"نظام الأشياء" لميشيل مافيزولي.. تفكير في ما بعد الحداثة

27 يونيو 2020
الصورة
ديفيد سال/ الولايات المتحدة

في كتابٍ نشره عام 2014، سعى عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل مافيزولي (1944) إلى التفكير في ما بعد الحداثة، فطوال حياته الأكاديمية، حاجج المؤلف بأن ما بعد الحداثة يتميّز بتراجع الفردية في المجتمعات الغربية وما يسمّيه "القبلية"، لذلك فإن هذين الموضوعين موجودان في صميم كتابه "نظام الأشياء: التفكير في ما بعد الحداثة".

صدر الكتاب عن سلسلة "ترجمان" في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بترجمة سعود المولى ورنا دياب، ويتناول فيه كاتبه الفكر الاجتماعي، والتناقض بين سلطتين: أفقية تفرزها الحكمة الشعبية، وعمودية مستمدة من الله أو من العقائد التوحيدية. كذلك يحلل الظاهرة التي سماها إعادة السحر إلى العالم.

يأتي العمل في ثمانية فصول، تبدأ بـ "من العلم إلى المعرفة"، وفيه يرى أن حقبة ما بعد الحداثة تتميز بعودة أنماط التفكير الشمولي واستمرارية تعدد القيم بالمعنى الفيبيري، والتي يمكن فهمها من طريق التفكير متعدد الأوجه، تماشيًا مع العصر.

ويرى مافيزولي في الفصل الثاني، "الفكر باعتباره صدى"، أن العالم سيشهد ولادة النسبية العامة التي تتظاهر بأنها نقيض للعالم الوحدوي غير قابل للتجزئة. ومن ثمّ، سيكون ضروريًا التكيف - من الناحية المعرفية والطبية على حد سواء - مع اختفاء الحضارة الغربية المتأثرة حتى العصر الحديث بصرامة التقاليد السامية وحصريتها.

وفي فصل "الفكر التقليدي"، يقول مافيزولي إن الميثولوجيا المتجددة دائمًا، وكيفما كانت، تعبِّر عن ديمومة العادات والتقاليد في الزمن، أو أيضًا عن واقعة أن تكون التجربة الفردية، سواء كانت واعيةً أم لا، خاضعة بعمقها للتجربة الجمعية. وفي رأيه، تشهد على ذلك أشكال المحاكاة المختلفة التي سمّاها دوركهايم الامتثالية المنطقية، وهذا أيضًا ما أشار إليه غابرييل تارد حين تحدث عن قوانين المحاكاة. ومن المفيد رؤية أن ردات الفعل المتزامنة هذه لا توجد فحسب عند شباب الضواحي، وإنما، وبدرجات مختلفة، في جميع القبائل ما بعد الحداثة: السياسية، والفكرية، والدينية، والثقافية.

وتحت عنوان "الحقيقة والواقع"، يجد مافيزولي أن "الواقعي الحقيقي" متعدد ومعقد ومكتمل، وأكثر من أن يكون مجرد مفهوم يطمح إلى إنهاك ما يدل عليه وإلى شرحه برمته؛ إذ يقول "فإن الصورة والهيئة والمجاز (نستطيع أن نجد مفاهيم أخرى أيضًا) تكتفي بالإحاطة بجانب اللغز، وتكشف جانبًا من الستر.

ويقول مافيزولي، في فصل "عن المعرفة الجماعاتية"، إن الكينونة تعني منذ الآن أن يكون الواحد مع الآخر، ويصبح التواصل المزدوج هو الأخلاق الأساسية للاندماج التناغمي المجتمعي، ويصف المؤلف القوة المجتمعية بأنها إرادة مشتركة، تحشد جميع الطاقات البشرية للتثبت من قيام العيش المشترك وصلابته.

وفي فصل "مجتمعية حاضرية"، فإن الشخص والقبيلة، بحسب مافيزولي، ليسا سوى شاهدين على خلود الزمن، ودورهما "تحديثٌ يومي لما يأتي من ذاكرة سحيقة، يستحضران ما هو جوهري على المدى الطويل. منذ الآن، ومن وجهة نظر ظاهراتية أو تفهمية، فإن اليومي هو حضور الأمد".

وفي "التفكير الشغوف"، الفصل الأخير، يرى المؤلف أن التفكير بوصفه "حسًا سليمًا" يمثّل طريقة لتصور الواقعي الحقيقي الكامن خلف الواقع، أو بصورة أفضل، لفهم حقيقة الواقعي الحقيقي، وهو دفع ما شكَل اكتشافات بعض المفكرين الرائدين، حتى نتيجته القصوى، وأن التفكير الشغوف هو التناغم النزاعي لجميع الإمكانات والمقدرات البشرية، ولقول هذا بكلمة واحدة: هو المجتمعي.