية لعاصمةٍ إدارية

01 اغسطس 2020
الصورة

مشهد عام من القاهرة القديمة ومسجد السيدة عائشة (1/1/2019/Getty)

استيقظ القاهريون صبيحة يوم 19 من الشهر الماضي (يوليو/ تموز) على وقع خبر أليمٍ أحزن كثيرين منهم؛ إذ أقدمت سلطاتٌ مختصّة على هدم مقابر تاريخية عديدة تقع في نطاق "مدينة الموتى"، التجمع الجنائزي الهائل الذي يضمّ "جبّانات" عديدة، يقع في إطارها ما لا يقلّ عن 75 أثرًا، يعود أقدمها إلى إنشاء مدينة الفسطاط التاريخية في القرن السابع الميلادي. وتُقدّر نسبة ما تضمه هذه المنطقة من آثار بـ 15% من مجموع الآثار الإسلامية في مصر. 

قُدّمت الجبّانات، وما تحمله من تاريخ المدينة العريقة المُتعبة، لمحورٍ مروريّ جديد تعتزم الحكومة إنشاءه ليصل بين ميدانين رئيسييّن، ولكنّ مدينة الموتى اعترضته فواجهها "البلدوزر" الحديث، ساحقًا تحته رفات الأجداد وذاكرة المدينة وتاريخ أبطال أحداثها. وممّن دُمّرَت مدافنهم: الفيلسوف المصري أحمد لطفي السيد، وزير المعارف ثم الداخلية ورئيس مجمع اللغة العربية ومدير الجامعة المصرية وأحد روّاد الثقافة والنهضة في النصف الأول من القرن العشرين. كما دُمّرت مدافن أسرة عبّود باشا، الاقتصادي المصري وأول مدير مصري لشركة قناة السويس، وحسن باشا صبري المحامي الذي تولّى منصب رئيس الوزراء، و نازلي هانم حليم، ابنة محمد عبد الحليم باشا وحفيدة محمد علي باشا الكبير، وأحمد عبد الوهاب باشا الذي كان وزيرًا مرّات في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته. 

قوانين ولوائح ومناشدات الخبراء لم تفلح في حماية القاهرة وتاريخها وآثارها أمام إرادة الحكومة

كتب كثيرون من أبناء أصحاب المدافن المهدّمة وأحفادهم شهاداتهم في تدوينات باكية على صفحات التواصل الاجتماعي. إذ كتب يحيى نور الدين طرّاف تدوينة بعنوان "وبُعثِر من في القبور"، قال فيها إنّ مسؤول الهدم منح مهلة أقل من 12 ساعة إخطار حتّى يتسلم رفات أبيه الراقد في المقبرة المهدمة، بل لم يصل إليه من قبل أيّ إخطارٍ بنزع ملكية المقبرة، ما جعله يصف هذا بأنّه "صنيع دولة احتلال تحكم بالقوة الغاشمة". وكتب أدهم نديم أنّ جدّه الأكبر مدير مطبعة دار الكتب تملّك المقبرة عام 1930، وتوافد عليها من رفات عائلته أربعة أجيال، فذهب هذا التراث الآن مع الريح. وأصبحت ذاكرته تخص أصحابها فقط، ولا تنتمي إلى تاريخ المدينة في شيء. وكتبت شريفة التابعي تقول إنّها لم تعرف أنّ رفات والدها مهدّدٌ سوى في لحظة الهدم ذاتها ما جعلها في حالة صدمة وذهول... هذا ما كتبه بعض أحفاد أصحاب المدافن التي هدمت، ناهيك عمّن لم يكتب، وعمّن لم يوثّق هذه الآثار التي تحولت إلى العدم بين عشية وضحاها. 

ارتفعت أصواتُ معماريين وعمرانيّين وآثاريّيين وعموم المهتمين بتراث القاهرة وتاريخها وذاكرتها، مندّدين بهذه الأعمال التخريبية، ومؤكدين أهمية نطاق القاهرة الجنائزي، ومنبهين على تفرد المدينة الجنائزية القديمة التي لا يوجد مثلها في مدن العالم. من هؤلاء الخبراء جليلة القاضي، خبيرة التخطيط العمراني ومؤلفة كتاب "مدينة الموتى" (بالفرنسية ثم تُرجم إلى الإنكليزية)، والذي يُعدّ الكتاب الوحيد في مكتبة الآثار الذي يوثق المدينة المهدّدة توثيقًا كاملاً، فبعد أن أكّدت أنّ مدينة الموتى بأكملها تُعدّ "محمية تاريخية" طبقًا للقانون 119 لعام 2008. وبحسبه، لا تفرقة بين الأثر "المسجّل" الذي مرّ عليه مائة عام والأثر "غير المسجل" الذي مرّ عليه أقل من ذلك. بل وذكرت القاضي أنّ مدينة القاهرة التاريخية بأكملها أدرجت في نطاق "الآثار العالمية" عام 1979، ما يعني وجوب عدم المساس بالمدينة التاريخية على أقلّ تقدير. 

مدينة القاهرة التاريخية أدرجت في نطاق "الآثار العالمية" عام 1979، ما يعني وجوب عدم المساس بالمدينة التاريخية على أقلّ تقدير. 

وقّع المهتمون بيانًا يطالبون فيه بوقف أعمال الهدم، والتراجع عن مشروع محور الفردوس الذي تسبب في هدم تراثٍ لن يُعوّض، والذي يشوّه الصورة البصرية للمدينة ويقطع اتّصالها وتاريخيتها. ويقول البيان إنّ هذا المشروع كان قد طُرِح في عام 2014 ثمّ أُوقفه "الجهاز القومي للتنسيق الحضاري"، بعد أن تدخلت شخصيات عامة مع مهندسين ومعماريين وباحثين في مجال التراث، وقدموا بلاغًا للنائب العام عام 2014 ضدّ وزير الثقافة والآثار ورؤساء الأحياء للمخالفات الجسيمة التي طاولت القاهرة التاريخية، بحسب ما كتبت جليلة القاضي. 

ولكن هذه القوانين واللوائح ومناشدات الخبراء لم تفلح في حماية القاهرة وتاريخها وآثارها أمام إرادة الحكومة التي بدأت مشروعًا تطويريًا في القاهرة عام 2015 يهدف لحماية النظام الحاكم الجديد وضبط المدينة المتشعبة. وبدأ المشروع ببناء "عاصمةٍ إداريّة" في أقصى شرق محافظة القاهرة، وانتقلت بالفعل الوزارات والمصالح الحكومية إلى مدينة القاهرة الجديدة. ومن المتوقع أن تنتقل الوزارات، مرة أخرى، من القاهرة الجديدة إلى العاصمة الإدارية، حين انتهاء بنائها. 

وفي السنوات الخمس الأخيرة، لوحظت كثرة مشروعات الجسور (الكباري) والمحاور المرورية الجديدة التي تهدف إلى التسهيل المتزايد لحركة المرور في القاهرة لربطها السريع بالعاصمة الإدارية، فمشروع محور الفردوس ليس منفردًا قائمًا بذاته، بل يقع في إطار مشروع أكبر، يهدف لتطوير القاهرة بشكل يخدم مصلحة انتقال مقر الحكم إلى العاصمة الإدارية. ويحتاج النظام الجديد شبكة طرق سريعة وجديدة وواسعة، تضمن الانتقال السريع للمركبات الأمنية لضبط المدينة الضخمة في دقائق. وبالتالي، لا يُراعى أمام هذا الهدف الحُكمي السياسي أيّ اعتبارٍ آخر، فذاكرة المدينة وجمالياتها وتراثها وتاريخها ورفات أبطالها وقداسة أمواتها لا تُعدّ أكثر من "آثار جانبية" على هامش متن سيطرة النظام الحاكم الجديد على المدينة المتشعبة، وعلى أي حركة بشرية قد تنتفض في شوارعها مستقبلاً، كما حدث وانتفضت في شوارعها منذ عقد.

4FD1CF2E-2644-4CC1-8828-87204B0E3728
خديجة جعفر