"هجَّاؤو اليوتيوب" وشعبويوه

08 مايو 2020
الصورة
نهش الأعراض وتشويه السمعة والاغتيال المعنويِّ للشخصيات الاعتبارية لا يحتاج ذئاباً مفترسة أو حيوانات مسعورة، كل ما يتطلبه الأمر أفرادٌ رِخاصٌ متحرّرون من أي وازع قيمي وأخلاقي ومهني. وللأسف، هذه الرذيلة أصبحت حرفة لها أهلُها وجمهورها، فأينما كان الجهل ثقافة ساد الجُهّالُ، إذ يتخذ الناس، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: "رؤوسًا جهالاً، فسُئِلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا" (متفق عليه). وإذا كان سياق الحديث ينفي قبض "العلم انتزاعًا"، بقدر ما أنه مرتبط "بقبض العلماء حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتَّخذ الناس رؤوسًا جهالاً"... إلخ، فإننا نعرف، ماضياً وحاضراً، صورةً أخرى لسيادة الجهالة، أين يكون أهل الرأي والفكر والتميز أهدافاً مشروعةً لانقضاض ذئاب بشرية عليها، شتماً وتشويهاً وإساءة واستهزاء. الأدهى من ذلك أن تلك الذئاب البشرية أضحت سلعةً مطلوبة، بحيث لم يعد الأمر مقتصراً على اتقاء شرِّ ألسنتها السليطة بالمال والعطايا، بل أصبحت بنادق مستأجرة تنقل ولاءها من كتفٍ إلى كتف، وتوجه نيرانها حسب الدفع والطلب. 
ما سبق ليس مبالغةً في القول والتحليل، بل هو واقع مرير نعيشه راهناً، ضاعف منه تطور وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات "يوتيوب"، بحيث يمكن لأي جاهل اليوم أن يطلّ على مئات الآلاف، بل والملايين، من جهلةٍ آخرين مثله متعطشين للشتيمة والنميمة والكذب والاستعباط، وفوق ذلك رداءة التحليل وتهافت معطياته وزيفها. إنها دائرة مغلقة من تغذية الهبل بعضَه بعضاً، اللهم أن هذه التغذية جارحةٌ تشمئز الآذان النظيفة منها، وتأنفها الأخلاق الحميدة، ويرفضها المنطق السليم. دع عنك تعزيز هؤلاء للسطحية والتخلف والبهائمية في التفكير والنظر والتحليل.
ينهض مجد "هجَّائي اليوتيوب" وشعبوييه على السخافة والهراء، ووجود جمهور واسع يرتجي ذلك كله ويتلقاه. يتكلمون كأساتذة. يُنَظِّرونَ كفلاسفة. يخوضون في قضايا شائكة لا يفقهون حتى 
كنهها، ولا يجيدون نطق مصطلحاتها، ولا يعرفون سياقاتها. وهم في ذلك كله يكذبون ويدلسون ويهرّجون، ومع ذلك يجدون من يصفق لهم، ومن يعدّهم أساتذة في الفهم والوطنية والعطاء، فمن يتابعهم ليس أحسن مستوى منهم. وبعد أن يبنوا حولهم جمهوراً عريضاً من سَقَطِ المتاع وحثالات الناس، تلتفت أنظار المتشاكسين السياسيين والفكريين لهم، فتبدأ مفاوضات تأجير خدماتهم غير الجليلة، فيطلقونهم كلاباً مسعورةً ضد خصومهم في معارك تصفية حسابات ومحاولات تقويض يعجزون عن حسمها في ميدان الحوار والأفكار والمنافسة الشريفة. إنها نوع من الأدوار القذرة يُوَظَّفُ فيها أقذر الأدوات من الافتراء والتشويه، وأحطّ الناس مستوىً وقيمة.
لقد عرف تاريخنا فئة من الشعراء ممن عرفوا بالهَجَّائين. كان الأمراء والتجار والقبائل وعامة الناس يتجنّبون سلاطة لسانهم، فبيت شعر واحد قد يعبر حاجزي المكان والزمان فيذهب مثلاً ويصبح وصمة عار في جبينهم. من منَّا اليوم لا يردّد جزءا من هذا البيت: لا بأسَ بالقومِ من طولٍ ومن عظمٍ/ جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ"؟ .. إنه بيت من قصيدة هجا بها الصحابي، حسان بن ثابت، رضي الله عنه، الحارث بن كعب.
من منَّا لم يسمع ببيت الشعر: لا تشـتَـرِ الـعَـبـد إلا والـعَـصَـا مـعــه/ إِن الـعَـبِـيــدَ لأنـــجـــاسٌ مَـنـاكــيــد"؟ .. إنه بيت شعر من قصيدة هجائية للمتنبي قالها في كافور الإخشيدي.
وإن كان شفع لهجَّائي العصرين الجاهلي وما بعد الإسلام، من أمثال طرفة بن العبد والأعشى، ثمَّ الأخطل والفرزدق وجرير... إلخ، جزالة اللفظ، وعذوبة العبارة، ومتانة التركيب، وعمق التصوير، على ما كان في بعض ذلك من فحش، فإن هجَّائي اليوم لا يملكون أيَّاً من ذلك يشفع لهم. إنهم نشازٌ في القول، وسفاهة في التعبير، وضحالة في المنطق، ويعانون، في كثير من الأحيان، من حسد مرضيٍ. ويذكر أن الشاعر المعروف بالحطيئة جاء المدينة المنورة زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسارع أهل المدينة إلى استرضائه بالمال اتقاء شرَّ لسانه، إلا أنهم لم يسلموا منه، فشكوه إلى عمر الذي عاقبه بحبسه في بئر، ثمَّ عفا عنه بعد أن استعطفه، ويقال إن عمر اشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم. ومع ذلك، لم يتورّع الحطيئة عن هجاء زوجته وأمه، بل وحتى نفسه.
كان الحطيئة ذميم الوجه، قصير القامة، ابن أمة، وبالتالي كان ناقماً على وضع اجتماعي يرى أنه لم ينصفه. ولأنه كان يملك لساناً سليطاً، فإنه أطلق العنان له مادحاً طمعاً بالعطايا، وذامّاً من باب 
الابتزاز، ولذلك كانت القبائل والعامة تخشى هجاءه، فتشتري رضاه. إنه النهج الوضيع ذاته الذي يتّبعه بعض تلك النماذج القميئة من هجَّائي اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي و"يوتيوب"، إلا أنهم لا يملكون جزالة لفظ الحطيئة ولا موسيقى شعره. أراد الحطيئة أن يصنع مكانة رفيعة له تمرّداً على ما رآه من وضاعة مكانته، وهجَّاؤو اليوم يسيرون على المنوال ذاته، يهجون من يفوقهم علماً وفهماً وعمقاً، ذلك أنهم يعلمون أنهم ليس في وارد مداناتهم في المكانة، فلا يبقى أمامهم إلا محاولة تقويضها بمستوى ركيك يؤيدهم فيه خلق كثير، ولكنهم في واقع الحال غثاء وزبد.
كلمة أخيرة. صحيحٌ أن الناس كانت تحاول شراء رضا الحطيئة وسكوته، إلا أنه دائماً ما انقلب على من أغدق عليه المال والعطايا، فكثير من الهجَّائين، كالحطيئة، لم تكن عندهم أرضية أخلاقية وقيمية يحتكمون إليها. الأمر ذاته ينطبق على سخفاء الهجاء اليوم، إنهم بلا أخلاق ولا يعرفون للعهد والوفاء معنى. كثيرون منهم كانوا سلطوا، في الماضي، ألسنتهم على من استأجر خدماتهم راهناً، وسيأتي اليوم الذي يعيدون فيه توجيه فوهات بنادقهم نحوهم. العتب ليس على تلك الحثالات، ولا حتى على من يتابعهم ويؤيدهم، فهم من الطينة ذاتها، إنما العتب على بعض من نحسبهم عقلاء يلجأون إلى خدمات من هم معروفون بغدرهم، وقد قال لي أحدهم يوماً مدافعاً عن استئجار شعبويٍّ هابط المستوى: "كلب ينبح معنا ولا ينبح علينا"! كونوا على يقين أنه سيأتي اليوم الذي ينبح عليكم فيه.
تعليق: