"يحيا الفن المنحط"... تقرير عن مواجهة الدولة لأغاني "المهرجانات"

"يحيا الفن المنحط"... تقرير حقوقي عن مواجهة الدولة لأغاني "المهرجانات"

20 مايو 2019
الصورة
لم تعد كلمات أغاني أوكا وأورتيغا مشاغبة (فيسبوك)
+ الخط -
أصدرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير - منظمة مجتمع مدني مصرية - ورقة حقوقية بعنوان "يحيا الفن المنحط.. الدولة العجوز في مواجهة أغاني المهرجانات"، استعرضت من خلالها المواقف الرسمية للجهات المعنية، سواء إدارة الرقابة على المصنفات الفنية، أو نقابة المهن الموسيقية، من نمط أغانٍ مصرية تعرف بـ"المهرجانات".

نشأت أغاني المهرجانات خارج إطار منظومة الإنتاج التقليدي، أو بمعنى أكثر تحديداً دون حماية من الأُطر القانونية، التي رسختها الدولة على مدار عقود، بهدف تقييد حرية الإبداع.

مراحل إنتاج أغاني المهرجانات
تتميز عملية إنتاج أغاني المهرجانات بكونها تُخلق وتنتشر بمعزل عن منظومة الإنتاج التقليدي، حيث تتجاهل المهرجانات الأطر القانونية الناظمة ﻹنتاج الأغاني وتتمرد عليها. ومن جانب آخر، نشأت أغاني المهرجانات بعيداً عن سيطرة شركات الإنتاج التي تملك رأسمالاً كبيراً. ولا تنفي هذه السمة ما حدث لاحقاً من تحولٍ في طريقة إنتاج بعض أغاني المهرجانات ودخولها إلى حيز الإنتاج التقليدي.

نتيجة لهذا التحرر من قيود القانون والإنتاج التقليدي، انتشرت المهرجانات وبات لها جمهور عريض من المصريين، وعلى الأرجح، تحقق هذا الانتشار بفضل الهامش الكبير من الحرية، كون المهرجانات لا تخضع لقيود الدولة. إضافة إلى ذلك، استفادت أغاني المهرجانات من التغيرات التي خلَّفتها ثورة يناير/ كانون الثاني 2011، وتحديداً ازدياد الاعتماد على الوسائل الرقمية في تلقي الفنون.

معركة الدولة
حسب الورقة، تحاول الدولة من خلال ما تضعه من قيود أمام المبدعين ضمان التحكم الكامل في المنتج الفني. إلا أن نموذج الإنتاج الذي اعتمد عليه فن المهرجانات في بعض مراحل تطوره وانتشاره كسر قيود هذه المنظومة وتمرد عليها، وحاول في سبيل تثبيت وجوده الالتفات إلى بدائل أخرى في سبيل الإنتاج والوجود والانتشار، وهو ما جعل الدولة أكثر شراسة في مواجهته.

حمو بيكا نموذجاً
وجّهت نقابة المهن الموسيقية، برئاسة هاني شاكر، سلسلة من الانتقادات ضد مغني المهرجانات حمو بيكا. وبدأت النقابة حملة ضده في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2018، بالتعاون مع الهيئة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية، وزارة الداخلية، ونقابة المهن التمثيلية.

وخلال شهر، تمكنت نقابة المهن الموسيقية من منع ست حفلات لبيكا في محافظات مختلفة، وكذلك تحرير محاضر ضده بدعوى إفساد الذوق ومخالفة القوانين، وذلك لعدم حصوله على التصاريح المختلفة، سواء تلك المتعلقة بإقامة حفل، وتلك التي تثبت أنه "مغنّ"، وذلك بأن يقيد في نقابة الموسيقيين.

كما تمكنت نقابة المهن الموسيقية من إصدار قرار بمنع بيكا نهائيّاً من الغناء، ورفضت طلبه في الحصول على عضوية نقابة الموسيقيين.

في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2018، حررت الشؤون القانونية ولجنة العمل التابعة لنقابة المهن الموسيقية بالإسكندرية محضراً، حمل رقم 13812 لسنة 2018 قسم الدخيلة، ضد حمو بيكا، واتهمته بالغناء بدون الحصول على تراخيص، وتلويث الذوق العام.

وشدد حينها نقيب المهن الموسيقية هاني شاكر، على جميع لجان العمل بالقاهرة والمحافظات بعدم منح أي تصاريح عمل إلى مطربي المهرجانات الشعبية حمو بيكا ومجدي شطة، كما تقدم شاكر إلى الجهات الأمنية بالإسكندرية بالشكر بسبب سرعة الاستجابة، ووقف حفل حمو بيكا، الذي كان مقرراً إقامته في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 بمنطقة العجمي.

 ونشرت الصفحة الرسمية للشرطة المصرية فيديو على فيسبوك، أشارت خلاله إلى أنها فرضت السيطرة على منطقة العجمي بالإسكندرية، بهدف إلغاء حفل حمو بيكا، بعد انتشار التحرش والمخالفات.

وامتدت أزمة حمو بيكا إلى البرلمان المصري، حيث أحيلت طلبات إحاطة من نوابٍ إلى لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، بشأن "ظاهرة إفساد الذوق العام والإسفاف والابتذال في الأغاني الشعبية وتأثير ذلك على المجتمع"، بحسب ما نشرته تقارير صحافية.

كما تقدم أحد المحامين بإنذار على يد محضر ضد هاني شاكر بشخصه وبصفته نقيب المهن الموسيقية، يطالبه بعدم السماح بمنح تصاريح للعمل الموسيقي لكل من حمو بيكا ومجدي شطة، مطربي المهرجانات، وذكر في الإنذار رقم 20811 سنة 2018، أن منْح شاكر تلك التصاريح يعد إخلالاً بواجبات وظيفته، ويؤدي إلى إفساد الذوق العام.

وحسب الورقة "تبين هذه الواقعة كيف تعمل الأجهزة الرقابية في مصر، فعلى الرغم من كون الرقابة على المصنفات الفنية متشعبة ومتجذرة، فإنها عمليّاً لا تملك القدرة على ملاحقة كل ما يخرج للجمهور، أو بحسب وصف خالد عبد الجليل، رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، فإن "حملات التفتيش عاجزة".

وجهة نظر حقوقية
أفادت الورقة بأن نقابة المهن الموسيقية تضع معايير أخلاقية ومحافظة للتعامل مع المبدعين بخلاف المعايير القانونية المعلن عنها، والمتضمنة في اللوائح والقوانين التي تنظم عمل المهنة، وتنظر النقابة إلى فن المهرجانات والقائمين عليه بنظرة دونية رجعية، وتعمل في خطابها على شيطنته بدعوى تدمير الذوق العام، والأخلاق، والمجتمع، والشباب.

لذا، تشعر الدولة بضرورة مواجهة هذه الرسائل، وتُنصِّب نفسها حكماً للذوق العام، وتتعامل مع المتلقين كقُصَّر يجب توجيههم في اتجاه الرسائل التي ترضاها هي سياسيّاً وأخلاقيّاً.


وأضافت الورقة "وعلى الرغم من هذه النظرة الدونية التقليدية من قبل قنوات الدولة الرسمية والمعبرين عن خطابها، فلم يستطع السوق بمنطقه الربحي تجاهل المهرجانات طويلاً. وسرعان ما تم إدماجها في الإعلانات، ووظفت أغاني المهرجانات في الأفلام وتترات المسلسلات".

مهرجانات محمد رمضان
أشارت الورقة إلى أنه يمكن للدولة المفاوضة حول بعض المساحات الإشكالية، وقد تسمح بظهور محمد رمضان بعد خوضها صراعاً مخففاً معه، يقدم فيه رمضان محميّاً بشعبيته الجماهيرية ضمانات على أنه لن يخرج بعيداً عن المنظومة، حيث سوَّى خلافاته مع نقابة الموسيقيين، وأنتج أغنية للقوات المسلحة، وبنى قاعدة جماهيرية، ومثَّل في أعمال درامية تثني على الشرطة، وظهر في إعلان لشركة اتصالات بأغنية شعبية.

لذا فقد وافقت الدولة ضمنيّاً على طلب محمد رمضان بدخول منظومة الإنتاج، في صورة الشاب الصعيدي الموهوب الطائش قليلاً، الذي صعد سلم النجاح بقوة وكوَّن ثروة تمكنه من إنتاج أعمال تحاكي أسلوب هوليوود، من حيث الشكل وحجم الإنتاج.

وقد تدخل الدولة أيضاً في هدنة مع أوكا وأورتيغا، بعدما أصبحا جزءاً من منظومة الإنتاج القانونية، وسارا في مدارات الإنتاج التقليدي، بحيث ظهرا بقوة في مجال الإعلانات، ووصلا إلى جمهور واسع محليّاً ودوليّاً، ما مكنهما من إقامة حفلات بالخارج، ولم تعد كلمات أغاني أوكا وأورتيغا مشاغبة بالقدر الذي يغضب الدولة.

فن الهامش ومعارك إقصائه
وأكدت الورقة "يظل الفن الهامشي حبيس مساحته الضيقة إلى أن يستطيع اختراقها والوصول إلى مساحات أوسع، ويبدأ فن الهامش في فرض نفسه على الثقافة السائدة، ويزداد قبوله في المجتمع. وفي لحظة التحول السياسي والاجتماعي التي شهدتها مصر إبَّان ثورة يناير 2011، كانت الفرصة سانحة أمام هذا الهامش لكي يظهر بقوة، ويطغى في ما بعد على أشكال الثقافة السائدة".

وانتهت الورقة بـ"لا يدرك حراس الأخلاق والتقاليد أنه على الرغم من التضييقات المتزايدة، فإنهم لن يصبحوا قادرين على الوصاية الأخلاقية على الفن، ولن يستطيعوا استمرار حجبه طويلاً عن الجماهير، التي يبدو أنها راغبة في الوصول إليه.

وعلى الرغم من المحاولات المستميتة للسيطرة على المساحات الرقمية بممارسات، مثل: حجب المواقع الإلكترونية، فإنه لا تزال التغييرات التي أنتجتها مرحلة التحول الاجتماعي في يناير 2011 أكبر من أن تكمم، وأصبح الإنتاج الفني غير مرتبط بالضرورة بقنوات الإنتاج التقليدي المؤطر قانونيّاً في سبيل وصوله إلى الجمهور".

المساهمون