"11 سبتمبر" بحضور ترامب

09 سبتمبر 2017
الصورة
+ الخط -
هل كان دونالد ترامب "النتيجة الحتمية" لإعلان الولايات المتحدة "الحرب على الإرهاب" غداة أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001؟ هل أظهرت السنوات الـ16 الماضية "حاجة" أميركا إلى شخصٍ أقرب إلى راعي بقر حقيقي من جورج بوش الابن، وأكثر كثافةً من باراك أوباما في ردود فعله؟ كشف 8 نوفمبر /تشرين الثاني الماضي، تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية، ذلك.
16 عاماً على إجراء أميركا مقارنة مثلّثة، بين إغراق السفينة لوزيتانيا في 7 مايو /أيار 1915 على يد البحرية الألمانية قبالة إيرلندا والهجوم الياباني على بيرل هاربر في جزيرة هاواي الأميركية في 7 ديسمبر/ كانون الأول 1941، وفي 11 سبتمبر 2001. الخلاصة في كل مقارنة تظهر أن رد الفعل الأميركي كان عنيفاً. اندفع الأميركيون، بعد إغراق "لوزيتانيا"، إلى الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، وتمكّنوا من الخروج بمكاسب عسكرية وسياسية، تبدأ من تحوّلهم إلى عنصر أساسي في صياغة سياسات القرن العشرين، وصولاً إلى صيروتهم أنداداً لدول كولونيالية، وُلدت أميركا بالذات من رحمها.
تحوّل الأميركيون، في "بيرل هاربر" إلى رماة قنابل نووية، لـ"وضع حدٍ للحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)". أحكموا السيطرة على أوروبا، وأنشأوا قواعد عسكرية في مختلف أصقاع العالم، في آسيا خصوصاً. وفي "11 سبتمبر"، تفرّدوا في الهجوم على العراق وأفغانستان، وسمحوا لأنفسهم في مطاردة كل من ينتمي إلى تنظيم القاعدة في أي مكان، بطائرات عادية أو بطائراتٍ من دون طيار.
في كل تلك المحطات، وصولاً إلى "11 سبتمبر"، كان الأميركيون "ينتجون" قياداتٍ تتحوّل إلى صانعة الحدث. كان وودرو ويلسون أحدهم في خضمّ الحرب العالمية الأولى. لم يؤيد هذا الرجل "حق تقرير المصير" عن عبث، بل أراد إطاحة الاستعمار الأوروبي لإحلال النفوذ الأميركي مكانه. في أتون الحرب العالمية الثانية، كان فرانكلين روزفلت، صانع التحالف الثلاثي مع البريطاني وينستون تشرشل والسوفييتي جوزيف ستالين، أبرز الوجوه الأميركية في تاريخ البلاد الحديث، لكن أمراً واحداً لخَلَفَه، هاري ترومان، كان كفيلاً بجعل أميركا "قوة عظمى"، لا يمكن التمرّد عليها في حينه. سيتذكّر اليابانيون ترومان طويلاً، لأوامره في قصف هيروشميا وناغازاكي بقنابل نووية.
ليست الحاجة الأميركية إلى ترامب حالياً ترفاً، بل حقيقة واقعية. أظهر الشعب الأميركي، حتى الآن، أنه لا يريد إطاحة ترامب. على الرغم من المشكلات الإدارية التي تهزّ البيت الأبيض، من استقالات وإقالات، وعلى الرغم من التحقيقات في شأن التدخّل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وعلى الرغم من التظاهرات العنصرية والتظاهرات المضادة، إلا أن ترامب مستمر في موقعه حتى إشعار آخر. لا يعني هذا أن الأميركيين متعلقون به لشخصه، بقدر ما أنهم، في مكانٍ ما، يحتاجون في دواخلهم إلى شخصٍ مثله. صحيح أن ترامب قد ينتهي في الكونغرس، وقد لا يكمل ولايته، وقد يُعزل، إلا أنه تمكّن من فرض نفسه بعنوان واحد عريض "الاقتصاد".
نعم، أدت "11 سبتمبر" إلى وصول شخصٍ، كدونالد ترامب، إلى البيت الأبيض. بالنسبة للناخبين، فإن أوباما الحالم مجرّد "ثانية لحظوية" في تاريخ أميركا المتّسم بالواقعية المجرّدة، البعيدة عن أدبيات الأمم الاسكندنافية. ترامب هو "الواقعية" بأبهى حللها. فالفارق بين أوباما القائل بعبارات شعرية "بدأ كل شيء كنسمة في سبرينغفيلد"، وترامب صاحب عبارة "اشتر منتجات أميركية ووظف مواطنين أميركيين"، هو الفارق بين أميركا قبل أي حدث مفصلي وبعده.
سيقف دونالد ترامب يوم بعد غد الاثنين، في 11 سبتمبر، "متعهّداً" بـ"محاربة الإرهاب"، و"جعل أميركا عظيمة وحمايتها". سيهلل الأميركيون له، أكثر مما هلّلوا لسلفيه، أوباما وبوش الابن. يدرك ترامب أن الدواخل الأميركية لا تريد الخروج، أقلّه في الوقت الحالي، إلى العالم بشعاراتٍ إنسانوية. ولعلّ مشاركته في تحفيز المشكلات الجيوبوليتيكية من الشرق الآسيوي إلى البلطيق والشرق الأوسط، ساهم في جمع الأميركيين حوله. لم تتغير أميركا في 16 عاما، بل اكتشفت ذاتها.